---
title: "إشكالية الإدراكات السياسية والكفاحية الفلسطينية: حالة «طوفان الأقصى» وحرب الإبادة الإسرائيلية"
slug: "perceptions-of-palestinian-politics-and-struggle-the-case-of-al-aqsa-flood-and-the-israeli-war-of-genocide"
post_type: "post"
published_at: "2026-02-12T10:30:06+01:00"
modified_at: "2026-03-05T12:32:35+01:00"
author: "Tarek"
url: "https://cihrs.org/perceptions-of-palestinian-politics-and-struggle-the-case-of-al-aqsa-flood-and-the-israeli-war-of-genocide/"
category:
  - "أوراق المنتدى"
post_tag:
  - "أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان 28"
country:
  - "فلسطين"
field:
  - "الدراسات والأبحاث"
---

# إشكالية الإدراكات السياسية والكفاحية الفلسطينية: حالة «طوفان الأقصى» وحرب الإبادة الإسرائيلية

شكّلت عملية «طوفان الأقصى»، حدثًا تاريخيًا مؤسِّسًا، بمعنى أن ما بعده ليس كما قبله، وذلك بحكم استثمار إسرائيل لها باعتبارها فرصة سانحة لتغيير الواقع الفلسطيني، وواقع المشرق العربي. هكذا، شنّت إسرائيل حرب إبادة جماعية، مهولة، وغير مسبوقة بوحشيتها، بحق الفلسطينيين. ما لبثت أن ضمت، في حدودها، ومخاطرها، وتأثيراتها، دول المشرق العربي، إلى اليمن وإيران، لدرجة أن تداعياتها باتت لا تقل تأثيرًا عن التداعيات الكارثية الناجمة عن النكبة الفلسطينية الأولى (1948)، وربما إنها تجاوزت في تأثيرها الحرب العربية/الإسرائيلية الثالثة (1967)، رغم كل الفظائع والمآسي المروعة التي تضمنتها الأخيرة.

## **التغييرات الإقليمية**

ولعل ما يُفترض إدراكه أن عملية «طوفان الأقصى»، المفاجئة، والقوية، وغير المسبوقةوالتي شكّلت ذروة الخيار العسكري الفصائلي، أو الميليشياوي، لمعسكر **«**المقاومة والممانعة**»**، مع **دعم «**حزب الله**»** لـ**«**حماس**»** في غزة، والقصف الصاروخي ضد إسرائيل من **جانب «**الحوثيين**»** في اليمن، و**«**الحشد الشعبي**»** في العراق، مع امتشاق شعار **«**وحدة الساحات**»؛** **جميعها** كانت، وللمفارقة، ذروة إخفاق هذا الخيار، وهذا المعسكر، بطريقة مريعة وفاضحة وسريعة**.** إذ استطاعت إسرائيل، في ثلاثة أشهر (17/9 **–** 17/12/2024)، تقويض قوة **«**حزب الله**»**، وتدمير قدرات الجيش السوري، بعد انهيار نظام الأسد (كانون أول، ديسمبر 2024)، وتحجيم نفوذ إيران في المشرق العربي، بعد تدميرها غزة، وتشديد قبضتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر**.** **إذ** أنهت كل **«**محور المقاومة والممانعة**»**، الأمر الذي تم بعد شن الحرب ضد إيران (حزيران/يونيو 2025)، بمشاركة عسكرية من الولايات المتحدة.

في المحصلة فإن كل تلك التطورات، والتحولات، فتحت المجال لإسرائيل للتعبير جهارًا عن سعيها للتحول من فكرة **«**إسرائيل الصغرى**»** إلى فكرة **«**إسرائيل الكبرى**»**، بواقع محاولتها تشريع هيمنتها العسكرية مباشرة، أو بشكل غير مباشر، على المشرق العربي، مع سعيها فرض حرية حركة ذراعها الطويلة، الجوية والصاروخية، من لبنان إلى اليمن وإيران، مرور**ً**ا بسوريا والعراق؛ هذا إضافة إلى تعزيز هيمنتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر.

