الدبلوماسيون لا يصنعون من الفسيخ شربات! (2- 2)

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

بهي الدين حسن

بالطبع مرت الزيارة الرئاسية لبريطانيا مثلما مضت زيارات قبلها في الاتجاهين. فهناك مصالح مالية كبرى، ومصانع سلاح تبحث عن مشتر «كريم»، وإلا توقفت وجلس عشرات الألوف من العاملين فيها في منازلهم. ليس مهمًا إذا كان في المقابل سيجلس في منازلهم عشرات الألوف من العمال وحملة الدكتوراه والماجستير دون عمل في دول أخرى. لا يكترث عمومًا تجار السلاح أو من يتحدث باسمهم على قمة الحكم في أوروبا بحقوق الإنسان، خاصة في الدول المتلقية للسلاح. بالنسبة للعالم العربي بالذات، هم ينطلقون من وجهة نظر عنصرية، تحتقر شعوب المنطقة، وتتفق مع حكامها «الوطنيين»، في الاعتقاد بأنه لا يجدي مع هذه الشعوب بالذات سوى القبضة الحديدية، أما على يد المستعمر أو من يؤدى المهمة بالنيابة عنه. في ورقة بحثية صدرت عن أحد مراكز التفكير المعنية بشئون الأمن الدولي –ترجمتها «الشروق»– يتساءل مركز «ستراتفور» عن أهداف صفقات السلاح العربية الباهظة؟

بصرف النظر عن عنصرية حكومات تجار السلاح في الغرب إزاء العرب، فإنها تصنف في خانة «الأصدقاء»! نظرًا لأن هذه الحكومات- جنبًا إلى جنب روسيا والصين- لا تكترث بحقوق الإنسان. إسرائيل عضو أصيل غير معلن في هذا المعسكر. ليس فقط لعنصريتها، فـ «اللوبي الإسرائيلي» في واشنطن هو أكبر مدافع عن الحكومة المصرية في الكونجرس الأمريكي. كما أن إسرائيل لا تبخل بتقديم خدماتها الاستخباراتية واللوجستية في سيناء ضد الإرهاب، قبل وبعد سقوط الطائرة الروسية. من ناحية أخرى، لا تبخل مصر برد الجميل، بالتصويت لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة لأول مرة منذ نشأتها، وبدعوة الدول العربية للانضمام لاتفاقيات السلام مع إسرائيل، الأمر الذي رحب به نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل في تصريح فوري مفعم بالحرارة، بينما أعلن أبو مازن في اليوم التالي انسحابه من هذه الاتفاقيات.

أما الحقوقيون والصحفيون والأكاديميون الأجانب وغيرهم، الذين ينطلقون من نظرة ندية للعرب تقوم على مبدأ المساواة في الإنسانية، ويشعرون بمسئولية أخلاقية إزاء معاناتهم المهولة المتواصلة على أيدي حكوماتهم والمستعمرين من قبلهم، فإنهم يُصنفون في خانة «الأعداء»! خلال هذا الأسبوع يعقد الكونجرس الأمريكي جلسة استماع مخصصة لحقوق الإنسان في مصر. شهادة محمد سلطان في هذه الجلسة، الأشبه «بمحاكمة»، قد تكون الأقل حدة مقارنةً بأصحاب الشهادات الأخرى الذين وجهت لهم الدعوة مع سلطان. سارة ويتسون، مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومان رايتس ووتش، المنظمة التي تطالب بتحقيق جنائي دولي مع كبار المسئولين عن جرائم حقوق الإنسان بمصر. دانيال كالينجهارت، نائب رئيس منظمة فريدوم هاوس، التي تصنف مصر في تقاريرها باعتبارها دولة غير ديمقراطية وصحافتها غير حرة، وتطالب بفرض عقوبات على حكومتها. الشهادة الرابعة من نصيب شادي حميد، أحد أبرز الباحثين المتخصصين في العالم العربي بمعهد بروكنجز، وهو أحد أهم مراكز التفكير في الولايات المتحدة. جدير بالذكر أن المقال الأخير لشادي فيما يتعلق بمصر كان عنوانه «نظام السيسي هو هدية لداعش». تسبق هذه الشهادات جلسة يستمع فيها لاثنين من المسئولين الحكوميين ذوي الصلة. أحدهما هو توم مالينوفسكي، نائب مساعد وزير الخارجية المعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وهي المرة الثانية التي يتحدث فيها هذا العام أمام الكونجرس، ولكن الأولى كانت عن حقوق الإنسان في العالم. حينذاك قال مالينوفسكي إن انتهاكات حقوق الإنسان في بعض بلدان العالم صارت تشكل أيضًا خطرًا على الأمن القومي الأمريكي، لأن هذه الانتهاكات تغذي التطرف وتعزز دوافع الإرهاب. مصر كانت ضمن قائمة هذه البلدان.

