من التمگين إلى التمگن ..مصر بين انقلابين على الثورة

In مقالات رأي by CIHRS

كتبه : بهي الدين حسن

الصراع الجارى فى مصر هو صراع بين انقلابين على الثورة، وليس أسوأ من الانقلاب الأول سوى الثاني، إما بالعودة للنظام القديم، أو بالتحول لدولة دينية

كان نجاح الثورة فى إجبار مبارك على التخلي عن الحكم بعد 18 يومًا إنجازًا خارقًا يتجاوز موازين القوى الحقيقية، في مواجهة نظام تسلطى ترسخ على مدار 6 عقود. على مسافة، كانت قيادة جماعة الإخوان المسلمين تعقد الاتفاقيات الجزئية المؤقتة مع جماعات المعارضة، ولكن حريصة في الوقت ذاته على عدم تحدى النظام الحاكم، بل منفتحة على عقد الصفقات معه على حساب الآخرين. حدث ذلك في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك، ويمكن الرجوع فى ذلك لشهادات منشورة لصالح أبو رقيق ومهدى عاكف وعبد الحميد الغزالى ومحمد حبيب ..وغيرهم.

خلال 18 يوما هزت الثورة ركائز النظام بقوة، ولكن سرعان ما استطاعت الأجهزة الأمنية العتيدة للدولة «العميقة» استعادة توازنها، واستيعاب المتغير الجديد، والتخطيط للمرحلة التالية. راهنت الأجهزة الأمنية -بدءً بعمر سليمان- على ما تدركه جيدًا، من الانتهازية السياسية المتأصلة فى قيادة جماعة الإخوان المسلمين، ولكن ساعدها أيضا عجز الركائز السياسية للانتفاضة، عن الاستيعاب السريع للتحول الزلزالى الذي أحدثته بسالتها ، وعن قراءة الخريطة الجديدة كما هى دون أوهام عن أهداف قوى النظام الجديد/ القديم، وعن أهداف قيادة جماعة الإخوان المسلمين، أو عن القدرات الذاتية للنويات التي أطلقت الانتفاضة.

تولى الحكم المجلس العسكري، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، وهى مؤسسات لا تنتمي «للثورة»، ولم تتعرض لإصلاح جاد بعدها، بل فعلت كل ما بوسعها لقمع قوى «الثورة» بطريقة مباشرة وغير مباشرة. بينما البرلمان بغرفتيه، سيطرت عليه أغلبية من أحزاب تنتمي إلى الإسلام السياسي.

على مدار عام «الثورة»، كان شبابها مستهدفين بوسائل قمع متنوعة؛ بالإحالة للمحاكمات العسكرية، وبالذخيرة الحية والرصاص المطاطي والخرطوش، والدهس بالعربات المدرعة، والمطاردة بالبلطجية حاملي الأسلحة البيضاء، وأعمال الاختطاف إلى أماكن مجهولة، والحملات الإعلامية الموجهة التى تستهدف التشويه عبر الاتهام بالعمالة للأجنبي، وتعبئة المواطنين ضدهم، بدعاوى أن الثورة أتت بالفوضى والفراغ الأمنى.

فى المقابل اتسم موقف قيادات الإسلام السياسى والدعوى بحث المواطنين على دعم المجلس العسكري، وإدانة المظاهرات الاحتجاجية ضد سياساته، ومن ناحية أخرى بالصمت على جرائم حقوق الإنسان -التي لم تعد تستهدف الإسلاميين- بما في ذلك الصمت عن جرائم يفترض أن تكون مستفزة للعواطف والأخلاقيات الدينية، مثل سحل النساء فئ الشوارع وتعريتهن، وممارسة اختبارات عذرية على المقبوض عليهن من النساء، بل فى أكثر الأحيان كان لوم الإسلاميين يوجه للضحايا! كيف يمكن التوفيق بين تبنى هذا الموقف اللاأخلاقي، وبين تبنى مهمة التربية الأخلاقية للمجتمع؟!

بين الوضوح الاستراتيجى والانتهازية السياسية!

يقول كثيرون لقد سرق الإسلاميون الثورة، ورغم أن هذه المقولة تبدو صحيحة بمعنى ما، لأنهم لم يبادروا بالثورة، بل التحقوا بها بعد عدة أيام، بعد أن كانوا قد أعلنوا رفضهم المشاركة. فإن الاكتفاء باجترار تلك الحقيقة، يتغافل حقائق أخرى، لعبت دورًا حيويًا في صعود الإسلاميين، والتهيئة بالتالي للانقلاب الثانى.

