إلى صندوق النقد الدولي: أجِّلوا التصويت على قرض لمصر

In برنامج مصر ..خارطة الطريق, مواقف وبيانات by CIHRS

ينبغي ربط الموافقة بإجراءات قوية لمكافحة الفساد

قالت ثماني منظمات حقوقية غير حكومية  في رسالة وُجهت أمس 23 يونية إلى المديرين التنفيذيين لـ “صندوق النقد الدولي”، أن على الصندوق تأجيل التصويت على قرض بقيمة 5.2 مليار دولار أمريكي لمصر، والمقرر في 26 يونية الجاري، حتى يتم تضمين متطلبات قوية لمكافحة الفساد في البرنامج ونشر شروط القرض للعموم.

في 5 يونية الجاري، توصلت الحكومة المصرية إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لترتيب احتياطي بقيمة 5,2 مليار دولار، وهو أداة مرنة تمنح قروضًا لفترة زمنية قصيرة وبشروط أقل من برامج الصندوق التقليدية. وأشار بيان صحفي صادر عن الصندوق إلى أن الغرض من القرض هو “دعم الإنفاق الصحي والاجتماعي، وتحسين شفافية المالية العامة، وتحقيق تقدم أكبر في الإصلاحات الرامية إلى تحفيز النمو وخلق فرص عمل بقيادة القطاع الخاص”. وفي 11 مايو الماضي، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على مبلغ منفصل بقيمة 2,77 مليار دولار كمساعدة طارئة لمصر في إطار تسهيل قرض آخر لدعم استجابة الحكومة لجائحة كوفيد-19.

تقول سارة سعدون، الباحثة في الأعمال وحقوق الإنسان في “هيومن رايتس ووتش”: “ذكر صندوق النقد الدولي مرارًا وتكرارًا أن مكافحة الفساد والمشاركة العامة عنصران رئيسيان في استراتيجيته في الأزمة الاقتصادية المرتبطة بجائحة كوفيد-19، ومع ذلك، فهو يُقرض مليارات الدولارات لمصر دون نشر الشروط للعموم أو مراعاة مخاطر الفساد العالية”.

المنظمات الحقوقية التي وقّعت الرسالة هي: “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان؛ وكوميتي فور جستس؛ والمنتدى المصري لحقوق الإنسان؛ والشبكة الأورو-متوسطية للحقوق؛ والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان؛ ومبادرة الحرية؛ وهيومن رايتس ووتش؛ ومشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط”.

لم ينشر صندوق النقد الدولي حتى الآن وثائق تصف برنامج القرض، ما يجعل من المستحيل تقييم ما إذا كانت الاتفاقية تتضمن متطلبات لضمان استخدام الأموال بشفافية وضمانات كافية ضد الفساد. لذا وللسماح بمشاركة عامة مستنيرة فيما يتعلق بقرض مُحتمل، على صندوق النقد الدولي تغيير ممارسته القاضية بإصدار مثل هذه المستندات فقط بعد تصويت مجلس الإدارة. علمًا بأنه لم تُنشر بعد الوثائق المتعلقة بالقرض الممنوح لمصر مايو الماضي بقيمة 2,77 مليار دولار.

في السنوات الأخيرة، قوّضت الحكومة المصرية استقلال هيئاتها المناهضة للفساد، وأضعفت دور السلطة القضائية، ما فاقم مخاطر الفساد في البلاد بشكل كبير. وكما لاحظت التقارير القِطرية لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن الحكومة لا تطبق قوانين مكافحة الفساد بشكل فعال. كما أدى تدخل الجيش، الذي يتوسع بسرعة، في الاقتصاد المصري إلى زيادة مخاطر الفساد، إذ تفتقر الشركات المملوكة للجيش إلى أي إشراف مستقل أو مدني، ما يحرم الجمهور المصري من الحصول على المعلومات اللازمة لتقييم التكاليف والمستفيدين من المشاريع الممولة من القطاع العام.

في مارس 2016، أقال الرئيس عبد الفتاح السيسي هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات وقتها. والجهاز هو هيئة مستقلة تهدف إلى مراقبة الفساد. وذلك بعد أن صرّح “جنينة” بأن مصر خسرت 600 مليار جنيه مصري (حوالي 76 مليار دولار)، بين 2012 و2015، بسبب الفساد الحكومي. ولاحقًا، صدر حكم قضائي على “جنينة” بالسَّجن لمدة عام بتهمة “نشر أخبار كاذبة” بشأن الفساد في مصر.

كان القانون المصري قد منح رئيس هذا الجهاز حصانة من الفصل، لضمان استقلال الجهاز، لكن الرئيس السيسي أصدر مرسومًا في يوليو 2015، في غياب البرلمان، يُسقط هذه الحصانة ويسمح له بفصل رئيس أي جهاز رقابي.

