بهي الدين حسن عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان يكتب: وماذا لو لم يكن موجودًا؟ حصاد المجلس القومي لحقوق الإنسان في ٣ سنوات

In مقالات رأي by CIHRSLeave a Comment

اليوم “١٨ يناير ٢٠٠٧”، يُنهي المجلس القومي لحقوق الإنسان دورته المقررة قانونًا، حيث يعود الأمر إلي مجلس الشورى، ليعيد تشكيل المجلس، إما بتغيير كل أعضائه، أو بعضهم، أو بالإبقاء عليه كما هو.

الاحتمال الأخير غير وارد، لعدة اعتبارات، بينها أن كاتب المقال أعلن في أكثر من مناسبة أنه لا يتطلع إلي تجديد عضويته بالمجلس، فضلا عن أنه أبلغ مجلس الشورى بخطاب رسمي بأنه سيعتذر عنها في حالة تعيينه.

في هذه المناسبة يطرح كثير من الأسئلة، ولكن ربما كان السؤال المركزي: ماذا أضاف المجلس لحماية حقوق الإنسان في مصر؟

هناك مدخل للتقييم، ينطلق من حصر – كماً وكيفاً – ما قام به المجلس من أنشطة. كمياً يمكن اعتبار المجلس مؤسسة نشيطة، فقد أصدر عددا كبيرا من البيانات، وتقريرين سنويين (الثالث قيد الإعداد)، وعقد خمس جلسات استماع، وزار عدة سجون، وساهم في مراقبة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وعقد عدداً كبيراً من الندوات وأكثر من مائة اجتماع مع الأطراف ذات الصلة.

مفاجأة إيجابية

كيفياً يبرز بشكل خاص تقريره السنوي الأول، الذي كان مفاجأة إيجابية للرأي العام، خاصة أنه أتي بعد انتقادات واسعة لأداء المجلس، جاءت من داخله ومن خارجه، بعد تخاذله في المطالبة بإنهاء حالة الطوارئ. كما تبرز التعديلات الدستورية التي تبنت بعض القواسم المشتركة في مطالب الإصلاح الدستوري المطروحة لدي الرأي العام.

سبب رئيسي في التقييم الإيجابي النسبي للتقرير السنوي الأول، هو اعتماده علي تقارير منظمات حقوق الإنسان كمصدر رئيسي له، فضلا عن اضطلاع التقرير بتحليل كيفي معمق للشكاوي التي تلقاها المجلس، وطبيعة الردود التي وصلته من السلطات، موثقًا بذلك لأول مرة، منهجية تفكير سلطات العدالة والادعاء والأمن في التعامل مع حقوق الإنسان.

 ولكن بمجرد تعبير الحكومة عن عدم رضاها عن التقرير الأول، جرت التضحية بهذه المنهجية في التقرير الثاني – إلي جانب إيجابيات مهمة أخري – وانزلق إلي ممارسات سلبية نوعية، أكثر مما حدث في التقرير الأول، حتى إن كاتب المقال اقترع ضده، وكتب مقالاً عنه في الصحافة تحت عنوان “عشر خطوات للخلف”.

ورغم إيجابية أغلبية التعديلات الدستورية المقترحة من اللجنة التي شكلها المجلس لهذا الغرض، فإنها لم تقترب بشكل مباشر من اختصاص المجلس، أي ضمانات حقوق الإنسان في الدستور، والمخصص لها الباب الثالث منه، برغم:

1.    أن خطة الدولة المعلنة منذ نحو عام للتعديلات الدستورية، تتضمن الاعتداء علي هذا الباب بالذات، والانتقاص من الضمانات الدستورية فيه، لتحويل قانون الطوارئ إلي قانون دائم لمكافحة الإرهاب. فضلا عن أن هذا الباب يعاني من اعتداء منهجي كامن فيه، حيث يبيح عدد من مواده للقانون حرية الانتقاص من الحقوق المكفولة بالدستور، وتحويلها إلي جمل إنشائية فارغة من أي دلالة في الواقع!

2.    أن الدستور المصري لا يتضمن سوي إشارة لمرة واحدة إلي حقوق الإنسان (المادة ٥٣)، وهي مادة لا صلة لها بالمصريين، بل باللاجئين السياسيين الأجانب!

