ورقة تحليلية حول آفاق السلام والإنتقال الديمقراطي في ليبيا

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسان, دول عربية by Tarek

بينما يكافح الشعب الليبي من أجل الانتقال إلى الديمقراطية، يتكبد يوميا ً الخسائر البشرية والمادية في مواجهات مسلحة وعمليات إرهابية انتحارية شبة يومية، كان من أحدثها ما وقع مطلع شهر مايو الماضي، إثر تفجير انتحاري بمقر لجنة الانتخابات في طرابلس. يأتي هذا بالتزامن مع اجتماع  باريس، في الشهر نفسه، والذي ضم ممثلي الأطراف الليبية المتصارعة، وعدد من مندوبي الأمم المتحدة وأعضاء المجتمع الدولي في محاولة جديدة  لتحقيق السلام وبناء مؤسسات ديمقراطية فاعلة. إلا أن هذا الاجتماع وغيره يبقى بلا أثر طالما استمرت مثل هذه الاعمال الانتحارية والممارسات القتالية، وبقي مرتكبيها بمعزل عن المحاسبة والعقاب.  ويبقى السؤال لماذا لاتزال ليبيا أرضًا خصبة للتطرف والميليشيات المسلحة والجماعات شبه العسكرية وسوقاً مفتوحًا للإتجار بالمهاجرين؟

هذا التقرير الذي يحمل عنوان " أفاق السلام و التحول الديموقراطي في ليبيا “ والصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، يؤكد أن ثمة طريق لتحقيق السلام والديمقراطية في ليبيا، بشرط الاعتراف بحقيقة واحدة وأساسية مفاداها، أنه طالما استمر الإفلات من العقاب على الجرائم وتجزئة وتفتت قطاع الأمن، سيظل كفاح الشعب من أجل الديمقراطية معلقُا لأجل غير مسمى.  إذ يسمح تمزق قطاع الأمن، وغياب المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة يتجدد الصراع بين الجماعات المسلحة والقوات شبه العسكرية المتعددة في ليبيا. ويغذي هذا الصراع، بدوره، نمو المزيد من الجماعات الراديكالية المسلحة، بما فيها الجماعات ذات العلاقات الوثيقة بتنظيم القاعدة والمدخلية السلفية. الامر الذي يقوض من قدرة المؤسسات الليبية على الاضطلاع بدورها في تنفيذ العمليات السياسية الأساسية الثلاثة والضرورية لإنهاء المرحلة الانتقالية: إصلاح قطاع الأمن، وإجراء استفتاء على دستور وطني، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

كيف تستطيع ليبيا تصحيح مسارها؟ يؤكد مركز القاهرة في تقريره أن هناك شرطان ضروريان لتمهيد الطريق لإجراء استفتاء دستوري وإجراء انتخابات حقيقية في ليبيا: أولًا، إصلاح قطاع الأمن وتفعيل آليات المساءلة الدولية وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولي (ICC)، والتي يجب أن تحصل على دعم متزايد من أعضاء المجتمع الدولي - خاصة مجلس الأمن  والاتحاد الأوروبي - من أجل تمكينها من مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وبالتالي إعطاء الأولوية لكسر حلقة الإفلات من العقاب. وثانيًا، في الوقت نفسه، يجب على المجتمع الدولي الضغط على السلطات الليبية لصياغة استراتيجية وطنية شاملة وشفافة لإعادة هيكلة قطاع الأمن في ليبيا. فما دامت آليات الردع غائبة عن المشهد الوطني الليبي، ستبقى الديمقراطية بعيدة المنال، وسيحصد الابرياء وحدهم ثمار الإرهاب العطبة في ليبيا، ويبقى حلمهم بليبيا حرة وآمنة مؤجل إلى الأبد.