## **التأثيرات على الصعيد الفلسطيني**

فلسطينيًا، فقد أثرت الحرب بشكل كبير وعميق وشامل على الحركة الوطنية الفلسطينية، وعلى كيانها السياسي المتمثل بالسلطة الوطنية، في الضفة والقطاع، وعلى خيارها المتمثل بمشروع الدولة المستقلة، بل وعلى وجود الشعب الفلسطيني بين النهر والبحر، وضمن ذلك على حركة **«**حماس**»**.

وكما شهدنا فقد نجم عن تلك الحرب تدمير القدرات العسكرية لـ**«**حماس**»**، وتقويض مكانتها كسلطة**.** كما أدت من الناحية الجغرافية والعمرانية إلى محو قطاع غزة تقريبا**،** وتشريد مليوني فلسطيني داخله، مع حرمانهم من مقومات الحياة الأساسية، الماء والكهرباء والغذاء والمأوى والدواء**.** وجعلهم مجرد أهداف، أو حقل رماية للصواريخ والقنابل الإسرائيلية، من البر والبحر والجو، ما جعل غزة بمثابة أكبر مقبرة، وأكبر خرابة، وأكبر سجن، وأكبر حقل رماية في العالم. أيضًا، وبعد تدمير غزة، تحاول إسرائيل استغلال الظرف الراهن، والمعطيات المواتية لها عربي**ً**ا ودولي**ً**ا، لتقويض اتفاق أوسلو نهائيا، و**إ**نهاء فكرة الكيان الفلسطيني، أو **إ**بقائه عند حدود الحكم الذاتي، في أصغر منطقة ممكنة، ومن دون سيادة على الأرض والموارد والجو والمعابر، وهو الأمر الذي تتساوق معه الإدارة الأمريكية.

ما يفترض ملاحظته، على ضوء التطورات الحاصلة، أن خيار الصراع العسكري الدولتي والفصائلي ضد إسرائيل انتهى، بغضّ النظر عن تقييمه وصدقيته، بعد أن كان انتهى، في بعده الدولتي، قبل نصف قرن**؛** إي إننا إزاء طي حقبة من تاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني.

بيد **أ**ن أهم ما يُفترض **إ**دراكه هنا، **أ**ن الحديث عن **إ**خفاق الخيار العسكري، لا يعني البتة نجاح الخيار السياسي/التفاوضي**؛** إذ في الحالين تم فقدان السيطرة، لأن الوضع الدولي والإقليمي لا يسمح للفلسطينيين باستثمار كفاحهم وتضحياتهم، تبعًا لموازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية والعربية، السائدة منذ منتصف القرن الماضي، وهي معطيات لا تسمح بحل فلسطيني، مهما كان مستواه.

## **قصور الإدراكات السياسية**

في مقابل كل ذلك تبدو القيادة الفلسطينية حائرة، أو ضائعة، أو لا تملك أوراق القوة التي تمكنها من مواجهة التحديات الوجودية الإسرائيلية، بحكم تكلس، وترهل، الكيانات الوطنية الفلسطينية الجامعة، المنظمة والسلطة والفصائل، وحال الانقسام والاختلاف والافتقاد لرؤية وطنية جامعة**.** **بالإضافة إلى** ضعف الفعالية والشرعية، والافتقاد للمبادرة، مع تهميش المجتمع المدني، في مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج، بخاصة مع اختفاء مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين.

مثلًا، ربما كان الأجدى للقيادة الفلسطينية العمل منذ سنوات على تفعيل هيئات منظمة التحرير، الرسمية والشعبية، وتعزيز دورها ومكانتها، بدلًا التركيز على السلطة**.** ففي المحصلة، لم يفز الفلسطينيون بالسلطة، وخسروا المنظمة، التي انحسر دورها.وبدلا من الإعلان الفجائي، والغامض، عن التوجه نحو إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، المجمد تقريبا منذ سنوات، كان من الأفضل للقيادة الفلسطينية إجراء انتخابات تشريعية، ورئاسية في الأراضي المحتلة، قبل أعوام، بدلًا من إلغائها (2021)؛ إذ كان من شأن ذلك منح الحملة الدولية المتعلقة بشرعنة الدولة الفلسطينية قوة مؤسسية، قانونية وتمثيلية.