تميز الإسلاميون بثلاث خصائص -لا يمتلكها خصومهم- منحتهم التفوق، ولذا لم يكن سقوط الثورة ثمرة ناضجة فى أيديهم مصادفة:

أولاً: علاقتهم الوثيقة بمجتمعهم، ليس فقط من خلال توظيف العاطفة الدينية لأغلبية مواطنيهم، وتوظيف المسجد كركيزة للتوعية والتثقيف وتجنيد الأعضاء والتنظيم وشن الحملات السياسية، بل أيضًا من خلال إنشاء مؤسسات ذات كفاءة متطورة للتكافل الاجتماعى. بفضل ذلك تمكنوا من القيام بعملية تجنيد اجتماعي واسع النطاق، ووضع لبنات طبقة سياسية جديدة. فى المقابل عجزت القوى اليسارية والليبرالية عن أن تحفر لنفسها جذورًا اجتماعية عميقة.

ثانيًا: سلاح التنظيم. لا شك أن اليساريين هم أشهر من كتبوا عنه، ولكن الإخوان المسلمين هم أفضل من مارسوه. تستند الجماعة لخبرات تراكمت عبر عدة عقود، مكنتها من الصمود بصلابة فى مواجهة قمع حكام، تفاوتوا بين ذروة التسلطية والدموية. خلال ذلك كان الإخوان المسلمون قادرين على توفير الموارد المالية الكافية، والمزج بمهارة بين بناء تقاليد راسخة للعمل الجماعي، وبين إبراز شخصيات قيادية فى مجالات متنوعة، صارت تدريجيًا رموزًا سياسية معروفة على النطاق الوطنى. فى المقابل كانت التنظيمات الأخرى تعانى الهشاشة والتشرذم، وتفشى النزعة الفردية لقياداتها، والافتقار لتقاليد العمل الجماعي؛ وبالتالى عدم القدرة على الصمود كتنظيمات أمام عسف الأنظمة التسلطية، وعدم القدرة على توفير عامل الإجماع حول رموزها، حتى لفترة معقولة من الزمن. على هذه الأرضية ولدت الجماعات السياسية الشابة الجديدة، التى نجحت فى التخلص من بعض هذه الأمراض وليس كلها.

ثالثًا: الوضوح الاستراتيجي للقيادة. قامت قيادة الجماعة بتطوير استراتيجيتها العتيدة التى تعرف بـ«التمكين»، لتستوعب الحقائق الجديدة وتدمجها فى زحفها المتواصل عبر عشرات السنين، للسيطرة على المجتمع من أسفل إلى أعلى، بهدف تحقيق السيطرة الكاملة للجماعة على أجهزة الدولة يومًا. بفضل سلاح الطاعة العمياء الذى يلتزم به أعضاء الجماعة تجاه القيادة، أمكن للأخيرة دون إعلان سياسى مسبق أو لاحق -بحسابات باردة، وبمرونة فائقة، بعد شهر واحد من الثورة وقبل أن تجف دماء الشهداء، وبأقل قدر من الخسائر- أن تتحول من التحالف المؤقت مع ثوار ميدان التحرير إلى التحالف المؤقت مع المجلس العسكري الحاكم ضدهم!

من يقم بمراجعة المحطات السياسية المهمة فى مصر بدءً من الاستفتاء على التعديلات الدستورية -بعد شهر من الثورة- مرورًا بعدة مظاهرات مليونية نظمها شبابها، ثم المذابح الثلاثة الكبرى التى ارتكبتها قوات الجيش والشرطة فى نهاية 2011، وصولاً إلى تشكيل الهيئة التأسيسية لوضع الدستور الجديد فى مارس 2012، يستطع بسهولة التعرف على ملامح من تصنفهم قيادة الجماعة كخصم أو حليف. فى جبهة الخصوم، رموز الحزب الحاكم السابق وفصائل اليسار والليبراليين، بما فى ذلك شباب الثورة والشخصيات العامة التى تنتمي إلى هذه القاعدة السياسية، ولكنهم استخدموا بمهارة أساليب وأسلحة متنوعة فى التعامل مع هؤلاء الخصوم المتنوعين. فى المقابل صنفوا المجلس العسكرى فى جبهة الحلفاء المؤقتين، الذين يمكن عقد الصفقات معهم سرًا وعلنًا، حتى المحطة التالية من إستراتيجية «التمكين». إن توافق الطرفين على اعتبار كل منهما حليفًا للآخر، هو الوجه الآخر لتوافقهما على التعامل -بوسائل مختلفة- مع قوى الثورة باعتبارها خصمًا مشتركًا لهما، يشكل عائقًا فى مرحلة تحالفهما المؤقت، أمام المصالح الخاصة بكل من الإسلاميين والمجلس العسكرى على حدة.

