في 4 نوفمبر الجاري، نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لقاءه الشهري في إطار صالون بن رشد، والذي خصصه هذا الشهر لمناقشة تداعيات الاعتراف بدولة فلسطين مؤخرًا من قبل العديد من الدول الأوروبية، وأهم مخرجات اتفاق التهدئة، ومؤتمر شرم الشيخ وإعلان نيويورك. استضاف الصالون؛ الدكتور رائف زريق؛ الكاتب والأكاديمي الفلسطيني المختص في فلسفة القانون والفلسفة السياسية، والدكتور طلال أبو ركبة الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني المختص في قضايا النظام السياسي والديمقراطية وحقوق الإنسان. وأدار النقاش الحقوقي التونسي مسعود الرمضاني.
في البداية أكد دكتور زريق أن القرارات والإعلانات الدولية لا تمنح الاستقلال ولا تنهي الاحتلال، وإنما التغيير في موازين القوى على الأرض. صحيح أن القرارات الدولية شرط ضروري للتغيير لكنها ليست الشرط الوحيد. وبالمثل استعمال القوة بطريقة لا تمتثل للقرارات والاتفاقيات الدولية لن يؤد إلى الاستقلال. إذ لا بد من تظافر العاملين معًا، الاعترافات الدولية وقوة التنفيذ على أرض الواقع. ويضيف زريق: «إذا العرب أجادوا استخدام وتوظيف موازين القوى ربما بإمكاننا استغلال هذه القرارات والاعترافات الدولية من أجل إحداث تغيير على الأرض».
من جانبه اعتبر دكتور أبو ركبة هذه الاعترافات بالدولة الفلسطينية دون تحديد واضح لحدود صلاحيات الدولة وتمكينها من سيادتها على أرضها وبحرها ومواردها، وحمايتها من العدوان والقتل والإبادة والاستيطان وانتزاع أراضيها، يبقى اعتراف شكلي منقوص. وأضاف: «الأمر هنا لا يتعلق بمسألة نزع السلاح، لكن ثمة أمور أخرى أهم من التسليح لم تضمنها هذه الاعترافات والقرارات». وتابع: «ربما بعد كل هذه المجازر من الأولى التفكير في حماية الفلسطينيين من إسرائيل لا حماية إسرائيل من الفلسطينيين من خلال نزع سلاحهم». وبحسب أبو ركبة؛ المشكلة الأكبر تتعلق برؤية إسرائيل القائمة على حتمية تقويض حل الدولتين وتعطيل فكرة إقامة دولة فلسطينية بالمعنى الحقيقي، باعتباره التهديد الأكبر لحلم المشروع الصهيوني القائم على وعد بلفور. وفي السياق نفسه استنكر زريق اعتراف بعض الدول بدولة فلسطينية بينما أعلنت (قولا وفعلا) دعمها للاستيطان. فكيف يمكن دعم الشيء ونقيضه! إذ أن قيام دولة فلسطينية مرهون بوقف الاستيطان ووضع حد لتوسعه. ومن ثم، فالحديث عن الدولة دون تحديد ماهية حدودها وصلاحياتها وطبيعة سيادتها يبقى منقوصًا.
