بحث     | بحث متقدم
مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان
الصفحة الرئيسية
حماية حقوق الإنسان

تعليم ونشر حقوق الإنسان

ثقافة، أديان وحقوق الإنسان

مركز معلومات دارفور


المكتبة

النشرة الإخبارية للمركز


الاشتراك فى القوائم البريدية

   

مقالات مركز معلومات دارفور

هل من إيجابيات للدبلوماسية الهجومية السودانية؟ | 28/09/2007


المحرر: محمد الحسن أحمد

لا تبدو العلاقات السودانية الدولية مستقرة على حال، فالسمة الأبرز فيها انها في غالب الاحيان متوترة وفي بعضها فاترة، ونادراً ما يكون هناك بصيص أمل في تحسنها، ثم ما تلبث ان تعود إلى التوتر مرة أخرى، الكل تصور بعد قرار مجلس الأمن الذي صدر بالإجماع حول القوات الهجين أن الأوضاع ستتحسن مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى الولايات المتحدة، لكن سرعان ما انقلب هذا التصور إلى العكس تماماً.

منذ اسبوعين على ابعد تقدير نقل عن مصادر رسمية في الخرطوم ان الحكومة اتفقت مع الإدارة الأمريكية على إجراء حوار لفتح صفحة جديدة في العلاقات وأن وزير الدولة في الخارجية السودانية السماني الوسيلة سيزور واشنطن بدعوة منها في السابع والعشرين من الشهر المقبل لهذا الغرض، وأنه سيجري مفاوضات مع كوندوليزا رايس وعدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وهناك تفاؤل كبير بحدوث اختراق يؤدي إلى شراكة بين البلدين وتعزيز التعاون على المستويات كافة.

وبعد يومين وفي العشرين من هذا الشهر أصدرت وزارة الخارجية بيانا بمناسبة الذكرى التاسعة لقصف مصنع الشفاء جددت فيه تمسكها بمطالبة مجلس الأمن بالتحقيق في قصف الولايات المتحدة للمصنع عام ،1998 واعتبرته عملاً ارهابياً، وبعد يومين ايضاً من صدور هذا البيان استدعت الخارجية السودانية رئيس بعثة المفوضية الأوروبية في الخرطوم والقائمة بأعمال سفارة كندا كلا على حدة وسلمتهما مذكرة ابعاد من البلاد فوراً كشخصين غير مرغوب فيهما بزعم قيامهما بنشاطات تشكل تدخلا في شؤون البلاد الداخلية، مما يتنافى مع واجباتهما ومهامهما الدبلوماسية، وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية: “إن الخارجية أكدت للدبلوماسيين حرص السودان على علاقات التعاون التي تربطه مع كل من مفوضية الاتحاد الأوروبي وكندا وان الحادث يجب ألا يعيق العلاقات”.

وتردد في الأنباء أن التدخل في شؤون السودان الذي استندت إليه الخارجية هو أن للمسؤولين ظلا على اتصال ولقاءات مع قيادات من متمردي دارفور وشخصيات معارضة في الخرطوم ومنظمات مجتمع مدني تعتبرها الحكومة واجهات لنشاطات معارضة.

ترى هل ما تردد من أسباب كاف ومقنع للمجتمع الدولي بطرد الشخصيتين؟ ما هو المفيد في الاتصال والتواصل مع شخصيات من قيادات متمردي دارفور والحكومة نفسها لم تترك جهة لم توجه لها دعوة للتوسط، والآن وساطة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومعهما بعض الدول الأوروبية قائمة على قدم وساق، ثم ما هو الضرر من الاتصال بشخصيات معارضة ومنظمات للمجتمع المدني وكلها تندرج في معارضة سلمية إذا جاز التواصل مع فصائل متمردة وتحمل السلاح؟

من جهة أخرى، كيف أذن الناطق باسم الخارجية السودانية لنفسه وهو يبرر الاجراء بأنه يجب ألا يعيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وكندا، وهل من اعاقة للعلاقات اكثر من طرد الدبلوماسيين؟! أما كان الأوفق لفت نظرهما في المبتدأ إذا كان هناك ما يدعو لذلك؟ ثم من بعد ذلك أما كان التسلسل يقتضي تقديم شكوى بحقهما للاتحاد الأوروبي وكندا، وربما حتى الطلب باستبدالهما دون إثارة كل هذه الزوبعة وما صحبها من توتر عالمي وشكوك حول موقف الحكومة ونياتها.

لقد ابدى الاتحاد الأوروبي استياءه من تصرف الحكومة واستدعى سفير السودان في بروكسل وطلب منه ان تقدم الحكومة المبررات التي استندت إليها في ذلك التصرف، بينما ابدت الحكومة الأمريكية شكوكها حول الدافع وراء هذا الطرد وتخوفت من ان يكون بين دوافعه خلق عوامل جديدة لعرقلة المعالجة المقترحة لأزمة دارفور، علما بأن المنظمات التابعة للأمم المتحدة جلها يتحدث عن خروقات حكومية سواء من الجيش أو الجنجويد بما يعتبر جرائم ضد الانسانية أو حقوق الانسان.

ولعل في التصريحات التي أدلى بها في الخرطوم مفوض الاتحاد الافريقي حول القوات “الهجين” ما ضاعف الشكوك حول احتمال نكسة جديدة تخطط لها الحكومة لخلق صعوبات جديدة أمام تنفيذ قرار مجلس الأمن، وبالتالي أخذ البعض يربط بين كل هذه التطورات مجتمعة ويستنتج أن طرد الدبلوماسيين ليس معزولاً عن هذا الاحتمال.

وفي ضوء كل ما تقدم، أليس من واجب الحكومة أن تتوقف قليلاً لتنظر في دبلوماسيتها الهجومية التي ظلت تتبعها منذ أعوام، وكيف ان هذه الدبلوماسية جلبت لها المشكلات مع المجتمع الدولي وتسببت في عزلها إلى حد بعيد، في وقت هو أول ما تحتاجه هو مساندة المجتمع الدولي.

إن موقف الحكومة من حيث المفاوضات مع الجماعات المتمردة في دارفور سليم، وأخذ العالم يتفهم أخطاء المتمردين وكيف ان خلافاتهم تشكل العائق الأكبر في الجلوس إلى طاولة التفاوض وصولاً إلى الحل المنشود، ولكن الحكومة بدلاً من ان تستفيد من هذه التحولات الايجابية لمصلحتها فإنها بدبلوماسيتها الهجومية تحول كل الأقطار إلى مربعها وإلى اخطائها التي لا تقف عند حد معلوم.