مبادرة الشرق الأوسط الأوسع: الحكومات العربية ترد

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

إذا ما كان بعض أعضاء مجموعة الثماني (جي-8) قد وجدوا العزيمة في اللحظات الأخيرة من الجلسة الختامية لمنتدى المستقبل في نوفمبر من عام 2005، فإن المبادرة قد تكون دُفِنَت في المنامة. فما يزال هنالك خطر يتمثل في إنهاء المبادرة من قبل موسكو، التي ستستضيف في يوليو قمة مجموعة الثماني لعام 2006، قبل أن يعقد اجتماع المنتدى الثالث في الأردن في وقت لاحق من هذا العام. وعمليات القمع الأخيرة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد المنظمات غير الحكومية الروسية توحي بأن المنتدى، الذي انطوى فيما مضى على قدر كبير من الوعد باقتراح مستقبل ديمقراطي للشرق الأوسط، يمكن أن يكون مصيره الحتمي أن يوضع على الرف إلى جانب هيئات إقليمية بالية أخرى مثل جامعة الدول العربية والشراكة الأوروبية-المتوسطية.

والمنتدى فريد من نوعه من حيث انه الإطار الإقليمي الوحيد الذي يقدم فرصة للمنظمات غير الحكومية في العالم العربي لتقديم رؤاها في شأن الإصلاح مباشرة إلى ممثلين عن حكوماتها على المستوى الوزاري. وفي مؤتمر المنامة مارست الحكومات العربية ضغطا مضادا، بحيث إنها عارضت بقوة إيجاد مؤسسة من شأنها أن تكون قادرة على تمويل المنظمات غير الحكومية بشكل مباشر، سواء أكانت مجازة من قبل حكوماتها أم لم تكن. والحكومات العربية أظهرت انعدام كفاءة على نحو ثابت في كافة الحقول باستثناء إخماد الضغوط الداخلية من أجل التغيير، وهي قد أثبتت كونها ماهرة على نحو مشابه في قدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية. وأظهرت قدرة مثيرة للإعجاب في المناورة واللعب على التناقضات في داخل المجتمع الدولي على ضوء بيئة دولية جديدة ومتغيرة. وبسبب المعوقات من قبل الحكومات العربية، كان المنتدى قادرا في جلسته النهائية على إطلاق “صندوق من أجل المستقبل” لتمويل الإصلاح الاقتصادي، ولكن ليس الـ”مؤسسة من أجل المستقبل” التي كان من شأنها أن تكون نظيرته في تمويل الإصلاح السياسي والمجتمع المدني. وهكذا، فقد نجحت الحكومات العربية مرة أخرى في أن تبعث برسالة كانت قد كررتها أمام شعوبها والمجتمع الدولي على مر العقدين الفائتين (مفادها): “نعم للإصلاح الاقتصادي … لا للإصلاح السياسي”.

وبذور هذه الكارثة زرعها منظمو مجموعة الثماني أنفسهم، الذين سبق لهم أن سمحوا للحكومات العربية أن تدس أفرادا تربطهم صلات حكومية وثيقة في الاجتماعات التحضيرية لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية. ونتيجة لذلك، أزيلت مسائل حقوق الإنسان الحساسة من جدول الأعمال واختتمت معظم الاجتماعات التحضيرية ببيانات عامة ورنانة، وتوصيات رخوة استدرت، عند قراءتها في المنتدى، ابتسامات رضا من ممثلي الحكومات العربية. ومهزلة تمثيل المجتمع المدني وصلت إلى ذروتها عندما ترأس مندوب ذكر من جامعة البحرين الحكومية وفد حقوق المرأة وتحدث باسم النساء في المنتدى.

ويتساءل المرء عما إذا كان هنالك قرار مشترك من قبل مجموعة الثماني والدول العربية لتقليم مخالب المجتمع المدني – وبالتالي ضمان استمرار مشاركة الحكومات العربية في المنتدى – أو ما إذا كان الأمر مجرد سذاجة مفرطة من جانب تقابلها حذاقة مفرطة من الجانب الآخر. إن ما يسمى بالقوى الرئيسية في عالمنا لم تدرك بعد أنها لا تعدو عن كونها أطفالا في اللعب في صفوف أنظمة متمرسة بشكل جيد في الطغيان وأقدم بكثير من الأنظمة الديمقراطية.

ولحسن الحظ، فلقد أدركت الولايات المتحدة وبريطانيا في آخر لحظة ما الذي كان يجري ورفضتا تضمين الإعلان الختامي الشروط المقترحة من قبل الدول العربية، والتي كان من شأنها أن تحرم المنظمات غير الحكومية غير المسجلة وفقا للقوانين القرون-وسطية في بلدانها من وضعية المجتمع المدني. ونجمت عن ذلك نهاية لمنتدى البحرين من دون إعلان ختامي. واعتبر البعض ذلك فشلًا ذريعًا للمؤتمر، ولكنه كان بناء على معايير أخرى نجاحا أنقذ المنتدى من الانتحار. في غضون ذلك، تمضي خطط من أجل المؤسسة قدما. ولكن إلى متى؟ فبعد أسبوعين من اجتماع البحرين، نجحت الحكومات العربية في أن تتبنى القمة اليورو-متوسطية في نوفمبر 2005 نفس البيان الذي فشلت في تمريره في البحرين.

وفي أواسط فبراير عقد معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وغيره من المنظمات التي ترتبط بشراكة اجتماعا في الرباط لمعالجة هذه المسألة بعمق وصاغوا توصيات لمجموعة الثماني: (1) أن يؤسس المنتدى قناة مؤسسية للاتصال مع المنظمات غير الحكومية في الفترة الفاصلة بين اجتماعاته السنوية؛ (2) أن يلتزم المنتدى بممارسات الأمم المتحدة في التعامل مع المنظمات غير الحكومية، والتي لا تتطلب أن تكون للمنظمات وضعية قانونية في بلدانها ولا تسمح للحكومات بأن تتدخل في الاجتماعات التحضيرية. ورد الفعل الانتقادي من قبل الحكومات العربية سيتواصل، والمشاركون في مبادرات تعزيز الديمقراطية بحاجة إلى أن يعدوا أنفسهم للتعامل معه.

http://carnegieendowment.org/2008/08/28/%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%AF/6bes

This post is also available in: English