موقف مركز القاهرة والفيدرالية الدولية والشبكة الأورومتوسطية من المبادرات الدولية للإصلاح في المنطقة العربية

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسانby

يترقب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان باهتمام بالغ اجتماع قمة أوروبا-أمريكا القادم في “دبلن” في 26 يونيو، والتي تضع على جدول أعمالها بحث مقاربة أوروبية-أمريكية للإصلاح السياسي في العالم العربي.
تنبع أهمية المبادرات الدولية للإصلاح، من أن أغلبية الحكومات العربية لا تكترث بدعاوى الإصلاح من الداخل، بل تهمش وتقمع المطالبين بها، بينما تبدي اهتماما شديدا وتأخذ بعين الاعتبار الأفكار والمبادرات القادمة من خارج المنطقة. وليس أدل على ذلك من قيام اجتماع القمة العربية الأخير -ولأول مرة في تاريخ اجتماعاتها- بوضع قضايا الإصلاح والديمقراطية على جدول أعمالها، كما نظمت الحكومتين اليمنية والمصرية هذا العام مؤتمرين عن الإصلاح في صنعاء والإسكندرية.
وتعتقد المنظمات الثلاث أن فرص التفاعل مع أية مبادرة دولية تستهدف تدعيم التطور الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان تتعزز وفقا للاعتبارات التالية:
أولا: مدى تلاقيها مع مقتضيات الإصلاح من داخل العالم العربي، الذي دفعت من أجله الشعوب والقوى الداعية للإصلاح من الداخل ثمنا فادحا على مدى أكثر من قرن من الزمان، سجنا ونفيا وتعذيبا وقتلا ومحاكمات جائرة وحروبا أهلية ومذابح جماعية وإفقارا وإرهابا.
إن فرص التجاوب مع مثل هذه المقاربة تتعزز بمدى تلاقيها مع القيم والقسمات المشتركة لمبادرات الإصلاح من الداخل، والتي عبر عنها بوجه خاص المنتدى المدني الأول للمنظمات غير الحكومية في العالم العربي، والموازي للقمة العربية، الذي نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في بيروت في مارس 2004 بالتعاون مع جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات (عدل) بلبنان، والمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان (حقوق)، وبمشاركة 52 منظمة غير حكومية، وبالتنسيق مع الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
وتعبر المنظمات الثلاث في هذا الإطار عن دعمها لما ذهبت إليه وثيقة “الاستقلال الثاني” الصادرة عن المنتدى المدني من ضرورات تحديث النظم السياسية في العالم العربي انطلاقا من:
1. إن قيم حقوق الإنسان هي ثمرة تفاعل وتواصل الحضارات والثقافات عبر التاريخ، بما في ذلك الثقافات العربية والإسلامية، وحصاد كفاح كل الشعوب ضد كافة أشكال الظلم والقهر الداخلي والخارجي، وهى بهذا المعنى ملك للبشرية جمعاء، بما في ذلك الشعوب في العالم العربي.
2. إن احترام حقوق الإنسان هو مصلحة عليا لكل فرد وجماعة وشعب وللإنسانية جمعاء، باعتبار أن تمتع كل فرد بالكرامة والحرية والمساواة هو عامل حاسم في ازدهار الشخصية الإنسانية، وفي النهوض بالأوطان وتنمية ثرواتها المادية والبشرية، وفي تعزيز الشعور بالمواطنة.
3. حق شعوب العالم العربي –كغيرهم- في التمتع بأنظمة حكم تمثيلية مدنية يحميها الدستور.
4. ضمان هذه الدساتير للحق في التعددية الفكرية والسياسية وفي إنشاء الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات غير الحكومية، وضمان الحقوق والحريات العامة.
5. حياد السلطة التنفيذية تجاه أتباع الديانات المختلفة، وضمان حق الجميع في حرية المعتقد وفي أداء الشعائر الدينية، وعدم السماح للمؤسسات الدينية بممارسة الرقابة على النشاط السياسي والفكري والإبداعي.
6. إقرار آليات تسمح بتداول السلطة السياسية سلميا، وخضوعها للمسائلة أمام ممثلي الشعب.
7. احترام حقوق الجماعات القومية والدينية والثقافية واللغوية في التمتع بحقوق المواطنة وبثقافتها الخاصة، على قدم المساواة.
8. الإقرار بحقوق النساء في الكرامة وفي الأهلية القانونية وفي المساواة الكاملة بين الجنسين.
تؤكد المنظمات الثلاث أيضا على أهمية ما توصلت إليه تقارير التنمية الإنسانية في العالم العربي، من أن الخروج من دائرة الفقر والبطالة وتلبية متطلبات التنمية المستدامة ووضع حد للفوضى السياسية وللصراعات والمنازعات والحروب الأهلية، لن يتأتى إلا من خلال إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها في العالم العربي، على أساس من احترام حقوق الإنسان وقواعد العمل الديمقراطي، التي من شأنها أن تؤمّن حدا أدنى لرشادة وعقلانية القرار السياسي، وتؤمّن آليات فعالة لمراجعة وتصحيح السياسات الخاطئة.