في أكتوبر2019، أفرج صندوق النقد الدولي عن الشطر النهائي من قرض لمصر قيمته 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، والذي اعتُبر أنه لا يُعالج الثغرات الخطيرة في الحوكمة في مصر. إذ ساهمت إجراءات التقشف التي اتخذتها الحكومة، بالإضافة إلى تعويم الجنيه المصري، في زيادة معدلات التضخم، وزيادة معدل الفقر في ظل عدم كفاية برامج الدعم الاجتماعي.

بعد الموافقة على القرض في 2016، اعتمد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي إطارًا جديدًا لتحسين كيفية تصديه للفساد في البلدان الأعضاء. ومؤخرًا في 16 يونية، أكدت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة للصندوق، في مقابلة مع منظمة “الشفافية الدولية”، المتخصصة في مكافحة الفساد، التزامًا مستمرًا بتنفيذ هذا الإطار. كما أكدت، خلال تلك المقابلة، رأيها بأن “الفساد الراسخ يُقوض النمو الاقتصادي المستدام والشامل”، من بين آثار ضارة أخرى.

وفي هذا الصدد تضيف سعدون: “يجب أن يتأكد 100 مليون مصريًا من أن صندوق النقد الدولي لا يُسلّم حكومتهم مليارات الدولارات دون ضوابط مناسبة، وأن يضمن أن تذهب بالفعل هذه الأموال لمساعدة أكثر المتضررين من التداعيات الاقتصادية الخطيرة للوباء. وعلى المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي أن يفي بالتزاماته بالشفافية، ومحاربة الفساد، ويؤجل التصويت حتى تُنشر الشروط علنًا، وتُوضع تدابير لمكافحة الفساد”.

 

23 يونية 2020
المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي
700  شارع 19 شمال غرب
واشنطن (العاصمة) 20431

حول التزامات صندوق النقد الدولي بشأن قضايا الحوكمة والفساد في مصر

السيدات والسادة أعضاء المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي:

نكتب إليكم بشأن القرض الذي يبلغ 5.2 مليار دولار أمريكي، وقد تم التوصل لاتفاق بشأنه بين فريق عمل صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية في 5 يونية 2020، ويخضع الاتفاق حاليًا لمراجعة المجلس التنفيذي للصندوق قبل المصادقة عليه.

يأتي هذا القرض في إطار اتفاق الاستعداد الائتماني (SBA)، في أعقاب قرض قيمته 2.77 مليار دولار، تم الحصول عليه كمساعدة طارئة للتخفيف من آثار جائحة كوفيد-19، وقدمه الصندوق لمصر من خلال أداة التمويل السريع (RFI) في 11 مايو الماضي.

نحن ثماني منظمات حقوقية غير حكومية، تعمل على رصد وتوثيق القيود المفروضة على المجتمع المدني، والعقبات التي تحول دون استقلال القضاء، وتفشي الفساد، بالإضافة إلى ممارسات الحكم السيئة في مصر. دفعتنا التطورات الأخيرة في مصر، بشأن الحوكمة والشفافية وسيادة القانون وقضايا الفساد، إلى الاعتقاد بأنه يجب على صندوق النقد الدولي أن يفرض شروطًا صارمة؛ لضمان أن أي أموال إضافية سيتم صرفها لذلك البلد ستُستخدم في الأغراض المحددة لها، وهي دعم النمو الشامل، وتعزيز الشفافية المالية، وزيادة الإنفاق الصحي والاجتماعي.

نحن قلقون بشكل خاص لأن الصندوق لم ينشر حتى الآن وثائق مشروع الاستعداد الائتماني، والذي تم التوصل لاتفاق بشأنه على مستوى الخبراء في 5 يونية، كما لم تُنشر الوثائق الخاصة باتفاق قرض الـ 2.77 مليار دولار والذي قدمه الصندوق لمصر كمساعدة طارئة، في إطار أداة التمويل السريع (RFI) وتمت الموافقة عليه في 11 مايو.

بدون هذه الوثائق؛ لن تتمكن منظمات المجتمع المدني من تقييم التدابير المقترحة. هذا الافتقار للشفافية يثير المخاوف، تمامًا مثل الافتقار لتدابير كافية وتنفيذها بشكل جيد في قروض سابقة، بما في ذلك قرض قيمته 12 مليار دولار لمدة 3 سنوات، حصلت عليه مصر في إطار “تسهيل الصندوق الممدد” وتمت الموافقة عليه في نوفمبر 2016.

في ضوء تلك المخاوف، فإننا نطلب من المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي تأجيل تصويته على اتفاق الاستعداد الائتماني، وذلك حتى يتم نشر وثائق الاتفاق، ويتوفر لمنظمات المجتمع المدني الوقت اللازم للاطلاع عليها والتفاعل مع الصندوق ومشاركته وجهات النظر بشأن الاتفاق.

علاوة على ذلك، فإننا نحث صندوق النقد الدولي على الموافقة على القرض فقط في حال توافر شروط صارمة وكافية لمكافحة الفساد؛ بما يتماشى مع إطار تعزيز المشاركة في الحوكمة الذي اعتمده الصندوق في عام 2018، بالإضافة إلى التزامات الصندوق فيما يتعلق بالاستجابة لجائحة كوفيد-19 والتي تشمل شروط فعّالة لمكافحة الفساد والمشاركة القوية مع المجتمع المدني.

