أكبر من أمريكا والمجتمع المدني.. إنها حول من يدير مصر

In مقالات رأي by CIHRS

كتبه بهى الدين حسن

رغم السماح بسفر المتهمين غير المصريين في قضية المنظمات الأجنبية، فإن العلاقات المصرية ــ الأمريكية ما زالت تواجه أكبر أزمة منذ يونيو 1967، التركيز على الأسباب المعلنة لهذا التأزم المتسارع لا يساعد على فهم ما يجري.

القول بأن السبب يرجع إلى أن المنظمات الأمريكية قد مارست نشاطها في مصر بدون ترخيص، غير مقنع؛ لأن ذلك كان يمكن وقفه بقرار معلن من الحكومة المصرية. كما أن هذا لا يفسر لماذا لم يتخذ نفس الموقف إزاء عدد أكبر من المنظمات الأوروبية والأمريكية التي تعمل في مصر بدون ترخيص قانوني، أو انتهى ترخيصها منذ سنوات، ولم يجدد، ومع ذلك لم تقم الحكومة بمداهمة مقارها، ولا التحقيق معها، ولا حتى لفت نظرها شفاهة أو كتابة؟ فضلا عن أن اثنتين من المنظمات الأمريكية التي دوهمت مقارها وأحيلتا للمحاكمة، قد جرت دعوتهما رسميا من الحكومة قبل المداهمة بأيام لمراقبة الانتخابات البرلمانية، واستقبلت وفودهما بشكل رسمي، وتلقت تسهيلات من الحكومة أفضل مما حصلت عليه المنظمات المصرية!

تفسير المشكلة بما قاله محققا القضية عن ممارسة هذه المنظمات لأنشطة تجسسية، وتهدد وحدة البلاد! لم يأخذه المحققان أنفسهم بجدية، فقد حصروا الاتهام الرسمي فقط في العمل بدون ترخيص قانوني. بينما يبدو أن تلك الاتهامات السياسية الأخطر قد جرى تصميمها ليس للمحكمة، بل من أجل تنمية شعور الرأي العام بالتهديد الخارجي ــ دون مبرر موضوعي ــ جنبا إلى جنب الشعور بالتهديد الداخلي الناجم عن الفراغ الأمني غير المبرر، الأمر الذي يساعد في النهاية على التفاف رجل الشارع المذعور حول المؤسسات الأمنية. راهنت الحملة القضائية/ الأمنية/ الإعلامية على القارئ غير المدقق، وعلى أن العاطفة الوطنية لبعض المصريين يمكن أن تغيب عقولهم تماما، بما في ذلك تقبل إمكانية تحول مصر بين ليلة وضحاها من خادم ذليل للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، إلى متمرد عليها!

التركيز المفرط في الإعلام الأمريكي على «شيطنة» الوزيرة فايزة أبو النجا، لا يساعد أيضا على فهم لماذا اشتعلت هذه القضية دون مبرر؟ فالحملة على المنظمات الحقوقية المصرية كانت مشتعلة قبل ثورة 25 يناير، بدون مشاركة أبوالنجا، بل إن مداهمة الجيش الأولى لمنظمات حقوق الإنسان، جرت أيضا بدونها في 3 فبراير، أي في اليوم التالي لموقعة “الجمل”.

وفقًا لمصدر موثوق، فإنه في اجتماع لمجلس الوزراء المصري، حذرت أبوالنجا من أن على الحكومة المصرية أن تعد نفسها لمواجهة ثورة جديدة، وقالت إذا كان في ظل تقييد التمويل الأمريكي حدثت ثورة 25 يناير، فماذا تتوقعون إذا أزيلت هذه القيود؟! لم يستطع بعض الوزراء هضم السؤال، فقد كانوا يعتبرون أنفسهم حكومة الثورة، التي يفترض أن ترحب بالثورة ولا تخشاها! ولكن حديثها كان يخاطب في واقع الأمر أعمق هواجس المجلس العسكري، والأجهزة الأمنية التي ظلت على حالها حتى بعد رحيل الرئيس.