ورقة تحليلية

السلام والانتقال الديمقراطي في ليبيا حلم مؤجل أم كابوس أبدي؟


في 29 مايو 2018 ، اجتمعت في باريس الأطراف الليبية المتنافسة مع الأمم المتحدة وممثلي المجتمع الدولي. ورغم ترحيب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهذه الخطوة، إلا أنه يتصور أنها مجرد محاولة إضافية للوصول لاتفاق سلام لن ينجح. فلقد فشلت الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية والسلطات الليبية في إدراك حقيقة أساسية واحدة مفاداها، أنه مع استمرار تفتت قطاع الأمن واستمرار الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة من جميع الأطراف، فإن الالتزامات التي توصل لها الاجتماع وخاصة إجراء الاستفتاء والانتخابات تبقى بلا قيمة، عاجزة عن مساعدة ليبيا لإنهاء المرحلة الانتقالية

ففي مطلع الشهر نفسه الذي شهد هذا الاجتماع -2 مايو 2018- هاجم انتحاريون اللجنة الانتخابية الليبية في طرابلس، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا جراء انفجار مدوي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسئوليته عنه، وفي هذا الصدد يدين مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذا الهجوم الانتحاري الذي يستهدف وأد أمل الليبيين في صياغة دستور جديد، يخطو بهم نحو بناء المؤسسات الديمقراطية، ويؤكد المركز أن الإرهاب وإن كان يمثل عقبة كبرى أمام عملية التحول الديمقراطي في ليبيا، لكنه قطعًا ليس العقبة الوحيدة، إذ تقف مؤسسات الدولة الليبية نفسها معرقلة لذلك، ويضمن خلل مؤسسات الدولة والاقتتال الداخلي بقاء هذا الحلم المشروع لليبيين صعب المنال.

فمن المؤسف أن الصراعات بين المؤسسات الحكومية في ليبيا تمثل مبرر لمزيد من الهجمات الإرهابية، على النحو الذي وقعت على أساسه تفجيرات اللجنة الانتخابية. فبدون هذا الصراع الداخلي، لن يكن لداعش فرصة للوجود في ليبيا. إذ يمّكن النزاع المسلح بين القوات التابعة للمجلس الرئاسي من جهة والقوات المنتسبة للقائد العسكري خليفة حفتر من جهة أخرى، فرصة ذهبية لبقاء التنظيم على الأراضي الليبية، ولو لم يتمكن من الاستحواذ عليها، ويحافظ على قدرته على تنفيذ الهجمات الإرهابية في منطقة الهلال النفطي، والمنطقة الوسطى حول جفره، وكذلك في جنوب ليبيا، ناهيك عن الخلايا النائمة في أجزاء أخرى من البلاد، بما فيها المنطقة الغربية. كما انتشرت الجماعات المسلحة المتطرفة في غرب وشرق ليبيا، بما في ذلك الجماعات المسلحة المتطرفة التي لها علاقات وثيقة مع القاعدة ومجموعات السلفية المدخلية.

لقد تسبب النزاع المسلح المستمر بين الجماعات العسكرية وشبه العسكرية المختلفة - في سياق صراعها على السلطة - في شلل السلطات التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى تقويض المصالحة الوطنية وعرقلة التقدم الذي أحرزته جلسات المصالحة المحلية في ليبيا، ولجنة الحوار السياسي المدعومة من الأمم المتحدة، فضلاً عن تأثيره السلبي على الحياة اليومية للمواطنين، وعلى توافر الخدمات العامة، إذ لا تزال المؤسسات الليبية عاجزة على ممارسة ولاياتها، بما في ذلك مجلس النواب، ومجلس الدولة، ومجلس الرئاسة، والنظام القضائي والمؤسسات الأمنية.

وعلاوة على ذلك، فإن الجهات الفاعلة الإقليمية الخارجية - مثل مصر والإمارات العربية المتحدة وتركيا - تغذي دورة العنف وتسهم في عدم استقرار ليبيا من خلال دعم الجماعات المسلحة في غرب وشرق ليبيا، بما في ذلك الجماعات المسلحة المتطرفة. وهذا الدعم يشكل انتهاكًا خطيرًا للحظر المفروض على الأسلحة: وهو خرق لا يزال يوثق من قبل لجنة خبراء مجلس الأمن، بحسب القرار 1970/2011، ووفقًا للتقارير التي تغطي السنوات 2017 و2016 و2015.

أخيراً، يتطلب الاستفتاء على الدستور والانتخابات وأي انتقال ديمقراطي مجالاً عامًا آمنًا يضمن حرية التعبير وتكوين الجمعيات. يتيح للعناصر الفاعلة المدنية - بما في ذلك نشطاء حقوق الإنسان والعاملين في وسائل الإعلام وكذا الممثلين المحليين وشيوخ القبائل - القيام بدور رئيسي في تنفيذ أي تحول ديمقراطي ناجح محتمل.