للتدليل على ذلك فإن إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مؤخرًا، اعتزامه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في وقت واحد، والسعي إلى صوغ دستور للدولة الفلسطينية المفترضة؛ استجابة للضغوط الخارجية. وكان من الأحرى أن يفعل الرئيس ذلك استجابةً لحاجات شعبه، وفي سبيل تطوير كيانه السياسي. كما كان الأنسب له لو فعل ذلك في السنوات الأولى، مثلًا، لتسلمه القيادة (كرئيس للمنظمة والسلطة وفتح)، والتي أمضى فيها 20 عامًا، أي ضعف الفترة التي قضاها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (1994 – 2004).

أيضًا، من الناحية السياسية فإن تمترس القيادة الفلسطينية عند خيار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، منذ نصف قرن، وبخاصة منذ أكثر من ثلاثة عقود (بعد عقد اتفاق أوسلو)، أثر سلبًا، أو لم يكن موفقًا، بخاصة إن إسرائيل ظلت تصارع الفلسطينيين على كل شبر في الأراضي المحتلة (1967). وفي هذه الحال كان من الأنسب، والأجدى، التسلح بخيارات موازية، تتحدى إسرائيل، وفقًا للمعايير الدولية، في كفاح سياسي يشدد على إقامة دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، دولة ديمقراطية، بالضد من طبيعتها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية. علمًا إن ذلك قد لا ينجح بسبب موازين القوى، لكنه كان يمكن أن يفتح أفقًا أفضل لمصارعة إسرائيل على كل المستويات، بدلًا من الحال التي آلت إليها الأمور.

في كل الأحوال فإن افتقاد القيادة الفلسطينية للمبادرة، وتاليًا القدرة عليها، أضعف من التأثير في نقاط ضعف إسرائيل، سواء الناجمة عن التصدعات الداخلية فيها، بين متدينين وعلمانيين، وبين متطرفين ومعتدلين. أو عن المسارات العالمية الناشئة، لنزع شرعيتها، وعزلها، على صعيدي الحكومات والمجتمعات في العالم؛ لتأكيدها ذاتها كدولة استعمارية وعنصرية ودينية، وكدولة إبادة جماعية، مع أكثر حكومة متطرفة عرفتها في تاريخها.

## **مشكلة «حماس»**

أما بخصوص «حماس» فالوضع ليس أحسن حالًا، فهي التي أسست «طوفان الأقصى» (7/10/2023)، على أوهام انطوت على مبالغة بقدراتها العسكرية، وبرؤيتها لأزمات إسرائيل، التي هي «أوهن من خيوط العنكبوت»، والتي تعجز عن خوض حرب طويلة، أو تحمل خسائر بشرية كبيرة، مع مراهنة على ما يسمى «وحدة الساحات»، ومعسكر «المقاومة والممانعة»، بل وتدخل الملائكة، وإن إسرائيل لا تستطيع الدخول إلى غزة، ولا تجرؤ على احتلالها، وكلها إدراكات قاصرة ومتسرعة وقدرية، وكان ذلك واضحًا منذ البداية.

وحسبما شهدنا فإن المسألة لا تقف عند ذلك الحد، فمع استمرار الحرب باتت «حماس» تتحدث عن أوراق قوة لديها، ضمنها الأسرى، أو الرهائن، والخلافات الداخلية في إسرائيل، بين المستويين السياسي والأمني، وبين الحكومة والمعارضة، وبين أهالي الأسرى والمتظاهرين المتعاطفين معهم والحكومة الإسرائيلية. بيد إن كل تلك الأوراق لم تثبت شيئا؛ إذ أن نتنياهو، الذي كان في نهاية زمنه السياسي قبل «الطوفان» على خلفية الخلاف بين التيارين الديني والعلماني، ومحاولته الهيمنة على السلطة القضائية؛ تمكن بعد الطوفان من إزاحة وتهميش معظم خصومه (غالانت وزير دفاعه السابق، وبني غانتس رئيس حزب أزرق – أبيض وليبيد رئيس حزب هناك مستقبل)، بالإضافة إلى بشد عصبية معظم الإسرائيليين، ضد ما روج له كخطر وجودي يتهددهم من غزة، ومن الفلسطينيين عمومًا.

