علاء عبد الفتاح وحق الصمت

In مقالات رأي by CIHRSLeave a Comment

  • كتب: محمد الانصارى

يعتبر حق المتهم فى التزام الصمت أثناء مرحلتى التحقيق والمحاكمة من حقوق الدفاع، التى تعد الركيزة الجوهرية للمحاكمة المنصفة، وترتبط بدورها بأكثر من حق من الحقوق الدستورية، فهو لصيق الصلة أن الأصل فى المتهم البراءة، والحق فى التقاضى، والحق فى المساواة بين الاتهام والدفاع. فهو حق لازم لتحقيق التوازن المنشود بين الحقوق والحريات والمصلحة العامة. لهذا فإن احترام حق الدفاع يعد ضمانة أساسية للعدالة. ومن ثم يكون للمتهم الحرية الكاملة فى عدم إبداء أقواله، وله الامتناع متى شاء عن الإجابة عن الأسئلة التى توجه إليه، كما أنه لا يجوز تأويل صمته إلى ما يضر بمصلحته، أو أن يستغل ضده بأى كيفية.

وقد أكد المشرع المصرى حق المتهم فى الصمت فى المادة 274/1 من قانون الإجراءات الجنائية على أن «لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك». بإعتبار أن هذا الحق وثيق الصلة بمبدأ أن الأصل فى الإنسان البراءة الذى أكد عليه الإعلان الدستورى 2011 فى مادته العشرين– مقابلة للمادة 67 من دستور 1971 ــ من أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وهو ما كفلته المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فقد نص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على أن «كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا فى محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه» مادة (11/1)، وهو ما أكد عليه العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية «من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا» مادة (14/2)، والميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان والشعوب «الإنسان برىء حتى تثبت إدانته أمام محكمة مختصة» مادة (7/1/ب). كما أكدت على ذلك الاتفاقيتين الأوربية والأمريكية لحقوق الإنسان.

افتراض براءة المتهم، لا يعدو أن يكون استصحابا للفطرة التى جبل الإنسان عليها، وشرطا لازما للحرية المنظمة يكرس قيمها الأساسية التى لا يتصور أن تنفصل الجماعةعنها. وهو كذلك وثيق الصلة بالحق فى الحياة. وأصل البراءة يعتبر بذلك جزءا لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافا باعتباره متساندا مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثل فى مجموعها حدا أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الاتهام، الوسائل عينها التى يتكافأ بها مركزيهما سواء فى مجال دحض التهمة أو إثباتها، وهى حقوق لا يجوز الحرمان منها أو تهميشها سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهما أومشتبها فيه. وقد أقرتها الشرائع جميعها ــ لا لتظلل المذنبين بحمايتها ــ وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقررة للجريمة التى خالطتها شبهة ارتكابها بما يحولون القطع بوقوعها ممن أسند إليهم الإتهام بإتيانها، إذ لا يعتبر هذا الاتهام كافيا لهدم أصل البراءة، ولا مثبتا لواقعة تقومبها الجريمة، ولا حائلا دون التدليل عليها، بل يظل هذا الأصل قائما إلى أن ينقض من خلال حكم قضائى صار باتا بعد أن أحاط بالتهمة عن بصر وبصيرة، وخلص إلى أن الدليل على صحتها ــ بكل مكوناتها ــ كان نقيا متكاملا.

وقد جرت أحكام محكمة النقض المصرية على اعتبار الحق فى الصمت حقا أصيلا من حقوق الدفاع فى مرحلتى التحقيق والمحاكمة. وأكدت فى أكثر من حكم أن للمتهم وحده تقدير موقفه فى أن يظل صامتا أثناء التحقيق أو المحاكمة. فقد أكدت فى أحد أحكامها أن «الضمانات التى يتمتع بها المتهم فى مرحلة المحاكمة، تفوق الضمانات التى يتمتع بها فى مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق الإبتدائى، ومن بين هذه الضمانات عدم إرغامه على الحديث على شىء لا يرغب فى الحديث عنه، أو إجباره بالرد على أسئلة تؤدى إلى تجريم نفسه، ويجب ألا يتخذ ذلك دليلا على إدانته، أو على قيام المسئولية فى حقه، أو تفسيره ضمنا على أنه اعتراف منه».

 وبذلك يكون علاء عبدالفتاح قد استخدم حقه الدستورى فى التزامه الصمت أثناء التحقيق معه بمعرفة النيابة العسكرية، والذى جاء أيضا للتعبير عن رفضه جهة التحقيق كونها جهة غير محايدة. حيث إن المحقق هو ضابط عسكرى ينتمى للقوات المسلحة. ومن بين الاتهامات الموجهة إليه «استعمال القوة والعنف مع أفراد القوات المسلحة المكلفين بتأمين مبنى الإذاعة والتليفزيون لحملهم بغير حق على الامتناع عن أداء الأعمال المكلفين، وتخريب ممتلكات وعربات القوات المسلحة»، وبالتالى فإن ولاء المحقق للمؤسسة العسكرية يجعله متحيزا لها. الأمر الذى من شأنه عدم التصرف بموضوعية وتغليب مصلحة أفراد القوات المسلحة المتهمين على المصلحة العامة.

وهو ما يناهض المبدأ 13 من مبادئ الأمم المتحدة بشأن دور أعضاء النيابة الذى ألزم أعضاء النيابة العامة، فى أدا ء واجباتهم بما يلى:

أداء وظائفهم دون تحيز، واجتناب جميع أنواع التمييز السياسى أوالاجتماعى أو الدينى أو العنصرى أو الثقافى أو الجنسى أو أى نوع آخر من أنواع التمييز.

حماية المصلحة العامة، والتصرف بموضوعية، والمراعاة الواجبة لموقف كل متهم والضحية، والاهتمام بكافة الظروف ذات الصلة، سواء كانت لصالح المتهم أو ضده.. فى النهاية لا يضير القضاء العسكرى إحالة القضية إلى القضاء العادى للفصل فى القضية طالما أنه يعمل على إرساء قواعد العدل والمساواة بين المتهمين.

نشرت بجريدة الشروق بتاريخ 21 – 11 – 2011

اترك رد