إن تمكين هذه الجهات الفاعلة يمثل الأمل الوحيد لليبيا في محاربة التطرف بجميع أنواعه، من خلال إقصاء الإيديولوجيات المتطرفة وإعاقة انتشارها في جميع أنحاء البلاد.

بدأ التحول السياسي في ليبيا عام 2011 بسقوط معمر القذافي. ومنذ ذلك الحين، شارك عدد لا يحصى من الفاعلين - على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية - إما في إحراز تقدم أو تعطيل التحول الليبي إلى نظام حكم ديمقراطي سلمي. 

يشمل هذا الانتقال ثلاث عمليات سياسية أساسية، نطرحها بالتفصيل التالي: 

  • إصلاح قطاع الأمن القومي.
  • صياغة الدستور والاستفتاء حوله.
  • الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
 
 

تاريخ الانتقال السياسي في ليبيا

 

أمتدت فترة الانتقال لنظام حكم حر في ليبيا لأكثر من سبع سنوات، بدأت في 17 فبراير 2011 مع الثورة الليبية، وفي نهاية 2014 بدأت مفاوضات السلام بدعم من الأمم المتحدة، ووقعت كل من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام (GNC) على الاتفاق السياسي الليبي (LPA) في 17 ديسمبر 2015 في الصخيرات بالمغرب. وانبثق عن الإتفاق تشكيل المجلس الرئاسي (رأس السلطة التنفيذية)، ومجلس الدولة (مجلس نيابي إستشاري)، كما تم وضع خطة لإحياء مجلس النواب، ورغم الدعم الدولي الكبير وزخم الاتفاق السياسي الليبي، إلا أنه لم يسفر عن تقدم في المشهد السياسي بعد عامين من توقيعه. 

منذ تعيينه في يونيو/ حزيران 2017، عزز الممثل الخاص ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (غسان سلامه) الجهود الرامية للتوصل لحل سياسي. وفي سبتمبر 2017 اقترح "غسان" خطة عمل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمراجعة تنفيذ اتفاق السلام. وقد تمت المصادقة على هذه الخطة من قبل اللجنة الرباعية (المكونة من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة) في اجتماعها الرابع يوم 21 سبتمبر 2017. وفي الاجتماع الخامس للجنة الرباعية في 30 أبريل 2018 في القاهرة، دعا أعضاء الرباعية السلطات الليبية إلى إجراء الانتخابات قبل نهاية 2018. ومن بين توصيات أخرى، طالبت المجموعة الرباعية مجلس النواب بإصدار تشريع ينظم الاستفتاء الدستوري القادم، فضلاً عن إصدار قانون ينظم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. كما شددت الرباعية على أهمية توحيد القطاعات الأمنية في ليبيا.

لم تنفذ المؤسسات الليبية توصيات اللجنة الرباعية بشأن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما لم تصدر التشريعات المطلوبة بشأن تنظيم الاستفتاء الدستوري، وكذا لم تول اهتمامًا  بالتوصية الخاصة بتوحيد القطاعات الأمنية في البلاد. 

المؤسسات الليبية بما في ذلك مجلس النواب، ومجلس الدولة، المجلس الرئاسي، والمنظومة القضائية، والمؤسسات الأمنية عاجزة وغير فعالة، وقدرتها على تنفيذ الإنتقال الديمقراطي خيالاً لا حقيقة فيه.

 

الانتخابات البرلمانية والرئاسية

يدعم غالبية الفاعلين السياسيين في ليبيا بمن فيهم الموالون للقذافي، و مجلس النواب، المجلس الرئاسي  قيام الانتخابات، حتى الجماعات الدينية، كالجماعة الليبية المقاتلة، و الإخوان المسلمين والسلفية المدخلية تقبل إجراء الانتخابات في ليبيا، ولكن يظل عجز مجلس النواب عن استكمال نصابه القانوني، عائقًا حائلاً دون إجراء الانتخابات أو اعتماد التشريع المنظم لعملية وضع الدستور، رغم ارتفاع نسبة عدد الليبيين المسجلين للتصويت لدى المفوضية العليا للانتخابات الوطنية إلى 55٪ من المواطنين الذين لهم حق التصويت (حوالي 2،430،000 مسجل بحلول عام 2018).