لقد أكد صندوق النقد الدولي على اعتبار الفساد تهديدًا رئيسيًا في سبيل إنجاز مهمته في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في مصر. ووفقًا للبيان الصحفي الصادر عن صندوق النقد الدولي للإعلان عن الاتفاق على مستوى الخبراء، فإن أحد أغراض اتفاق هذا الاستعداد الائتماني هو “تعزيز الشفافية المالية” بالإضافة إلى تدابير أخرى وثيقة الصلة بالحوكمة، مثل تعزيز النمو الشامل وزيادة الانفاق الاجتماعي. وتعكس تلك الالتزامات ما ورد في اتفاق تسهيل الصندوق الممدد الذي أبرمه صندوق النقد الدولي مع مصر، والذي وعد بـ “زيادة الشفافية والمساءلة بشأن الموارد العامة والحد من فرص الكسب الريعي وتقليص العائد منها” ومكافحة الفساد. وبرغم ذلك، فإن السلطات المصرية لم تنفذ بشكل كامل التدابير التي من شأنها تحقيق تلك الأهداف في اتفاقات القروض السابقة التي حصلت عليها من صندوق النقد الدولي.

إن افتقار هيئات مكافحة الفساد المصرية إلى الاستقلال وإضعاف المؤسسة القضائية بالإضافة إلى السلوك التعسفي لأجهزة الأمن، كلها أمور تمثّل مخاطر جمة لبيئة الأعمال والاستثمار في مصر.  وكما أشار تقرير وزارة الخارجية الأمريكية؛ فإن الحكومة لا تطبّق بشكل فعّال قوانينها لمكافحة الفساد.[1] كما أدى تزايد تدخل الجيش في الاقتصاد المصري إلى تسليط الضوء على تفشي الفساد، حيث تفتقر الشركات المملوكة للجيش لأي إشراف مستقل أو مدني؛ مما يحول دون وصول المواطنين والخبراء إلى المعلومات الضرورية لتقييم تكاليف المشروعات الممولة من القطاع العام والمستفيدين منها. وعلى الأرجح أدت هذه المشاركة المتزايدة للجيش إلى تثبيط الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.

في مارس 2016، أقال الرئيس السيسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، والجهاز هو بمثابة هيئة مستقلة تعمل كمراقب لمكافحة الفساد. وجاء فصل “جنينة” من منصبه في أعقاب إفادته بأن مصر خسرت 600 مليار جنيه مصري (نحو 76 مليار دولار أمريكي) بين عامي 2012 و2015؛ بسبب الفساد الرسمي. ولاحقًا، حُكم على جنينة بالسجن لمدة عام بتهمة “نشر أخبار كاذبة” بشأن الفساد في مصر.

جدير بالذكر أن القانون المصري يمنح رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات حصانة من الفصل؛ وذلك لضمان استقلالية الجهاز، ولكن الرئيس السيسي أصدر مرسومًا في يوليو 2015، في غياب البرلمان، يسمح له بإقالة رؤساء عدد من الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية.

للأسباب المبينة أعلاه، فإننا نعتقد أنه يتعين على صندوق النقد الدولي تأجيل تصويته على القرض، وذلك حتى يتم نشر وثائق مشروع الاتفاق، وتتمكن منظمات المجتمع المدني من التفاعل مع فريق عمل الصندوق ومجلسه التنفيذي. وكحد أدنى، فإننا نحث المجلس التنفيذي على المصادقة فقط على اتفاق القرض الذي:

  1. يشترط فيه الصندوق، كإجراء مسبق، إلغاء المرسوم التنفيذي الصادر في يوليو 2015 والذي يسمح للرئيس بإقالة رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، أو إصدار مرسوم أو قانون جديد يشمل ضمانات كافية ضد إقالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات لأغراض سياسية.
  2. يشترط فيه الصندوق الاحتفاظ بأموال القرض في حساب منفصل، واحتساب النفقات في بند ميزانية منفصل. كما يجب أن تخضع كل المصروفات لمراجعة مستقلة لاحقة كل ستة أشهر والإعلان عن نتائجها.
  3. يتضمن شرط نشر النصوص الكاملة للعقود العامة، بما في ذلك الترجمات الإنجليزية المتاحة، بالإضافة إلى أسماء الشركات التي حصلت على التعاقدات ومعلومات ملكية المستفيدين.

وتفضلوا بقبول وافر الاحترام؛

المنظمات المنضمة لهذا الخطاب:

  1. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
  2. كوميتي فور جستس
  3. المنبر المصري لحقوق الإنسان
  4. الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان
  5. الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان
  6. مبادرة الحرية
  7. هيومن رايتس ووتش
  8. مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط

[1]  وزارة الخارجية الأمريكية، تقرير حالة حقوق الإنسان في مصر 2018.

This post is also available in: English