ثانيا: إن أي مقاربة جادة للإصلاح يجب أن تتأسس على شراكة حقيقية بين منظمات المجتمع المدني والأحزاب والقوى السياسية والحكومات في كل بلد، وأن تقود هذه الشراكة لتأسيس مؤسسات قابلة للمحاسبة أمام شعوب العالم العربي، وأن تكون مسئولة أمام المجتمع الدولي.
إن أحد أهم دروس فشل عملية برشلونة في تحقيق حد أدنى من الإصلاح في منطقة جنوبي وشرقي البحر المتوسط، هو عدم التعامل مع المجتمع المدني كشريك، واقتصار مفهوم الشراكة على تقديم الدعم المادي لأنشطة مؤسساته، وعدم تفعيل المادة الثانية من إعلان برشلونة المتعلقة باحترام حقوق الإنسان. إن أي إطار جديد للشراكة من أجل الإصلاح يجب أن يقوم على التعامل المتكافئ مع المجتمع المدني، وعلى إنشاء آليات لرقابة معدلات التقدم على طريق الإصلاح، يضطلع فيها المجتمع المدني بالدور الرئيسي.
ثالثا: إن التلويح الدائم باعتبارات الخصوصية الثقافية في مواجهة نداءات الإصلاح من الداخل والخارج، يمثل إساءة بالغة للثقافات العربية والإسلامية، ويقدمها للعالم باعتبارها ثقافات تقر التعذيب والفساد، وتتواطأ على تزييف إرادة الشعوب، وتأبى أن تخضع حكوماتها وأجهزتها التنفيذية للرقابة أو المساءلة والمحاسبية. إن ما تطالب به قوى الإصلاح في العالم العربي هو الأكثر اتساقا مع ثقافات شعوب المنطقة، بل إن أغلبه متضمن في كثير من دساتيرها وتشريعاتها، والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها حكومات هذه الدول، ولكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لوضعه موضع التنفيذ.
رابعا: وإذ تشدد المنظمات الثلاث على ضرورة استناد أية مبادرة دولية للإصلاح إلى الاحتياجات الحقيقية والملحة للمجتمعات العربية، إلا أن ذلك قد لا يكفي وحده لمنح مثل هذه المبادرة جواز مرور إلى العالم العربي، وذلك لأن فرص التفاعل الإيجابي بين مبادرات الإصلاح في الداخل والخارج ترتهن –إلى حد كبير- بالبرهنة على أن المبادرات الدولية تأتي في إطار رؤية أشمل للمشكلات الكبرى في المنطقة (مثل فلسطين والعراق)، وهى المشكلات التي تهيئ مناخا مواتيا لازدهار ثقافة التطرف والعنف والإرهاب، وتستشري فيه انتهاكات حقوق الإنسان، وتقدم معينا لا ينضب من الذرائع للأنظمة الاستبدادية والجماعات المناوئة للإصلاح، وتساهم في صرف انتباه النخب السياسية والمثقفة في العالم العربي عن جدول أعمالها الداخلي، وبالتالي إضعاف قوة الدفع الذاتي نحو الإصلاح.
علاوة على ذلك، فإن الانتقائية في تطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان والتوظيف السياسي لهذه المعايير، قد ألحق أضرارا فادحة بالمصالح والحقوق الجماعية للشعوب في العالم العربي، وأفقد تلك المعايير مصداقيتها ومعانيها النبيلة، الأمر الذي ترك انعكاسات سلبية وخيمة على قوة الدفع نحو الإصلاح من الداخل.
كما تؤكد المنظمات الثلاث على أن الحرب على الإرهاب ينبغي ألا تتحلل من أحكام القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان، بل إن احترام هذه المعايير والتصدي للمظالم الهائلة في النظام العالمي الراهن، يشكلان نقاط انطلاق أساسية لمحاصرة الظواهر الإرهابية.
خامسا: رغم أن المنظمات الثلاث ترفض منهج اشتراط الشروع في الإصلاح في العالم العربي بحل المشكلة الفلسطينية والعراقية، إلا أنها تعتقد أن مقاربة المجتمع الدولي للإصلاح في العالم العربي ستفتقر لقوة الدفع الملائمة، ما لم يواكبها تحرك فعلي ملموس لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس من احترام حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتحرك فوري آخر لمنح الأمم المتحدة صلاحيات فعالة من أجل إتمام عملية نقل السلطة للعراقيين على أساس ديمقراطي.
إن التوقيتات التي ارتضاها المجتمع الدولي وشعوب المنطقة (2005 لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، 30 يونيو 2004 لنقل السلطة للشعب العراقي) يجب أن تحترم.