علاوة على أن القتال بين المجموعات المسلحة المرتبطة بالمجلس الرئاسي والجيش الوطني الليبي في الشرق يعرقل بشكل مباشر أي تحقيق للعملية الانتخابية، ويطرح سؤال: كيف يمكن ضمان عدم تدخل الجماعات المسلحة خلال العملية الانتخابية؟ وفي هذا الصدد  تخشى منظمات المجتمع المدني المسجلة، التي تعمل ضمن إطار قانوني مقيد لعملها، التدخل المرجح للمجموعات المسلحة في العملية الانتخابية من خلال منع المنظمات من القيام بدورها في مراقبة مراحل العملية الإنتخابية،

وفي تحرّك يستهدف تقويض توصيات اللجنة الرباعية. أعلن "حفتر" أنه لن يعترف بالانتخابات التي تجريها اللجنة الوطنية للانتخابات في طرابلس- وذلك بعدما سبق واعلن انه لا يعترف بالمجلس الرئاسي- معتبرًا أن طرابلس رهن الحصار من قبل الميليشيات والإرهابيين.  وفي 9 ديسمبر 2017، أعلن متظاهرون في بنغازي تأيدهم لإعلان حفتر، بتدمير لافتات مكاتب التصويت، مطالبين بتجاوز الانتخابات وتعيين حفتر مباشرة في الرئاسة.

وعلى الجانب الآخر لا يوجد ضمان بأن أمراء الحرب في الشرق والغرب سيقبلون نتائج الانتخابات. فبدون خطوات جدية وعاجلة  لوضع خطة ملموسة لهيكلة القطاع الأمني واّلية دولية للمحاسبة من خلال تدخل المحكمة الجنائية الدولية عبر مكتب ميداني في ليبيا أو في تونس، ستفشل العملية الانتخابية وتبقى دوامة العنف.

 
 

عملية صياغة الدستور

 

ثمة ثلاث مؤسسات ليبية معنية بشكل مباشر وغير مباشر بوضع اللمسات الأخيرة على مشروع الدستور الليبي هي: هيئة صياغة الدستور، مجلس النواب، والسلطة القضائية. وبشكل جماعي، لم تكن هذه المؤسسات قادرة على إنتاج دستور، يلبي مطالب الشعب الليبي. ففيما صوتت جمعية صياغة الدستور على مشروع نهائي للدستور في يوليو 2017. حكمت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء في أغسطس 2018 بإلغاء قرار قرار تصويت الهيئة وفقًا للشكوى المقدمة من عضو الهيئة التأسيسية عن مدينة الزاوية في أغسطس 2017. وفي شباط / فبراير 2018، أبطلت الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا حكم محكمة استئناف البيضاء، باعتبار أن القضاء الإداري غير مختص في النظر في قرارات هيئة صياغة الدستور.

وفي هذا السياق، فشل مجلس النواب في تحمل مسؤوليته التشريعية عن إصدار تشريع ينظم إجراء الاستفتاء الدستوري، وأخر ينظم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. فرغم أن المجلس عقد جلسة في 14 أغسطس 2017، وتضمن جدول أعماله إصدار قانون منظم للإستفتاء على الدستور، لكنه علّق اجتماعه لليوم التالي بعد أن كلف اللجنة التشريعية بإعداد قانون لتنظيم الإستفتاء على الدستور وعرضه على المجلس في الأسبوع التالي لاعتماده. ولكن حتى نهاية مايو 2018، لم يكن لقانون تنظيم الاستفتاء وجود، ولم يعقد مجلس النواب أية جلسات أخرى تحظى بنصاب قانوني سليم.