3.    أن الدستور لا يتعامل مع مواثيق حقوق الإنسان الدولية باعتبارها مرجعية له، مثلما تفعل دساتير كثير من الدول. لقد كان فتح باب تعديل الدستور فرصة -لن تتكرر إلا بعد زمن- للمجلس لتعزيز “دروعه” الدستورية.

فضيلة الصمت!

نظم المجلس ثلاث جلسات استماع حول وقائع التعذيب ومذبحة اللاجئين السودانيين في مصر، وأوفد بعثة لتقصي الحقائق فيما يتعلق بدعاوي التعذيب في سيناء في أعقاب إحدى جلسات الاستماع. غير أنه في كل الأحوال لم يصدر عن المجلس أي بيان بعد أي منها، لإبلاغ الرأي العام بحصيلة الإفادات التي استمع إليها، وإحاطته بتجاهل الجهات الحكومية المعنية مراسلات المجلس بشأنها، أو بنتائج التحقيق فيها. واكتفي بموجز مخل لبعض هذه الجلسات في التقرير السنوي.

في المقابل، صمتت إدارة المجلس عن قضايا التعذيب الرئيسية، والتي تناولتها الصحافة المستقلة والمدونون ومنظمات حقوق الإنسان وحولتها إلي قضايا رأي عام، خاصة أن بعضها انطوي علي استخدام التحرش الجنسي كوسيلة للتعذيب، واكتفت الإدارة بتناول بعضها في نطاق ضيق في آخر العام في التقارير السنوية. وصمتت أيضا عن قضية السجون السرية في مصر، التي كانت وما زالت حديث العالم (آخر رموزها “أبوعمر”، الذي اختطف في إيطاليا ونقل إلي مصر، لانتزاع اعترافات منه تحت التعذيب).

واكتفت ببضعة سطور في التقرير السنوي الأول نقلا عن الصحف، ثم تجاهلت الأمر في التقرير الثاني، وحتى عندما اعترف رئيس الوزراء المصري لوسائل الإعلام الأمريكية بأن حكومته تلقت ٦٠ شخصًا للتحقيق معهم، فإن الإدارة لم تستجب لاقتراح بعض الأعضاء بمخاطبة أحمد نظيف، وطلب إيضاحات منه محددة بالأسماء والملابسات والمصير.

طال الصمت أيضا تحويل -لأول مرة- عضو برلمان (طلعت السادات) إلي محكمة عسكرية، وتحويل القضاة الذين فضحوا تزوير الانتخابات للمحاكمة، مثلما جرى تجاهل مطالبهم الخاصة باستقلال القضاء. ثم أخيرا الصمت المدوي إزاء مهزلة “اللا انتخابات” العمالية والطلابية.

إلا أن مظلة الصمت تحولت إلي مظلة حماية، فيما يتعلق بما نسب إلي المؤسسة الدينية الرسمية من انتهاكات لحرية التعبير، أو فيما يتعلق بتوسيع الحكومة لدورها في هذا المجال، ومنحها سلطة الضبطية القضائية. وصادرت الإدارة في هذا السياق بيانات وتقارير وأنشطة معتمدة من المجلس ولجانه خاصة بهذه القضايا.

غير أن الصمت كان أحيانا أفضل من تقديم تغطية لبعض الانتهاكات الجسيمة، مثل إصدار نائب رئيس المجلس بيانا بمناسبة الاعتداء علي النساء المتظاهرات احتجاجا علي شرعية الاستفتاء علي تعديل المادة ٧٦ من الدستور في ٢٥ مايو ٢٠٠٥، وتبرير التحرش الجنسي الجماعي بهن بأنه عنف متبادل بين الحكومة والمعارضة! أو التصريح عقب زيارة لبعض السجون بأن الأحوال طيبة، والشكاوي محدودة!

أو التبني المبكر (عام ٢٠٠٤) لرغبة وزارة الداخلية في وضع قانون لمكافحة الإرهاب في حالة إنهاء حالة الطوارئ! دون دراسة ذلك داخل المجلس أو استطلاع رأي الأعضاء، ورغم تلقي معلومات رسمية بأنه سيكون مماثلا لقانون الطوارئ! أو تبني مطلب الحكومة باستبعاد قضية المواطنة من الآليات الدولية لحقوق الإنسان، والتصدي لأقباط المهجر!

عقد المجلس اجتماعات مع كبار المسئولين في الدولة بنحو عدد أصابع اليدين، بينما عقد نحو ١١٠ اجتماعات مع الدبلوماسيين والوفود الأجنبية في مصر -فضلا عن المؤتمرات الدولية- ليس لفضح انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، بل بالأحرى للرد علي الانتقادات الموجهة إلي الحكومة في هذا المجال!

