سوريا: الضربة الكيماوية في "أدلب" تستوجب ردود أفعال حازمة من الامم المتحدة، بعيدا عن المزيد من عسكرة النزاع

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسان, دول عربية by CIHRS

يدين مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان فشل مجلس الأمن الذريع والمستمر في القيام بواجباته إزاء الحفاظ على السلم  والأمن  في سوريا، وعجزه عن اتخاذ  قرار يضمن الحد الأدنى من الاستجابة المطلوبة لمواجهة استخدام الأسلحة المحظورة ضد المدنيين، و الاستهداف المستمر للمنشآت الطبية في 6 ابريل الجاري، ضمن أعمال تصنف كجرائم حرب بموجب القانون الدولي.

كما يدين المركز الأعمال العسكرية أحادية الجانب التي أقدمت عليها الولايات المتحدة الأمريكية صباح اليوم الجمعة 7 ابريل، والتي تعتبر عدوانًا بحسب القانون الدولي، ولا يمكن أن تعد حلا أو استجابة مقبولة لجرائم النظام السوري. ويؤكد المركز أن المزيد من عسكرة النزاع في سوريا بمعزل عن القانون، ومن دون صدور قرار ناجع لمجلس الأمن تحت إطار البند السابع الملزمة قراراته، سيؤدي لتفاقم النزاع وخلق بيئة محفزة لارتكاب المزيد من الجرائم من قبل جميع الأطراف المتقاتلة في الأراضي السورية.

وفي هذا الصدد، يدعو مركز القاهرة الجمعية العامة للأمم المتحدة لأخذ بزمام الأمور، بعد ثبوت فشل مجلس الأمن، وذلك بالضلوع في الإجراءات المتضمنة في قرار (377أ) “الاتحاد من أجل السلام، ” وعقد جلسة استثنائية خاصة بشأن سوريا، تعكس الإجماع الدولي على وقف الفظائع المرتكبة في سوريا، ومواجهة ما اقترن بها انتهاكات جسيمة وممنهجة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

كان مجلس الأمن قد أرجئ أمس التصويت على القرار الذي تقدمت به فرنسا والمملكة المتحدة ، ردًا على الهجمات الشنيعة التي وقعت في محافظة إدلب صباح يوم الثلاثاء 4 ابريل الجاري، والتي تشير الدلائل فيها إلى استخدام الغاز الكيميائي، مما أسفر عن مقتل  76 مدنيا على الأقل، خلال الهجمات الجوية على مدينة خان شيخون، فضلًا عن استهداف المرفق الطبي الرئيسي في المنطقة -مستشفى معرة النعمان- بالقصف الجوي في وقت سابق.  هذا التقاعس من قبل مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، لا يعد تقويضا للقانون والنظام الدولي المنوط بالمجلس حمايته فحسب، بل هو بمثابة ضوء أخضر يحفز المتورطين على مواصلة جرائمهم في سوريا ويعزز حالة الإفلات من العقاب.

كان هجوم الغاز الكيميائي قد تزامن مع لقاء المبعوث الخاص للأمين العام في سوريا  ستيفن دي ميستورا، مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، ضمن فعاليات مؤتمر “بروكسل لدعم مستقبل سوريا و المنطقة” لبحث جهود إعادة الإعمار في سوريا بعد الصراع، بينما يعلم المشاركون أن الشعب السوري يخضع في الوقت نفسه للقصف  بمناطق مختلفة في البلاد. وقبل أيام قليلة من هذا المؤتمر- تحديدًا في 31 مارس- اعتبرت الإدارة الأمريكية الجديدة في تصريح للمتحدث باسم البيت الأبيض شون سبيسر أن بشار الأسد هو “حقيقة سياسية يجب تقبلها“. أما  الأمين العام للأمم المتحدة انتونيو جيتيراس، ففي تعليقه على خبر الهجوم الكيميائي، دعا فقط للتحقيق في الحادثة مع إقراره بأن جرائم الحرب مستمرة في سوريا. أما على المستوى الإقليمي فلم يكن التعاطي مع الحدث أحسن حالًا، إذ استمرت جامعة الدول العربية في سياسة الخطابة المعهودة، واكتفى الأمين العام للجامعة بتصريحه بأن الهجوم الكيميائي على أدلب “جريمة كبرى” دون التطرق لأية إجراءات ملموسة يمكن اتخاذها إقليميًا لحماية الشعب السوري.

هذا المناخ العام القائم منذ نصف عقد من الزمن على التنصل من المسئولية إزاء سوريا، واستسلام المجتمع الدولي للمصير المأسوي للشعب السوري، بات غير قابل للاستمرار، ولا بديل عن وضع حد له، دون تردد أو تراخي في اتخاذ المواقف الحازمة ضد النهج الإجرامي  للنظام السوري المدعوم من حليفه الروسي.

