إرادة الإصلاح

In مقالات رأي by CIHRS

محمد سيد سعيد
جريدة البديل، 17 فبراير 2009

بمقاييس السعودية يبدو أن الإصلاحات التي اتخذها الملك عبدالله منذ يومين ثورية فعلًا. وهي على الأقل تؤشر لمرحلة من بين مراحل تطور النظام السياسي الذي لا يشبهه شيء في عصرنا.

ففضلًا عن الاعتراف بدور المرأة السعودية التي صارت تتجاوز الرجال في نسبة التعليم والحصول على الشهادات الجامعية العليا، فإن “هز” هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتغيير قيادتها وربما الطريقة التي تعمل بها هما رسالتان مهمتان وإن تأخرتا عن موعدهما لعدة سنوات. وكان المجتمع السعودي قد استيقظ بعنف منذ عدة سنوات على واقعة احتراق عدد كبير من التلميذات لأن مطوعي الهيئة منعوا الرجال من إنقاذ البنات اللائي كن يهربن من الحريق بذريعة أن ذلك حرام. ومنذ ذلك الوقت ثار صراع حول تبعية مدارس البنات وهو الأمر الذي حسمه الأمر الملكي لصالح وزارة التربية والتعليم.

وقد يُقال أن هذه التدابير الإصلاحية أقل كثيرًا مما هو مطلوب لإضفاء طابع إنساني على المجتمع السعودي. وأنا شخصيًا لن أصدق أن هناك إصلاحًا قبل أن يتم الفصل بين العائلة والدولة وتنتهي امتيازات الأسرة في الثروة والحكم. ومع ذلك لا يمكن التقليل من أهمية مثل هذه التدابير الإصلاحية وبصورة خاصة بناء نظام للقضاء نأمل أن يكون موضوعيًا ومهنيًا وحديثًا كما وعد المسئولون الجدد.

السؤال الذي يحيرني هو: ماذا يجعل الملك السعودي راغبًا في إدخال إصلاحات سياسية وإدارية بينما يرفض الرئيس مبارك هذا المفهوم تمامًا؟ ليس المقصود بالطبع هو مقارنة المجتمعين فلا مجال لهذه المقارنة وإنما سبر غور مشكلة إرادة الإصلاح.

ما هي المتغيرات التي تدفع قيادة ما لاتخاذ قرارات إصلاحية وتمنع قيادة ما من مجرد الرغبة في الإصلاح؟

تقليديًا نفكر في السن. ولكن في هذه الحالة تتقارب أعمار العاهلين بل والعجيب أن يكون الملك عبدالله أكثر رغبة في التغيير من شباب أسرته.

هل ننسب الفرق إلى الضغوط التي يتعرض لها كل منهما؟ ثمة بالطبع ضغوط خارجية لإحداث شيء من الإصلاح. أما على المستوي الداخلي وهو ما يهم فالضغوط من أجل الإصلاح في مصر أقوى وأكثر شفافية ووضوحًا عنها في السعودية.

هل ننسبه إذًا لطريقة إدراك كل من العاهلين للمشكلة السياسية؟ ثمة شيء من ذلك. فالرئيس مبارك كان ولا يزال يخشى أن يؤدي أي تغيير إلى انفراط عقد المجتمع وانهياره سواء بالطريقة التي وقعت للاتحاد السوفيتي أو بالطريقة التي وقعت للجزائر مثلا منذ 1992. أما العاهل السعودي فيعرف أن لديه من الموارد ما يمنع مثل هذا الاحتمال من الحدوث في الأفق المنظور.