مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.لم يعد من السهل تجاهل التحول العميق الذي يشهده العالم اليوم: فالنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على قاعدة تقييد القوة بالقانون والمؤسسات لم يكن يومًا صلبًا كما رُوج له، بل حمل منذ البداية هنّات واضحة ونقاط ضعف كشفت عن هشاشته المتأصلة.
ومع مرور الزمن، ظهرت بوادر اندثاره؛ إذ لم تعد المؤسسات والقواعد قادرة على كبح إرادات القوى الكبرى في الهيمنة. واليوم، يبدو هذا النظام وكأنه ينهار تدريجيًا تحت وطأة منطق القوة الخام، لتعود إلى الواجهة لغة ظنّ كثيرون أنها من مخلفات التاريخ: لغة النفوذ والردع وفرض الإرادة بالقوة، كما لو أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى.
في مقابل هذا التحول نحو عالم أكثر توحشًا، يبرز لنا مشهد آخر لا يقل خطورة: وهنٌ عربي واضح في مواجهة هذا الواقع الدولي المتقلب. فبينما تعيد القوى الكبرى ترتيب علاقاتها وفق حسابات القوة الصلبة والمصالح الاستراتيجية، تجد الدول العربية نفسها غارقة في أزماتها الداخلية، تعاني هشاشة مؤسساتها، وقمع مواطنيها واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
«الحق هو ما تُفرضه القوة»
لنبدأ بأحد أكثر التصريحات وضوحًا حول العقيدة الشعبوية التي تختزل جانبًا مهمًّا من التفكير السياسي في واشنطن اليوم. فقد قال ستيفن ميلر، كبير مستشاري دونالد ترامب للشئون الأمنية والسياسية، في حديث مع صحفي شبكة سي إن إن، جيك تابر، قبل أسابيع: «نحن نعيش في عالم يمكنك أن تتحدث فيه كما تشاء عن المجاملات الدولية وعن كل شيء لطيف آخر، لكننا نعيش في العالم الحقيقي يا جيك، عالم تحكمه القوة، عالم يُفرض فيه الأمر بالقوة ويقوده النفوذ… هذه هي القوانين الصارمة التي وجدت منذ بداية التاريخ».
هذا التصريح لا يعكس مجرد موقف سياسي عابر، بل يختصر تحولًا استراتيجيًا أعمق في النظرة إلى النظام الدولي. وقد علّقت إحدى الدوريات الأمريكية الجادة على هذا الموقف بالقول إن العالم يشهد انتقالًا حاسمًا: فنحن نبتعد تدريجيًا عن نظام كانت تُفهم فيه مصالح الولايات المتحدة على أنها تتحقق بشكل أفضل ضمن إطار من القواعد والمؤسسات والقانون الدولي. ورغم عيوب ذلك النظام ونواقصه، فإنه لم يكن يقيّد الولايات المتحدة وحدها، بل كان يقيّد أيضًا منافسيها وخصومها، ليخلق معادلات قابلة للتعايش.
شريعة الغاب
أما اليوم، فيبدو أن العالم يتجه بأقصى سرعة نحو ما يشبه شريعة الغاب: منطق تتراجع فيه القواعد أمام موازين القوة، وتتحول فيه السياسة الدولية من مجال تنظمه القوانين –على علاتها وضعفها وترددها– إلى ساحة تتصارع فيها الإرادات.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فحين تُقدَّم القوة باعتبارها القانون الأعلى، لا يصبح القانون الدولي الرخو وحده هو المهدد، بل تمتد العدوى إلى داخل الدول نفسها، حيث تجد الشعبوية في هذا المناخ مبررًا إضافيًا لتهميش المؤسسات وتغليب الإرادة الفردية على قواعد الحكم الرشيد.. حتى في أعرق الديمقراطيات.
هشاشة القانون الدولي أمام إرادات القوة
غير أن خطورة هذا المنحى لا تكمن في حدث بعينه، بل فيما يكشفه عن هشاشة التوازن الذي قامت عليه البنية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد بُني النظام الدولي على فكرة مركزية: تقييد القوة بالقانون وربط القرار السياسي بالمؤسسات.
ولكن هذا القانون الدولي، بما يحويه من هشاشة جوهرية، ظل رهينًا لتوازنات القوة نفسها، يطبق أو يُغفل بحسب ما تخدمه مصالح القوى الكبرى، بعيدًا عن أي معايير موضوعية أو أطر ضبط مستقرة، وهو ما أضرّ بمصداقيته.
وكان السلام، رغم هشاشته، ثمرة توازن دقيق بين القوة من جهة، والضوابط الديمقراطية داخل الدول الكبرى من جهة أخرى. وعندما تتراجع هذه الضوابط، ويصبح قرار الحرب أقرب إلى إرادة فردية منه إلى عملية مؤسسية، فإن الخطر لا يقتصر على منطقة محددة، بل يضع النظام الدولي برمته أمام اختبار حاد وسؤال مصيري: هل يمكن للإنسانية أن تمنع الانزلاق السريع نحو صراعات كارثية كبرى؟
عندما يعيد التاريخ نفسه
وتزداد خطورة هذه التحولات عندما ننظر إلى ما يحدث في ضوء دروس التاريخ. فهذه اللحظة تذكّر، في جوانب عديدة، بأزمة الديمقراطية التي عرفها العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، حين بدت الأنظمة الديمقراطية عاجزة عن حماية نفسها أمام صعود النزعات القومية المتطرفة والقيادات الشعبوية التي وعدت «باستعادة القوة والهيبة الوطنية».