لقد تجاوز حجم ونوعية الانتهاكات بسوريا مرحلة الدعوة للتحقيق، وبات تورط النظام السوري في الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية لا يحتاج لمزيد من الأدلة والقرائن. ففي أغسطس 2013، أشارت معظم الأدلة إلى الاعتقاد بمسؤولية النظام السوري المباشرة عن الهجوم الكيميائي الذي ارتكب في الغوطة الشرقية، وأسفر عن مقتل مئات الأشخاص. وفي فبراير الماضي، فشل مجلس الأمن في وضع حد لتلك الجرائم،بسبب روسيا والصين، حق النقض (الفيتو) لوقف قرار فرض عقوبات على النظام السوري استنادًا لتقرير الآلية المشتركة  لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) والأمم المتحدة، والذي خلص إلى أن النظام السوري استخدم الغاز الكيميائي في عدة مناسبات خلال عامي2014 و 2015، فضلًا عما ذكرته لجنة التحقيق الأممية المستقلة في سوريا من أن هذه الأسلحة استخدمت أيضا خلال هجمات حلب بين سبتمبر وديسمبر2015،  وما وثقته منظمات حقوقية سورية ودولية في هجمات مماثلة بمواقع عدة.

إن الإدعاء المغلوط بأن مثل هذه الهجمات تأتي في إطار “الحرب ضد الإرهاب”  أصبح مثير للاشمئزاز، فالقانون الدولي لا يسمح بأي تقييد  للقاعدة العرفية الدولية المتمثلة في حظر استهداف المدنيين في أوقات الحرب. وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد سبق وحذرت من أن “مكافحة الإرهاب” لا تعفي أي طرف أثناء القيام بأعمال عسكرية من احترام المبادئ الإنسانية بغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء العمل العسكري، وهذه المبادئ تشمل مبدأ التفرقة والحاجة العسكرية، الاحتياط و النسبية.

منذ عام 2011، يستهدف نظام الأسد المدنيين بشكل ممنهج  لمعاقبة الشعب السوري احتجاجه على القبضة الديكتاتورية للنظام على الحكم، ولا يمكن تفسير الهجمات على إدلب تحت ذريعة الاحتياجات العسكرية على الأرض، في ضوء سلسلة الانتصارات العسكرية التي حققها النظام في الأشهر القليلة الماضية. فقد شكلت إدلب ملجئ  لمقاتلي المعارضة وأسرهم الذين هجروها قسريا بعد سقوط حلب، كما تأوي العديد من  المدنيين سكان محافظة حماة الذين فروا من هجمات النظام. ومنذ عام 2012  استخدم النظام السوري وسائل حربية إجرامية منها إلقاء البراميل المتفجرة وحصار المدنيين، بما يتجاوز الحاجة لضمان النجاح العسكري، ولا يمكن تفسيره إلا كوسيلة سادية لمعاقبة المعارضين.

وفي هذا السياق يتعين على شعوب و دول الأمم المتحدة  مواجهة هذه الفظائع التي تقوض القيم العالمية الأساسية التي أسست عليها الحضارة الإنسانية برمتها، إذ أن الإخفاق في إيجاد حل للأزمة السورية، يهدد غاية وجود منظومة الأمم المتحدة، ويفتح الباب أمام قتل مزيد من المدنين ليس فقط في سوريا وإنما في أماكن أخرى بالمنطقة.

كما يدعو مركز القاهرة الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تتخذ سلسلة من التدابير تحت إطار جلسة استثنائية خاصة في إطار قرار 377 أ “متحدون من أجل السلام”  لوقف الفظائع المرتكبة في سوريا، بما في ذلك:

  • رفض أي حل سياسي برعاية الأمم المتحدة يسفر عن مكافأة أولئك الذين ارتكبوا أعمالًا إجرامية في سوريا وإفلاتهم من العقاب، بما في ذلك رئيس النظام في سوريا بشار الأسد.
  • إقرار خطوات جادة مضادة، تجبر النظام السوري وحلفائه من جهة، والدول الداعمة للمجموعات المسلحة من ناحية أخرى على الامتثال للقانون الدولي الإنساني.
  • الاستعانة برأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن الوضع القانوني لفشل مجلس الأمن في القيام بواجباته المنصوص عليها في الميثاق، والاستخدام غير المبرر لحق النقض، بما في ذلك حالة الانتهاكات الجسيمة للأمن والسلم الدوليين، لاسيما عند ارتكاب جرائم دولية.
  • إنشاء محكمة خاصة دولية حول الجرائم المرتكبة في سوريا، لاسيما في ضوء عدم إحالة مجلس الأمن الوضع السوري لمكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية على النحو الذي تقتضيه المادة 13(ب) من ميثاق روما.

ويطالب المركز الفاعلين في المجتمع المدني بجميع أنحاء العالم، الآن أكثر من أي وقت مضى، إلى الدفع ضد مناخ الانتهازية السياسية في التعامل مع هذه الفظائع البشرية التي لا تتوقف، مناشدًا الشعوب الضغط على حكوماتها لاعتماد سياسات تقوم على المبادئ الأخلاقية، والحيلولة بكافة الوسائل دون ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

This post is also available in: English