بالطبع يمكن للبعض أن يضم سلطان وأمثاله من الشهود والبرلمانات الذين تطلب شهاداتهم، وكبريات الصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية والألمانية، ومراكز البحث والتفكير العالمية، وقبلها منظمات حقوق الإنسان المصرية المستقلة والدولية، إلى معسكر المؤامرة الهزلية الكونية الإمبريالية الصهيونية على مصر.. ولكن الدبلوماسيين المصريين يعرفون جيدًا أن ترديد هذا الهراء مع نظرائهم الأجانب لا يفيد إلا في جعلهم أضحوكة العالم كله. يفاقم من المشكلة أن المسافات بدأت تضيق تدريجيًا بين المصنفين «أعداء وأصدقاء»، ففي نهاية المطاف مظلة مخاطر الإرهاب تجمعهما معًا.

بالطبع إذا تأكدت مزاعم «داعش» حول إسقاطها الطائرة الروسية، فإن هذا سيؤدي إلى إسراع عملية التوافق بين المعسكرين، على أن كفاءة وممارسات وسياسات النظام الحالي هي «جزء من المشكلة، لا الحل». أيضًا لا يستطيع المصنفون في معسكري «الأعداء والأصدقاء» –بما في ذلك بعض دوائر الحكم في دول حليفة كالسعودية والإمارات– فهم لماذا مازال يحتفظ السيسي في سجونه بشباب مسالم، على رأسهم من هم مثل علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر وأحمد دومة، بينما تخوض مصر حربًا ضارية ضد الإرهاب؟! الإجابة المتكررة التي يكررها حواريو الرئيس في القاهرة، ومرافقوه في رحلاته الخارجية، أنه يعتقد أن هؤلاء الثلاثة أخطر عليه من الإخوان! نظرًا لأن الإعلام الأمني يعتبر الإخوان أخطر من «داعش»، فإن هؤلاء الرموز الثلاثة تصير مصنفة «رسميًا» أخطر من «داعش»! لا تساعد مثل هذه المهاترات في شيء، إلا في فقدان ثقة «الأعداء والأصدقاء والحلفاء» في رشادة العقل الحاكم في مصر، وفى إلقاء أضواء إضافية عما يعنيه الرئيس بأن الدول لا تدار «بالنوايا الحسنة»! ما جرى في رحلة الرئيس الشهر الماضي إلى نيويورك قد يحمل مؤشرات على عملية إعادة تقييم جارية لرشادة العقل وكفاءة الحكم. فقد رُفضت طلبات متكررة بدعوة الرئيس السيسي للاجتماع مع الرئيس باراك أوباما في واشنطن، ثم في نيويورك، حيث أقام الاثنان معًا في نفس المدينة لمدة أسبوع كامل. كما رفض طلب الرئيس بإلقاء كلمة في قمة مكافحة الإرهاب، ومع ذلك حضر الرئيس السيسي اجتماع القمة، ليكون بذلك الرئيس الوحيد المشارك في القمة ولا يحق له التحدث فيها، بينما كانت هناك كلمات مخصصة لرؤساء ولوزراء خارجية دول، بعضها ليس في حرب ضد الإرهاب!

يستطيع الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يوفر على الدبلوماسيين المصريين إراقة ماء الوجه –إذا كان مازال بالوجوه ماء– وخوض غمار معركة خاسرة سلفًا، إن لم يكن اليوم فغدًا لم يعد بعيدًا كما كان. يمكن للسيسي أن يدخل التاريخ من خلال المبادرة بإجراء مراجعة شاملة للسياسات الفاشلة التي وضعت مصر على هذا المنحدر السحيق، مراجعةً تُخرج مصر من الدوران في فلك تلك الدائرة الجهنمية، التي تتابع فيها احتقار آدمية المصريين وإفقارهم، بتأجيج لهيب التطرف ونوازع الانتقام، وبواعث الإرهاب. وإلا فإن على الرئيس أن يتهيأ لدخول التاريخ من باب آخر.


[i] نشر هذا المقال بجريدة المصري اليوم بتاريخ 12 نوفمبر 2015.

* الكاتب هو مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ولكن المقال قد لا يعبر بالضرورة عن رأي المركز