على الجانب الآخر يواجه مشروع الدستور نفسه العديد من الانتقادات، بما في ذلك: غياب عملية توافقية وحوار مجتمعي كاف خلال عملية الصياغة، وتهميش الأقليات، وعدم الامتثال للمعايير الدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية. ولعل تأييده الأحكام الإسلامية كمصدر للتشريع، وحذفه التعريف السابق لأحكام الشريعة والذي اعتبره القانون مشروعا إذا لم يتطلب "رأيا فقهياً محدداً في مسائل الفقه" هو أحد أهم نقاط الخلاف حول مسودة دستور يوليه 2017. إذ يسمح النص الدستوري بشكله الحالي، أن تتبع الدولة عقيدة أو تفسيرًا معينًا للشريعة الإسلامية عند صياغة القوانين، الأمر الذي يفتح المجال لاحتكار التفسيرات المتطرفة للدين وتحويلها لمصدر للتشريع في ليبيا. فضلًا عن أن المسودة تكرر الإشارة إلى الشريعة الإسلامية في المواد 6 و153 و161 دون الإشارة إلى الآليات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يعتبر مشروع الدستور اللغة العربية فقط اللغة الرسمية لليبيا، ما يهمش المجتمعات غير العربية مثل مجتمعات تيبو والأمازيغ. علاوة على الصياغة الغامضة للمادة 65 المقيدة للحقوق والحريات، لأنها تمنح سلطات تقديرية للدولة ككل لأغراض حماية وتعزيز الثقافات الوطنية والمحلية. ولا تضمن المواد 37 و38 و163 الحماية الكافية لاستقلال وسائل الإعلام وحرية التعبير.

 

إصلاح القطاع الأمني

تشهد عملية الانتقال الديموقراطي في ليبيا جمود شديد بسبب الفشل في إحراز أي تقدم على الصعيدين الوطني والدولي فيما يتعلق بإصلاح القطاع الأمني الليبي. فمنذ انتفاضة 2011، لم تضع السلطات التشريعية الليبية المتعاقبة استراتيجيات وطنية أو خطط واضحة لإعادة بناء المؤسسات الأمنية الوطنية. وبدلًا من ذلك، عززت قوانين ومراسيم من المجلس الانتقالي مثل قانون 38/2012  وقرار 7 /2012 و 134/2012 من جهة والمؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من جهة اخرى إنشاء هياكل أمنية موازية لا تسيطر عليها الدولة.

كما أصدر المجلس الرئاسي قرار 2018/555  و قرار 2016/2  واصدر الجيش الوطني الليبي, قرارات بضم مجموعات مسلحة مدنية تسمي بأولياء الدم و المجموعات السلفية المدخلية، على نحو زاد من تفاقم تجزئة المشهد الوطني نظرًا لعملهما من خلال مجموعات مسلحة كمجموعات مفتتة وليس افراد ينتمون لمؤسسات أمنية وطنية لها اَلية للدمج وتسلل إداري واضح.

أعطت المؤسسات الليبية المتوالية للهياكل الأمنية الموازية مثل اللجنة الأمنية العليا للدفاع عن ليبيا، وغرفة ثوار ليبيا، والحرس الوطني، وتحالف فجر ليبيا المسلح، وعملية الكرامة، مناصب ذات سيادة في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، على النحو الذي سبق اتباعه مع "حفتر" الذي كان رئيسًا للجماعة شبه العسكرية "عملية الكرامة،" ويقود الآن الجيش الوطني الليبي. كما تستفيد هذه المجموعات من مبالغ طائلة من خزانة الدولة، مع استمرارها في العمل بالاسم فقط في مؤسسات أمن الدولة. ولاتزال هذه الجماعات المسلحة، التي لا تخضع بشكل كامل لمؤسسات الدولة، ترتكب بانتظام العديد من الهجمات العشوائية التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، بالإضافة إلى قوانين العفو، مثل قانون رقم 35 لعام 2012 الصادر من المجلس الانتقالي، والقانون رقم 6 الصادر من مجلس النواب في 2015.

ومازالت عمليات القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاحتجاز التعسفي والجرائم التي تصل لجرائم الحرب ترتكب في ظل الإفلات التام من العقاب، وعلى المجلس الرئاسي ومجلس النواب التوقف عن تكرار هذه الأخطاء المميتة.

ففيما لا يزال المجلس الرئاسي  ضعيف ومقسم عاجز عن اتخاذ أية خطوات حقيقية إزاء عملية التدقيق في القطاعات الأمنية الليبية، على النحو المنصوص عليه في المادتين 34 و42 والمرفق السادس من اتفاق السلام الليبي. ولم ينظم المجلس الرئاسي ترتيبات وقف إطلاق النار وانسحاب الجماعات المسلحة من المدن. ولم يقم أيضا بتحديد قواعد التشغيل وقواعد الاشتباك للجيش والشرطة في التعامل مع الجماعات المسلحة، والإجراءات التأديبية والجنائية، وتدابير مراقبة تنفيذ وفعالية الترتيبات الأمنية المذكورة آنفًا.

