الدبلوماسيون لا يصنعون من الفسيخ شربات! (1- 2)

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

بهي الدين حسن

يواجه الدبلوماسيون المصريون أيامًا صعبة في الفترة المقبلة. لقد نجحوا بشق الأنفس في تسويق نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي للعالم الخارجي، باعتباره “جزءً من الحل” لمشكلة الفوضى والإرهاب المتفاقم في العالم العربي، التي تشكل تهديدًا أيضًا للأمن الدولي. الآن عليهم أن يواجهوا اتجاهًا عالميًا صاعدًا ينظر إليه باعتباره “جزءً من المشكلة”.

في مواجهة الانتقادات العارمة للإطاحة بالرئيس محمد مرسى، جرى تقديم نظام الرئيس السيسي باعتباره الركيزة الوحيدة المتماسكة لاستقرار مصر، وبالتالي العالم العربي، في مواجهة انتشار أعاصير الفوضى والإرهاب والتفكك التي اجتاحت عدة دول في المنطقة. كانت الرسالة للغرب أن عليه –من أجل مصالحه العليا في الاستقرار وفى وقف امتداد نيران الإرهاب إلى عقر داره– أن يضع حذاءً في فمه، حتى لا يُفتح ليستنكر جرائم حقوق الإنسان، وذلك باعتبار أن هذه الجرائم ثمن ضروري لتحقيق الهدف المشترك. وافق المشترى على مضض، ولكن البائع فشل في الوفاء بالمطلوب رغم مرور أكثر من عامين على الصفقة.

الفشل في سيناء «فاضح» للعيان، حتى إن قوات حفظ السلام الدولية هددت بالانسحاب. بل صار الإرهاب قادرًا على أن يضرب في قلب العاصمة بهجمات نوعية كبرى دون التوصل للجناة، برغم أنها عمليات مكررة بالكربون. مثل اغتيال النائب العام على نسق محاولة سابقة لاغتيال وزير الداخلية. كذلك التفجيرات «الكربونية» المتوالية لمديريات الأمن ومقار مباحث أمن الدولة والقنصلية الإيطالية. من ناحية أخرى فإن أعمال العنف السياسي التي كانت محدودة منذ عامين، صارت نمطًا يوميًا للحياة في القاهرة وعدد متزايد من المدن المصرية بطول البلاد وعرضها، بينما تتوالى المؤشرات الملموسة على ازدياد الميل للتطرف العنيف وسط المصريين، بالتوازي مع إغلاق قنوات التعبير السلمي. الانتخابات البرلمانية، التي هي في كل دول العالم مهرجان للمباريات السياسية، صارت في مصر مناسبة إضافية للاحتفاء بالتوجهات الانغلاقية لنظام الحكم. صمت لجان الانتخاب الخاوية كان صداه مدويًا في العالم، ورسالة أكثر بلاغة وشمولًا من مليون بيان إدانة، حول مدى قصر عمر سراب الاستقرار. من السجون خرجت عدة شهادات مخيفة، ليس فقط حول تفشي التطرف والنزوع للعنف، بل حول مدى تعاظم قدرة التنظيمات الجهادية على تجنيد المقاتلين والأنصار من بين السجناء الآخرين، بالاستفادة من الظروف اللاإنسانية المروعة السائدة فيها. كان بعض شيوخ البدو في سيناء قد سبق أن حذروا، منذ عدة سنوات، من مخاطر احتجاز السجناء الجنائيين السيناويين مع الجهاديين في السجون ذاتها. لكن الأجهزة الأمنية –التي تعتقد أنها مبعوث «العناية الإلهية» للمصريين– هي أسمى من أن تصغى إلى عامة الشعب، خاصةً إذا كان في نظرها مشبوهًا، سواء كان سيناويًا أو حقوقيًا. السياسات التي قادت إلى هذه النتائج الكارثية صارت في قفص الاتهام، مهددة بالتالي بأن تتحول وجهة نظر حلفاء السيسي في الغرب، إلى اعتباره “جزءً من المشكلة”. «البيعة» صارت في نظر بعض الدوائر خسرانة. فالفشل مزدوج، في مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار وحقوق الإنسان. لذا فإن الحذاء يوشك أن يقع من الفم.

إحدى أهم هذه الشهادات تتجسد بذاتها في شخص حي، مواطن مصري اسمه محمد سلطان، قضى في السجن 21 شهرًا متواصلة من التعذيب النفسي والجسدي. ولأنه يحمل جنسية إضافية، أكرمه الله بالإفراج عنه، لينتقل إلى وطنه الثاني: الولايات المتحدة الأمريكية. وليتمكن من أن يبوح بما لم يتسع له الإعلام «الحر» في وطنه «الأصلي». أهمية شهادة سلطان أنها لا تقتصر فقط على الانتهاكات المروعة لآدمية البشر التي تعرض لها وآخرون من مجاوريه في السجن من المواطنين «الأصليين»، بل تمتد لتبرهن بالملموس –بوقائع مغموس قلمها في نزيف دم لا يتوقف ولعاب حيوان نازى لا يرتوى– على الترابط الوثيق بين هذا الاستهتار غير المسبوق بآدمية البشر، وبين استهتار آخر بمخاطر الإرهاب، من خلال المساهمة في تغذية جذور الإرهاب، وتصليب عودها، وخلق بيئة أفضل لنموه وتمدده وخروجه عن السيطرة. تثير هذه الشهادة ومثيلاتها سؤالًا بديهيًا: لماذا تكره هذه الأجهزة مواطنيها إلى هذه الدرجة؟ من أين ينبع هذا التوحش اللاإنساني؟ ما هي الأسس العلمية والتاريخية والأخلاقية التي تُدرس في المعاهد الأمنية من أجل تنمية هذا التوحش وتجذيره؟ ماذا يُدرس في هذه المناهج عن المصريين؟

نظرًا للأهمية الاستثنائية لشهادة سلطان، أفردت لها صحيفة «النيويورك تايمز» صفحة كاملة، واجتمع به جون كيري وزير الخارجية الأمريكية، رغم أن سلطان دائم السخرية علنًا من تصريحات كيرى المجاملة للسيسي. كما استضافه البرلمان الأوروبي منذ نحو أسبوعين في جلسة استماع. ونشرت جريدة «الجارديان» البريطانية هذا الأسبوع نسخة موجزة من شهادته بمناسبة زيارة السيسي المقررة في الأسبوع الثاني هذا الشهر. صيغت الشهادة في قالب رسالة إلى ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء، تدعوه في ختامها إلى سحب دعوته للسيسي وإلغاء الزيارة. من اللافت أن سلطان لم يبرر نداءه لكاميرون، بجرائم حقوق الإنسان فقط، بل لكونها تضر أيضًا باستراتيجية كاميرون لمكافحة الإرهاب!


[i] نشر هذا المقال بجريدة المصري اليوم بتاريخ 6 نوفمبر 2015.

* الكاتب هو مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ولكن المقال قد لا يعبر بالضرورة عن رأي المركز.