هذه النسبة (١: ١١) هي مؤشر مهم علي أين يقع مركز ثقل عمل المجلس واتجاه “بوصلته”، فالمجلس بهذه المؤشرات ليس هيئة تفاوض مع الحكومة لتغيير سلوكها في مجال حقوق الإنسان، بقدر ما هو واجهة علاقات عامة مع المجتمع الدولي حول صورة هذه الحكومة في هذا المجال.

 

 

من يراقب المجلس؟

كان لهذا الأداء انعكاسات سلبية علي علاقة المجلس بوسائل الإعلام وبمنظمات حقوق الإنسان. لقد كان كثير من هذه المنظمات متشككا منذ البداية في مصداقية المجلس، ولكن أداء المجلس لم يساعد علي تبديد الشكوك بل عمقها، خاصة بعد بيانه بمناسبة الاستفتاء، وعدم رفضه قرار اللجنة الحكومية المشرفة علي الانتخابات البرلمانية، بأن يعمل المجلس كمظلة وبوابة لمنظمات حقوق الإنسان، التي ترغب في مراقبتها، الأمر الذي عزز مخاوف بعض المنظمات من أن يقوم المجلس بالوصاية عليها مستقبلا؛ ومن ثم أقامت دعوي أمام القضاء، الذي حكم لصالحها. من المفارقات أن الذي رفع الدعوي القضائية، هو أحد أعضاء المجلس عن المنظمات!

في مقابل اتساع وتعمق الموقف النقدي للمنظمات تجاه أداء المجلس، بادر بعض المسئولين فيه باتهامها بالجملة، بالزعم بأن موقفها النقدي يرجع إلي أن المجلس ينافسها علي التمويل، رغم ما هو معروف بديهيا من أن المنظمات الحكومية، لا تتلقي تمويلها من ذات القنوات التي تمول المنظمات غير الحكومية، حتى لو كان المصدر واحداً!

غير أن هذا لا يعني أن منظمات حقوق الإنسان قد أوفت بمسؤولياتها تجاه المجلس، فلقد طغي علي علاقتها به طابع الموسمية، وعدم المتابعة علي صعيدي النقد أو التعاون، حتى أنه يمكن القول إن الصوت النقدي من داخل المجلس كان هو الأكثر وضوحا.

إنه ليس منظمة أهلية!

هناك لاشك قدر كبير من التشابه في وسائل وأساليب العمل بين المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان والمجلس، غير أن ذلك لا يترتب عليه التعامل مع المجلس، كما لو كان منظمة أهلية إضافية، يمكن الحكم علي مصداقيتها وفاعليتها من خلال كم أنشطتها، حتى لو لم تستجب الحكومة لهذه التقارير أو تبالي بها. هذا قد يكون مفهوما من المنظمات غير الحكومية، خاصة أن حكومات العالم الثالث تنظر دائما بعداء لها، وتعتبرها منبرًا للمعارضة أو لدول أجنبية أو…..، وتتذرع بذلك للتشكيك في تقاريرها، وعدم الرد علي رسائلها، أو الاستجابة لتوصياتها.

ولكن ما هي ذريعة الدولة في عدم التعاون مع منظمة أنشأتها وحددت اختصاصاتها، وعينت رئيسها ونائبه واختارت أعضاءها؟! وبينهم عدد كبير من القياديين بالحزب الحاكم وأنصاره، وثلاثة وزراء سابقون، ومساعد وزير الخارجية ومدير مكتبه، الذي شغل موقع الأمين العام للمجلس!

منذ عدة شهور كلفت إدارة المجلس باحثا مستقلا، لإعداد خطة وطنية لحقوق الإنسان لاقتراحها علي الحكومة لتنفذها، ولكن وزارتي الداخلية والعدل رفضتا تزويد المجلس بالمعلومات الأساسية، التي تبني عليها الخطة! تري ما هي قيمة خطة لا يجري تصميمها وفقا لمعلومات دقيقة، ويرفض الطرف المطلوب منه تنفيذها التعاون؟!