ولعل عدم إعطاء الجهود الدولية الأولوية لعملية تدقيق شفافة لقطاعات الأمن، قد قوض كثيرًا من إصلاح القطاع، فتعاملت دول مثل ايطاليا، ومصر والإمارات العربية المتحدة بشكل مباشر مع مجموعات مسلحة في الشرق والغرب مما أدى للفشل في انشاء مؤسسات أمنية وطنية موحدة. هذا بالإضافة إلى الدعم الضعيف للمحكمة الجنائية الدولية، والتي بإمكانها أن تلعب دور ردع فعال في مواجهة المجموعات المسلحة المهددة للعملية الانتخابية.

جدير بالذكر أنه في ظل  استمرار شلل النظام القضائي الليبي تكون المحكمة الجنائية مختصة بالتحقيق وإصدار أوامر اعتقال بحق مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. وبناء عليه يتعين على المجتمع الدولي - ولا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي - مضاعفة دعمه للمحكمة الجنائية الدولية حتى يكون دورها للمساءلة فعالاً.

 
 

المجموعات المسلحة تعرقل المصالحات المحلية

 

يمنع أمراء الحرب في شرق وغرب ليبيا تنفيذ اتفاقات المصالحة على المستويين الوطني والمحلي. ومن بين هذه المجموعات جماعات مسلحة راديكالية لها علاقات وثيقة بالقاعدة والسلفية المدخلية. ويدعي المنتمون لهذه الجماعات أنهم يحاربون الإرهاب بينما يرتكبون الانتهاكات نفسها التي ارتكبها الإرهابيون، دون احترام اتفاقيات جنيف الأربعة بشأن المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي المتعلقة بالنزاع المسلح، سواء كانت داخلية أو دولية.

كما أن ضعف قطاع الأمن، يسمح ببروز المجموعات المسلحة وشبه العسكرية، ويزيد من تقويض المصالحة الوطنية والتقدم الذي حققته جلسات المصالحة المحلية في ليبيا، ولجنة الحوار السياسي المدعومة من الأمم المتحدة، على النحو الذي سبق وحدث في اتفاق تاورغاء ومصراتة في الشرق من قبل مجموعات البيان المرصوص، وعرقلة محاولات المصالحة في درنة من قبل قوات الجيش الليبي في الشرق. فعلى سبيل المثال مؤخرًا، أصدر المجلس الرئاسي بيان في 26 ديسمبر2017 - أعلن أن تاورغاء ستكون مفتوحة لعودة سكان المدينة اعتبارًا من 1 فبراير 2018. وقد تم هذا الإعلان كجزء من الاتفاقية الموقعة بين لجنتي مصراتة وتاورغاء، وفقًا للاتفاقية الموقعة تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. إلا أن هذا التقدم تم تقويضه بشكل قاتل عندما شرعت مجموعات مسلحة من مدينة مصراته- يتبع بعضها قوة البنيان المرصوص وقوة حماية وتأمين مدينة سرت بالإضافة إلى مجموعة مسلحة أخرى تتبع محمد بعيو الملقب بـ (شيريخان)- مطلع فبراير 2018، في غلق المنافذ المؤدية لمدينة تاورغاء، ومنعت الأهالي من العبور لكافة المداخل الشرقية والجنوبية والغربية للمدينة، ولا يزال أهالي تاورغاء مرابطون على مشارف المدينة في العراء يتطلعون للعودة لمدينتهم.

