رسالة مفتوحة للرئيس مبارك: من أجل تجنيب مصر خريف ٨١ جديدًا

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

فخامة السيد رئيس الجمهورية:

رغم أنني أختلف معكم في عدد من السياسات والتشريعات ذات الصلة بقضية احترام حقوق الإنسان – التي أعتبرها مصلحة وطنية عليا- إلا أنه لا يخالجني شك في أنكم تضعون مصلحة الوطن في المقدمة، وفوق كل الاعتبارات الأخرى العامة والشخصية، ومن هذا المنطلق أخاطبكم.

سيدي الرئيس:

إن الطريقة التي أدير بها ملف التعديلات الدستورية تهدد بأن تضع مصر علي أعتاب منزلق خطير يستدعي أجواء الاستقطاب السياسي والاحتقان المجتمعي الحاد الذي ساد صيف وخريف ١٩٨١.

وبصرف النظر عن مدي الاتفاق والاختلاف حول مضامين التعديلات المقترحة -وخاصة المادتين ٨٨ و١٧٩- فإن الطريقة التي تم بها إدارة الملف في مجلس الشعب بشكل خاص، بما انطوت عليه من ازدراء وتحقير لكل رأي مخالف، قد ولدت وستولد تفاعلات غير محدودة في الزمان، ولا تنتهي برفض نواب المعارضة والمستقلين للتعديلات، والدعوة لمقاطعة الاستفتاء.

لا تختلف الصورة كثيرا خارج البرلمان. فلا توجد مؤسسة ذات شأن في المجتمع تقف إلي جانب الحزب الوطني وحكومته وأجهزة إعلامه، فالأحزاب السياسية ونادي القضاة والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام المستقلة تقف علي الضفة الأخرى، بل حتى رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي أنشأته الدولة أخذ موقفا متحفظا معلنا إزاء المادة ١٧٩ علي الأقل، وهناك مواقف متحفظة أخري غير معلنة في المجالس القومية المتخصصة، ومن عناصر قيادية داخل الحزب الوطني ذاته. وباستثناء الموقف العلني الداعم من الإدارة الأمريكية، فإن عددا من الأطراف والمنظمات الدولية اتخذ أيضًا موقفًا نقديًا منها.

سيدي الرئيس:

إن كل الظروف مهيأة لكي يصبح الاستفتاء الذي سيجري خلال ساعات، أقل الاستفتاءات شعبية في تاريخ الاستفتاءات التي أدار الشعب المصري ظهره لها جميعها علي مدار نصف قرن.

لا أقول ذلك لمجرد مبادرة بعض الأحزاب وجماعات المعارضة بدعوة الشعب لمقاطعة الاستفتاء، فواقع الأمر أن هذه الأحزاب والجماعات تنضم بموقفها هذا إلي موقف مقاطع يتخذه الشعب المصري منذ زمن طويل. بل واقع الأمر أن الحزب الوطني ذاته هو أكبر الداعين لمقاطعة الاستفتاء، أولا بطريقته في إدارة الملف في البرلمان، وثانيا بقرار تنظيم الاستفتاء بعد أسبوع فقط من اعتماد التعديلات، وثالثا بتنظيم عملية إخفاء وتضليل ذات طابع شبه حربي حول الموعد الحقيقي للاستفتاء،

ليعلن في النهاية موعدًا (هو الخامس) يسبق الموعد الأول المعلن بنحو شهر كامل، ثم أخيرًا بعدم إتاحة النص النهائي لـ ٣٤ تعديلا للمواطن حتى لحظة كتابة هذه الرسالة. بالطبع من حق جنرالات الحزب الوطني أن يهنئوا أنفسهم علي النجاح في خداع وتضليل أحزاب وجماعات المعارضة وإرباك خططها، ولكن الضحية الحقيقية لعمليات الإخفاء والتمويه هو المواطن -المتعلم والأمي- الذي لا يعرف حتى قبل ٧٠ ساعة من الاستفتاء النص النهائي المطلوب رأيه فيه!

 لذا ليس من قبيل المبالغة القول إن إدارة ملف التعديلات خارج البرلمان قد انطوت أيضا علي ازدراء واحتقار صوت المواطن، ربما باعتبار أنه في جيب الحزب سلفا، سواء ذهب للاقتراع أم لا. خاصة أنه حتى مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء قد توصل مؤخرا إلي أن ٤.٢% فقط من المواطنين يثمنون قيمة هذه التعديلات!

سيدي الرئيس:

إن الرسالة الرئيسية المتواصلة التي بثها الحزب الوطني -بخصوص التعديلات الدستورية- داخل وخارج البرلمان للمعارضة والمستقلين ولعموم الشعب، هي الازدراء والعجرفة والاستقواء بالأغلبية الجاهزة داخل البرلمان، وبأجهزة الدولة وإعلامها خارجه. وهي رسالة مدمرة للمجتمع والمستقبل قبل أي طرف أو أطراف أخري. وهي رسالة، أخشي أنها تستدعي بدورها رد فعل مضاد بنفس عمق الشعور المجتمعي بالإهانة والازدراء.

سيدي الرئيس:

إن مصلحة الوطن تستوجب قبل كل شيء قطع الطريق علي هذا الاستقطاب السياسي الحاد الذي يهيئ المناخ المناسب للعنف والتطرف، والذي لا يستطيع أحد أن يدعي التحكم فيه، خاصة في مجتمع جرت فيه عملية استئصال منظم للسياسة منذ نحو نصف قرن.

سيدي الرئيس:

لا يجادل أحد في أن التعديلات المقترحة تتمتع بالشرعية القانونية التي توفرها أغلبية الحزب الوطني في مجلسي الشعب والشورى، ولكن من الصعب القول إن هذه العملية تتمتع بالحد الأدنى من المشروعية السياسية والمجتمعية.

سيدي الرئيس:

إن الوقت لا يتسع لمناقشة مضامين التعديلات المقترحة، والتي تشكل أكبر قفزة سياسية ودستورية للخلف خلال خمسة عقود، ولا يتسع أيضا لمناقشة مدي ركاكة الصياغة البرلمانية لبعض التعديلات وتناقضها مع نفسها ومع مواد أخري في الدستور، الأمر الذي أثاره حتى خبراء لا يشك أحد في ولائهم السياسي للحزب الوطني، ولا في حبهم الشخصي لكم.

سيدي الرئيس:

إنني أناشدكم وقف اندفاع قاطرة الوطن نحو منزلق خطر إلي درك جديد. والخطوة الأولي لنزع فتيل الخطر، هي علي الأرجح تأجيل استفتاء لن يذهب إليه أحد. لأنه موعد تم تحديده من جانب واحد، ودون «خطاب دعوة».

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=52310