رغم الدور الاستشاري لمجالس حقوق الإنسان، التي تنشئها الدول بنفسها، فإن وظيفتها الرئيسية تظل هي التأثير المباشر علي عملية صنع القرار التنفيذي في مجال حماية حقوق الإنسان، فإذا لم تقم بذلك، فإن وجودها يفتقر لأي معني، لذا فإنه بعد ٣ سنوات علي إنشاء المجلس من المشروع أن يتساءل أي مراقب “وماذا لو لم يكن المجلس موجودا؟” هل كانت الاعتداءات علي حقوق الإنسان ستكون أكثر من ذلك كماً ونوعاً؟!

هل كانت الانتخابات البرلمانية والعمالية والطلابية، ستكون أقل نزاهة؟! هل ممارسة التعذيب كانت ستصير أكثر وحشية وبذاءة مما يجري؟! هل كان عدم احترام الحكومة لأحكام القضاء، وعدم تنفيذها سيكون أوسع نطاقا من ذلك؟! هل….. ؟ هل….. ؟

واقع الأمر أن وجود المجلس لم يفرض قيدا ولو حريريا علي شهوة عدم احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وأحكام القضاء! لم تكتف الحكومة بتجاهل مراسلات المجلس وتوصياته (لم ترسل الحكومة حتى يناير ٢٠٠٧ تعليقها علي التقرير الثاني للمجلس عن عام ٢٠٠٥!) بل إنها لم تتعامل معه بحد أدني من اللياقة والاحترام، حتى أنها في تعليقها علي التقرير الأول -الذي خصصت نصفه لعرض إنجازات الحكومة في مجال حقوق الإنسان!- كتبت في ردها، أن الحكومة تفعل ذلك، نظرًا لأن المجلس طلب من كل من يقرأ التقرير أن يوافيه بملاحظاته عليه! أي أن الحكومة، لا ترد بموجب التزام قانوني أو سياسي تجاه المجلس، بل هي تتفضل عليه “بردها”!

أي قيمة مضافة؟

إن المستفيد الحقيقي من الوضع الراهن للمجلس القومي لحقوق الإنسان هو الحكومة، بينما لم يؤد ذلك إلي وضع حد لتدهور حقوق الإنسان في مصر خلال عمر المجلس، ولعل ذلك لم يكن ممكنا لولا:

1.    التشكيل غير المتوازن للمجلس -لصالح الحكومة والحزب الوطني- الأمر الذي قوض استقلاليته المفترضة. وساعد علي ذلك الافتقار إلي الديمقراطية والشفافية والكفاءة في إدارة المجلس ولجانه وأمانته العامة.

2.    عدم وجود إرادة سياسية للإصلاح لدي الدولة. إن مصر في وضع مماثل للمغرب منذ ١٧ عاما، عندما أنشأت عام ١٩٩٠ “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”، وكان دوره الرئيسي هو تحسين صورة حكومة المغرب. ولم يتم تفعيله ليقوم بحماية حقوق الإنسان، إلا بعدما اتخذت الدولة المغربية بعد أكثر من ١٠ سنوات، قرارا شاملا بالإصلاح.

3.    ذكاء الحكومة المصرية، التي أدركت أن فوائد إنشاء مؤسسة تبدو “مستقلة”، لتحسين صورتها دوليا، أكبر بكثير من الضجيج النقدي لبعض التقارير التي تصدر عن هذه المؤسسة، التي لن تكون سوي مجرد إضافة كمية علي تقارير أكثر انتقادية وحدة تصدر عن المنظمات المصرية والدولية!

إن التقارير “النقدية”، التي تصدر عن المجلس ضرورة لا غني عنها، لمنح “المصداقية” للدور الأهم للمجلس -من وجهة نظر الحكومة- لذلك فإن أول تعليق لمسئول بالمجلس فور صدور التقرير السنوي الأول عالي الصوت: “إنه جواز سفر المجلس إلي المجتمع الدولي”؟!، وقبل أن يتم تقديم هذا التقرير لأوساط الرأي العام في مصر، كان قد حمله الأمين العام للمجلس إلي جنيف لعرضه علي الهيئات الدولية المعنية.

وفي حديث تليفزيوني مؤخرا قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب: “إن التقرير الأول للمجلس أشادت به وزارة الخارجية الأمريكية”، وأن “الانتقادات جاءت من داخل مصر فقط وليس من خارجها”. وفي حديثه التليفزيوني الأخير منذ أيام في القناة الأولي، أكد رئيس المجلس أن المجلس “ساعد علي تصحيح صورة مصر في الخارج”.

نشر هذا المقال في جريدة المصري اليوم: http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=45283

اترك رد