الدكتور أبو ركبة لفت الانتباه أيضًا إلى أن المهدد الأكبر (الخطر الوجودي) للمشروع الصهيوني يكمن في الديموغرافية الفلسطينية، وأن التخلص من الوجود الفلسطيني هو الطريق الوحيد لإتمام هذا المشروع. لذا طالما حاولت دولة الاحتلال تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني والقضاء عليها بطرق شتى وصلت حد الإبادة. مشيرًا إلى أن كل ممارسات إسرائيل قبل 7 أكتوبر من حصار مستمر وقيود على الحركة والتنقل والتوسع الاستيطاني وتعمد عرقلة وصول البضائع والاقتحامات والهجمات العسكرية، وعرقلة التطوير العمراني، كان الهدف منها إقناع العقل الجمعي الفلسطيني باستحالة البقاء والعيش على هذه الأرض ودفعهم إلى الهجرة. وقد استغلت إسرائيل عملية «طوفان الأقصى» لمواصلة هذه الممارسات وتصعيدها حد الإبادة. وللسبب نفسه عززت إسرائيل الفرقة بين التجمعات الفلسطينية الكبرى وخلقت لكلاً منهم مشاكل وتحديات خاصة تصرف اهتمامه عن القضية المركزية؛ من انتشار الجريمة وعدم التطوير في مناطق عرب 48 إلى نزع الأراضي وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية وصولاً إلى الحصار في غزة والهجمات العسكرية. وبالمثل عززت إسرائيل الفرقة بين السلطات الفلسطينية وعذت الخلاف بين فتح حماس، لمنع الوحدة الفلسطينية التي تشكل التهديد الحقيقي لمشروعها لا مجرد الاعتراف بحدود الدولة، وإنما قيام هذه الدولة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
أما عن إعلان نيويورك وخطة ترامب لحل الأزمة، فاعتبرها زريق وأبو ركبة محاولات التفاف على حل الدولتين لا داعم لهم، واستجابة مدروسة لخطة إسرائيل التي بدأت بتعمد تجويع الفلسطينيين في غزة وخلق أزمة إنسانية طاحنة الهدف منها أن تنصب أنظار العالم وجهوده فقط على مسألة إدخال المساعدات وحماية المدنيين لا على الحلول السياسية للازمات الجذرية البنيوية التي وصلت بنا إلى هذه المرحلة؛ من احتلال ممتد لسبعة عقود، وكيف يمكن إنهاءه. فبحسب أبو ركبة خطة ترامب هي التفاف واضح على حل الدوليتين، وتقويض واضح له، خاصة بتعمد الفصل بين غزة والضفة، وتسليم إدارة القطاع (لقوى دولية) لا فلسطينية في تأكيد على نزع سيادة الفلسطينيين عن القطاع. بل هي حرفيًا «تلبية للشروط الخمسة التي وضعها نتنياهو لوقف الحرب» في البداية، دون أن تأخذ في الاعتبار أيًا من حقوق الشعب الفلسطيني التي نصت عليها الشرعية الدولية.
وبحسب زريق الإشكالية الأكبر الآن تكمن في أن الطرف المستعد بشكل واضح للتوصل لحل مع إسرائيل، لا يقدم في اللحظة نفسها خطة للمقاومة، فاذا لم تستجب إسرائيل ما هي أدوات الضغط المتاحة؟ لا توجد استراتيجية فلسطينية قادرة على المقاومة وفي الوقت نفسه مستعدة للتفاوض. لا يوجد طرف يطرح حلول أو رؤية للحل ويمتلك في الوقت نفسه أدوات ضغط لفرضها، ومستعد للتفاوض وتقديم بعض التنازلات في مقابل مكاسب محددة. ويتابع: «الأسباب التي منعت التوصل إلى اتفاقات في السابق ستستمر في منع الوصول لاتفاق، لا سيما أن هناك قوى دولية كثيرة تتدخل الآن بشكل أكبر في الشأن الفلسطيني على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن تعدد الأطراف الإقليمية المنخرطة في التفاوض (تركيا، قطر، مصر)، تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين من جهة، وغياب الموقف الفلسطيني الموحد والرؤية الفلسطينية الموحدة من جهة أخرى، يزيد الأمر تعقيدًا هذه المرة». ويختتم: «من دون تفاهم فلسطيني داخلي على مطالب وخطة وحل واضح، فكل هذه الأطراف ستشتت المفاوضات».
وبالمثل شدد الدكتور أبو ركبة في الختام على أن: «بناء برنامج وطني فسلطيني قائم على وحدة الموقف، ووحدة الرؤية، وبناء استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة هو الرهان الحقيقي. وفي ظل الالتفاف الدولي حول مقترحات ترامب وخططه، التي تستثني الفلسطينيين وتلتف على وحدتهم، فلا بديل إلا طرح تصور فلسطيني موحد، والضغط العربي من أجل فرضه».
شاهدوا الندوة كاملة هنا:
للاستماع إلى بودكاست الندوة، هنا:
Share this Post