آنذاك أيضًا جرى تهميش المؤسسات الدستورية، والتقليل من شأن القيود القانونية، وتقديم إرادة «الزعيم» القوي الأوحد على قواعد القانون والتوازنات الدولية. ولم تكن النتيجة مجرد أزمة سياسية داخلية، بل كانت انهيارًا تدريجيًا للنظام الدولي، وانزلاقًا كارثيًا نحو حرب مدمرة راح ضحيتها قرابة خمسين مليون إنسان.
أزمة الديمقراطية
وتصبح الأزمة أكثر تعقيدًا عندما نلاحظ أن قضية الديمقراطية نفسها لم تعد تحتل الموقع المركزي في أولويات المجتمعات. فمع تفاقم الأزمات الاقتصادية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع معدلات القلق بشأن المستقبل، يميل قطاع واسع من الرأي العام إلى تقديم المصالح الاقتصادية الآنية على القيم السياسية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الحريات والمؤسسات الديمقراطية. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع السياسة بوصفها مجالًا للنقاش العام والمشاركة المدنية وبناء تصورات نحو المستقبل، لتتحول في نظر كثيرين إلى شأن منفصل عن هموم الحياة اليومية.
وهكذا يتقلص الاهتمام بالديمقراطية لا بفعل القمع وحده، بل أيضًا بسبب تآكل الثقة في قدرة السياسة على تغيير الواقع. وعندما يشعر المواطن بأن صوته لم يعد قادرًا على التأثير في القرارات التي تمس حياته، يصبح المجال مفتوحًا أمام الخطابات الشعبوية التي تقدم حلولًا وهمية ووعودًا كاذبة لمشكلات معقدة. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن الديمقراطية لا يمكن أن تستقر طويلًا في ظل أزمات اقتصادية عميقة وخطابات سياسية تقوم على تبسيط الواقع وتحويل الغضب الاجتماعي إلى أداة للسيطرة، لكن من يتعظ؟
هشاشة الوضع العربي
وإذا انتقلنا إلى السياق العربي والشرق أوسطي، تتضاعف المخاطر بشكل ملموس. فمعظم دول المنطقة، ومنذ ستينيات القرن الماضي، لم تعرف الديمقراطية بمفهومها المؤسسي الحديث، ولم تنجح في بناء أنظمة سياسية قائمة على توازن فعّال بين السلطة والمجتمع، أو على مؤسسات قادرة على ضبط استخدام قوة السلطة وسيطرتها على المجتمع. وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وامتداد مظاهر الفساد، وتغوّل الأنظمة الحاكمة، وغياب المشاركة السياسية، تصبح هذه المجتمعات أكثر هشاشة أمام التداعيات العالمية.
إن ما يُسمّى «ضعف المجتمع أمام تغوّل الدولة» لا يقتصر على غياب الرقابة على السلطة، بل يشير إلى تآكل القدرة المجتمعية على صياغة أولوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتأثير في عملية صنع القرار. وعندما يتراجع هذا الفاعل المجتمعي، تتحول الدولة نفسها إلى كيان معزول وضعيف أمام الضغوط الدولية، فالقوة التي لا تخضع لأي ضبط أو منطق تتحول إلى أداة لفرض سياسات متذبذبة، ويصبح الداخل رهينة لتقلبات الإرادات، بينما تستثمر القوى الخارجية هذه الهشاشة، فينشأ دور متكرر من الهيمنة المزدوجة يعيد إنتاج الضعف وانعدام الاستقرار على نحو دائم، وهكذا يصبح الفراغ الداخلي ليس مجرد خلل مؤسسي، بل عاملًا فاعلًا يفسح المجال أمام النفوذ الخارجي، ويجعل السياسات المحلية رهينة مصالح الدول الاستعمارية، وهذا من الدروس التاريخية التي لا يجب نسيانها.
الأزمة التونسية
الأزمة التونسية اليوم ليست مجرد تحديات اقتصادية أو سياسية عابرة؛ بل مرآة صارخة لهشاشة البلاد في واقع التحوّلات العالمية المتسارعة. وفي عالم يهيمن عليه تراجع الضوابط الديمقراطية وتصاعد منطق القوة والهيمنة، يتحول أي ضعف داخلي إلى ثغرة كبيرة يمكن استغلالها لإخضاع الوطن، وأحيانًا بالقوة المباشرة، كما في القرون الماضية.
فالانقسامات الداخلية، واستبعاد فئات عديدة المجتمع، ليست مجرد أخطاء سياسية أو إرادة تسلط سلطوي فقط، بل إنذار صارخ بأن الدولة الضعيفة بدأت تهيئ نفسها لتصبح هدفًا سهلًا للتدخلات والابتزاز الخارجي.
وفي رأينا المتواضع، لمواجهة هذا الواقع، تصبح الجبهة الداخلية المتماسكة مسألة وجودية. ولا تُبنى بالقمع ولا بالشعارات الوطنية الرنانة، سواء للسلطة أو معارضيها، بل عبر الحرية والعدالة ومشاركة جميع المواطنين في صنع قرارات ومصير وطنهم. فالدولة التي تضعف مجتمعها بالإقصاء أو حرمان الحقوق، لا تهدد مواطنيها فحسب، بل تجعل سيادتها عرضة للاختراق والتدخل الخارجي، وتفتح الباب لأزمات أعمق تهدد الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن السيادة الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع في الخطابات، بل قوة تُبنى من الداخل. ومن لا يؤسس سيادته داخليًا وفق قواعد الحرية والعدالة، قد يكتشف بعد فوات الأوان أن الآخرين هم من يرسمون حدود تلك السيادة وفق إرادتهم.
المصدر: جريدة المغرب

Share this Post