فى الوقت نفسه تعاني مدينة درنة، والتي تقع في منطقة جبلية شرق ليبيا، من حصار ممتد لأكثر من 17 شهرًا من قبل القوات الموالية لخليفة حفتر، الأمر الذي اسفر عن تدهور في الاوضاع الاقتصادية والإنسانية لسكان المدينة، فضلاً عن حملات الاعتقال والضربات الجوية العرضية. ورغم كل هذه التحديات، حاولت بعض الأطراف المضي قدمًا في عملية المصالحة.  وكانت جهود المجلس الأعلى للمصالحة -هيئة مكونة بشكل رئيسي من شخصيات بارزة من غرب وجنوب ليبيا- الأكثر أهمية في الوساطة خلال السنوات الست الماضية بشأن الأزمة في درنة. ومع ذلك أقر المجلس الأعلى للمصالحة بوجود العديد من العوائق أهمها عدم وجود نفوذ سياسي أو عسكري على قوات حفتر، وعدم وجود نفوذ اجتماعي على القبائل الشرقية. ولم يتمكن مجلس المصالحة من دفع القيادة العامة إلى الالتزام بنتيجة الحوار وتوصيات لجان المصالحة.

 

خاتمة

 

يرى مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن الهجمات الإرهابية، مثل التفجير الانتحاري للجنة الانتخابات في طرابلس مطلع مايو، هي النتيجة المتوقعة من تعثر العملية السياسية في ليبيا والفشل في إعادة هيكلة وإصلاح قطاع الأمن الوطني. إن التشتت والقتال بين مؤسسات الدولة في ليبيا يخلق إطارًا متقلبًا يفسح المجال لوقوع اعتداءات إرهابية منتظمة في ليبيا. 

إذ لا يمكن الحديث عن مكافحة الإرهاب والتعايش السلمي ودولة القانون دون بناء مؤسسات حكومية فعالة قادرة على تنفيذ بنود المصالحات المحلية واتفاق السلام، وإحراز تقدم في سبيل الانتقال الديموقراطي والاستفتاء على الدستور وعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وذلك كله مرهون بتفعيل اّليات المحاسبة الدولية لاسيما المحكمة الجنائية الدولية وهيكلة وتوحيد المؤسسات الامنية. وبناء عليه يتعين على المجتمع الدولي -لاسيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي- تعزيز دعمهم لهذه الخطوات. فبدون بناء مؤسسات حكومية فعالة، سيظل الإرهاب منتشرًا في ليبيا، يؤجل حلم الشعب الليبي بمستقبل ديمقراطي إلى أجل غير مسمى.

 

التوصيات

  1. على المدعي العام الليبي أن يكشف على الفور نتائج التحقيق في العديد من التفجيرات الانتحارية والظروف المحيطة بالاشتباكات الخطيرة، كما يجب تقديم المسئولين عن القتل والتعذيب المنظم وترويع المدنيين وتدمير المواقع المدنية الحيوية إلى المحاكمة.

  2. على اللجنة الرباعية - لاسيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي - والسلطات الليبية زيادة الدعم للمحكمة الجنائية الدولية بهدف توسيع وتكثيف تحقيقاتها داخل ليبيا أو من دولة مجاورة، نظراً لعدم قدرة النظام القضائي الليبي حاليًا القيام بمهامه ومسؤولياته الوطنية.

  3. الضغط على مجلس النواب لإنجاز تفويضه التشريعي بإصدار التشريع لإجراء استفتاء دستوري، وانتخابات رئاسية وبرلمانية.

  4. الضغط على السلطات الليبية الرسمية والفعلية لصياغة خطة عملية، في شكل مشروع قانون، من أجل إستراتيجية وطنية شاملة وشفافة لإعادة هيكلة مؤسسة الأمن القومي على المدى القصير والمتوسط والطويل.

  5. اعتبار التقدم نحو إصلاح قطاع الأمن، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وفقاً للمعايير الدولية ومراقبتها من قبل المجتمع المدني، بمثابة معايير أساسية وشروط لرفع حظر الأسلحة عن ليبيا.

  6. إعطاء الأولوية لكسر دائرة الإفلات من العقاب، واستعادة فعالية نظام العدالة الجنائية، وتحفيز الآليات الدولية للمساءلة.

  7. الضغط على السلطات الليبية لضمان حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي؛ حماية نشطاء المجتمع المدني والمنظمات والصحفيين والإعلاميين من الهجمات؛ ضمان سلامتهم وضمان بيئة آمنة لهم، واتخاذ إجراءات جدية لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف في وسائل الإعلام.

  8. تمكين الجماعات المحلية والمجتمع المدني من التأثير بفعالية في مفاوضات السلام.

ورقة تحليلية

السلام والانتقال الديمقراطي في ليبيا حلم مؤجل أم كابوس أبدي؟

This post is also available in: English