كان الهاجس الأساسي للمجلس العسكري منذ تنحى مبارك، هو كيف يتجنب 25 يناير آخر؟ لذلك سارع بالتوجه للتحالف مع الإسلاميين، وتغاضى عن جرائم العنف الطائفي المتوالية بعد الثورة، وأصدر عددا من القوانين التي تشدد من تقييد حرية التظاهر والإضراب وعقوبة المشاركين فيه، ووضع عقبات قانونية أمام تحول الجماعات السياسية الشابة إلى أحزاب، ثم تحول لاستهدافها بحملات التخوين والمحاكمات العسكرية، بل توعدها مستشاره بـ«أفران هتلر». وعندما بدأت مقدمات الموجة الثانية للثورة، لم يتورع عن ارتكاب مذابح دامية متوالية لقطع الطريق على تطورها.

في شهادته أمام محكمة مبارك، فسر أيضا عمر سليمان المدير السابق للمخابرات العامة الثورة بتأثير المنظمات الأجنبية في مصر. المشترك بين شهادة سليمان وتفسير أبوالنجا للثورة، هو أنه لم يكن هناك مبرر أصلا أو أصيلا للقيام بالثورة، وإنما هي وليدة المال والمؤامرات الخارجية، وأن الشعب المصري غير مؤهل للتمرد، ما لم يجد أحدا يدفع له الثمن!

بالنسبة للمجلس العسكري، تبدأ وتنتهي أهداف الثورة لديه بقطع الطريق على جمال مبارك في تولى الحكم. ولذلك فإن المجلس العسكري وجد في التفسير «المالي الخارجي» الذي تقدمه أبوالنجا إجابة عن سؤال يقلقه ولا يجد له إجابة: «لماذا يواصل هذا الشباب غير الميسور التظاهر والاعتصام والاحتجاج، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه كل يوم من قتلى وجرحى، بعضهم فقد بصره للأبد؟ ولأن المجلس لا يجد مبررا للثورة، وخاصة موجتها الثانية ــ التي اندلعت في نوفمبر الماضي تحت شعار «يسقط حكم العسكر»، وترفض الخروج «الآمن» للعسكر، أو حصول المؤسسة العسكرية على وضع متميز في الدستور يضعها فوق المحاسبة أو المراقبة ــ فقد كانت إجابة أبوالنجا هي سر صعودها.

المسألة باختصار، أن أي مسئول عن حكم مصر يتوهم بأن «تمويل المجتمع المدني» هو الذي أطاح ــ دون مبرر موضوعي للثورة ــ بمبارك، فإنه سيعتبرها مسألة حياة أو موت. يتفق في ذلك الحكام الحاليون (العسكر) والقادمون (الإسلاميون).

وفقًا للتقارير الصحفية، فإن أجهزة الأمن التي داهمت بعض المنازل بقرب وزارة الداخلية، أثناء مظاهرات الاحتجاج على مذبحة بورسعيد، كانت تسأل السكان الذين هللوا للمتظاهرين، عمن يدفع لهم؟! إنه نفس الهاجس الذي بمقتضاه أيضًا، جرى استدعاء بعض الرموز السياسية المشهورة، للتحقيق في مزاعم بأنهم يمولون المتظاهرين! ولم يشفع لأحد الشخصيات الشهيرة أنه كان قد قدم بلاغا ضد منظمات حقوقية بدعوى تلقيها تمويلا خارجيا!!!

وفقًا لمصادر موثوقة، فإن الإدارة الأمريكية تعهدت بوقف التمويل المباشر لمنظمات المجتمع المدني، بل وقدمت اعتذارا شفويا. ولكن ذلك لم يساعد على وقف التدهور، خاصة أنه ليس هناك معلومات عن أن أمريكا اعتذرت عن إلحاحها المتكرر منذ أكتوبر الماضي على تسليم الحكم لسلطة مدنية، باستثناء توقفها عن تكرار المطالبة بذلك.