اختلفت الأسلحة التى استخدمها تنظيم الجماعة فى التعامل مع خصومها، بين الوصم بالعلاقة مع النظام السابق، أو الوصم بالعلمانية ومعاداة شريعة الله ومحاباة الكنيسة. وخلال ذلك قدمت الجماعة الدعم الصريح للاتهامات التى أطلقها المجلس العسكرى ضد خصومه من شباب الثورة والليبراليين واليساريين، بأنهم يسعون للفوضى ولهدم الدولة.

في هذا السياق يمكن تفسير الموقف العدائي للجماعة من منظمات حقوق الإنسان، حين شنت الأجهزة الأمنية المسلحة بالآليات القضائية هجومها الضاري عليها خلال الشهور الأخيرة من عام 2011، خاصة أن الجماعة لم تعد ضحية تحتاج إلى دفاع منظمات حقوق الإنسان عنها، بل صارت تهيئ نفسها لتولى الحكم، وبالتالي ستصير موضع نقدها .فى المقابل عجزت جماعات شباب الثورة والليبراليين واليساريين عن تطوير إستراتيجية فعالة، وتحديد واضح للخصوم والحلفاء الحقيقيين؟ بل كانوا لوقت طويل ضحية التشوش وأوهام رومانسية حول موقف كل من الجماعة والمجلس العسكري تجاه الثورة وقواها.

استهلكت قوى الثورة نحو 9 أشهر حتى تبدأ بعد مذبحة «ماسبيرو» فى التخلص من الأوهام عن توجهات المجلس العسكرى. واحتاجت نحو عام لتبدأ آمالها الرومانسية فى الجماعة فى التداعي، وذلك بعد سيطرتها على البرلمان، واستخدامها منصته فى وصم شباب الثورة بـ«البلطجية»، وفى تبرير قمع الشرطة لهم، ولاقتراح مشروع قانون جديد لقمع الحق فى حرية التجمع والتظاهر والاجتماع، أكثر قسوة من قوانين النظام السابق!

ضد مشروع الدولة الدينية.. وليس الأحزاب الإسلامية:

تواجه الثورة المصرية الآن الانقلاب الثانى عليها. الأول حذر منه عمر سليمان، قبل أن يتولى المجلس العسكرى الحكم، باستخدام آليات دستورية وركوب الموجة الثورية، تحت شعار «الجيش والشعب أيد واحدة». الآن جاء دور انقلاب الإخوان المسلمين، أيضًا باستخدام آليات ديمقراطية، وركوب الموجة الثورية، تحت ستار شعار مماثل بأن «الإسلاميين وقوى الثورة يد واحدة» فى مواجهة الفلول والمجلس العسكرى. بالطبع لم يجرؤ المجلس العسكرى أو الجماعة على الوقوف علنًا ضد الثورة، أو القول بأن لهما أهدافًا مخالفة لأهدافها. فـ«ثورة» 25 يناير لم تسع إلى الإبقاء على النظام القديم، أو تحقيق «الخلافة الإسلامية» أو «الشريعة الإسلامية»، ولم تسع لاستيراد النموذج السودانى أو الإيرانى، بل كان مطلب «الدولة المدنية» أحد أبرز شعاراتها.

ليس واضحًا بعد، ما إذا كان الانقلاب الأول سيكمل تسليم سلطاته للثانى سلمًا أم حربًا، ولكن المؤكد أن كليهما ينظران لقوى الثورة باعتبارها «ركوبة» فى صراع كل انقلاب مع الآخر، بعد أن استنفذ كلا الانقلابين أغراض تحالفهما المرحلى. لقد حانت لحظة الحقيقة بين قوى الانقلابين، فهل حانت أيضًا بالنسبة لقوى الثورة؟

نشر هذا المقال بجريدة الشروق بتاريخ 27 مايو 2012:

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=26052012&id=2025e17f-5786-42a5-92ee-9a818b3a627d