عندما صرح بانيتا وزير الدفاع الأمريكي، بأن طنطاوي وعده تليفونيا، بوضع حد لمشكلة المنظمات الأمريكية، فإن أبوالنجا عقدت في اليوم التالي مؤتمرا صحفيا مشتركا مع وزير العدل، ليعلنا أن القضية ستمضى ولا شيء تغير! وعندما توسط أحد أعضاء المجلس العسكري لرفع المنع من السفر عن المتهمين الأمريكيين، جاء الرد في اليوم التالي بالإعلان في الصحف عن تحويل القضية للمحاكمة! وفي أعقاب زيارة رئيس الأركان الأمريكي لمصر، عقد طنطاوي اجتماعا مع رئيس الوزراء بحضور مدير المخابرات العامة ووزراء الداخلية والعدل وأبوالنجا، ليطلب منهم التحلي بالهدوء في تناول مشكلة المنظمات الأمريكية، ونشرت الصحف الحكومية تقارير صحفية وصورة للاجتماع. ولكن من تتحدث باسمهم أبوالنجا سربوا في اليوم التالي لذات الصحف فقرات ملتهبة من شهادتها للمحققين، احتلت مانيشتات الصفحات الأولى، تتهم فيها صراحة الولايات المتحدة بالتآمر على الأمن القومي لمصر!

ذلك ليس المؤشر الأول على وجود صراع مكتوم ليس مع أبوالنجا، ولكن مع من تنطق أبوالنجا بلسانهم داخل المجلس العسكري أو في المؤسسات الأمنية، فمن العبث تصور أن أبوالنجا أقوى من طنطاوي!

في ديسمبر الماضي جمع أحد أعضاء المجلس العسكري المراسلين الأمريكيين في مصر، ليبلغهم أن البرلمان التي بدأت ولم تكن قد اكتملت حينذاك مراحل انتخابه، لا يمثل كل المصريين، وأنه غير مؤهل وحده لكتابة الدستور. وفي اليوم التالي قال عضو آخر في المجلس أن زميله كان يعبر عن وجهة نظر شخصية. منذ ذلك الحين توقف كلاهما عن الظهور إعلاميا!

في هذا السياق لم يعد السؤال ما إذا كان المجلس العسكري سيسلم السلطة في يونيو، ولكن السؤال عمن بيده القرار لتنفيذ هذه الخطوة الحاسمة. هل استعدت الأجهزة الأمنية ــ التي تشبعت لعقود بالعداء للإسلاميين، وما زالت تعتبرهم خصوما ــ لهذا اليوم، بل لليوم التالي الذي سيقوم فيه الإسلاميون بالتطهير الأيديولوجي لهذه الأجهزة؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بعيدة عن الأزمة مع منظمات المجتمع المدني، فهي وثيقة الصلة بالمناخ السياسي الذي يجرى تسخينه بقضية المنظمات الأمريكية، واستعمالها كحطب لتوسيع هامش المناورة أمام المجلس العسكري، ولاستعادة قدر من شعبيته المنهارة، ولإعداد مسرح العمليات لأهداف أهم كثيرا من هذه الأزمة.

تعتبر الشهور الثلاثة القادمة حاسمة بالنسبة لمستقبل مصر، وليس مؤكدا أنه سيمكن الوصول بسلام إلى محطة تسليم الحكم لرئيس مدني منتخب في 30 يونيو، خاصة أن أسئلة رئيسية لا تقل أهمية، لم يجب عنها بعد، على رأسها موقع المؤسسة العسكرية في الدستور، وفي حكم البلاد؟ وحدود سيطرة حزب أو تحالف الأغلبية الإسلامية؟ الأمر الذي يجعل المجلس العسكري والأجهزة الأمنية حريصة على العمل بدأب لتشكيل أرضية سياسية يمكن أن تتقبل تدخلات غير متوقعة بقدر أقل من المقاومة.

* مقال نشر في جريدة الشروق بتاريخ 14 مارس 2012

http://shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13032012&id=9db7e30d-c428-43b9-be96-646105cf2a65