في المحصلة اتضح أن كل ذلك نتاج أوهام، ورهانات خاطئة، وإخفاقات كارثية؛ إذ استطاعت إسرائيل تقويض قدرات «حماس»العسكرية، وتصفية عدد كبير من قيادييها، وكوادرها، مع انحسار شرعيتها في غزة، كونها لم تؤكد صدقية شعاراتها ومنطلقاتها، على مستوى صد عدوان إسرائيل، أو الدفاع عن الفلسطينيين، كما في عجزها عن تأمين حاجاتهم الأساسية، أو حتى إدراكها ضرورة وضع سلم للنزول، أو استراتيجية للتراجع.

الأهم من ذلك، فإن قيادة «حماس» التي لم تستطع أن تقدم خطابًا مقنعًا إبان تلك الحرب، تكشفت عن انفصام عن الواقع، خاصة بتبنيها مقولات من نوع أن «المقاومة بخير»، وأن «إسرائيل لم تحقق أهدافها»، و«ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه»، و«خسائرنا تكتيكية وخسائرهم استراتيجية»، فيما كانت إسرائيل تمعن في قتل الفلسطينيين، وتشريدهم وتجويعهم وتدمير عمرانهم.

## **العودة إلى نقطة الصفر**

كان بإمكان «حماس»، التي خضعت لصفقة ترامب مؤخرًا، مع كل ما فيها من إجحافات، وبعد كل ما جرى، أن تذهب لأفضل منها إبان الهدنة الأولى، أواخر 2023، لتجنيب غزة الدمار، وتجنيب فلسطينيي غزة ويلات الحرب ومآسيها، والتفويت على إسرائيل فعل ما فعلته. وطوال العام الأول للحرب، أيضًا، كان بإمكان «حماس» التوجه لعقد صفقة للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، لكنها ظلت تراهن على وهم وحدة الساحات، ودعم «العالمين العربي والإسلامي»، وقدرتها على صد إسرائيل، دون إدراك أن حكومة نتنياهو، سموتريتش، بن غفير، باتت هي التي تصر على استمرار حرب الإبادة بوحشية منقطعة النظير، لتمرير خطتها بالتخفف من أكبر قدر من الفلسطينيين في غزة، وتحويل حياتهم فيها إلى جحيم، والتخلص، جملةً وتفصيلًا، من أي بعد فلسطيني في عملية التسوية، وأيضًا لتمرير خطتها بالقضاء نهائيًا على فكرة المقاومة، بل وعلى ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة.

في مرحلة تالية، وقبيل نهاية العام الأول لحرب الإبادة الإسرائيلية، أقصت إسرائيل «حزب الله» من ساحة المعركة، أو من معركة «اسناد غزة» حسب تعبيراته، وذلك بعد عملية «البيجر» (17/9/2024)، وبعد اغتيال قيادة قوة «الرضوان» في «حزب الله»(20/9/2024)، واغتيال زعيمه حسن نصر الله (27/9/2024)، وفيما جرى كل ذلك في أيلول/سبتمبر 2024، بعدما اغتالت إسرائيل، قبل ذلك بشهرين، إسماعيل هنية في طهران ذاتها (1/7/2024). ما يعني إنه برغم كل هذا التصعيد، ورغم انكشاف قوة إسرائيل التدميرية، وهيمنتها بواسطة تفوقها الهائل، تكنولوجيًا وعلميًا، واستخباراتيًا؛ إلا أن قيادة «حماس» لم تبال بذلك، ولم تأخذه في عين الاعتبار للبحث عبر الوسطاء عن صفقة ممكنة، وتجنيب الفلسطينيين أهوال الحرب، كأن المقاومة أهم من الشعب، أو كأن «حماس» أهم من غزة.

هكذا، استمرت قيادة «حماس» في إدراكات خاطئة، مع الترويج لمقولات أن إسرائيل لم تحقق أهدافها، وأن المقاومة بخير، بعد كل ما جرى، وحتى بعد اغتيال إسرائيل ليحيى السنوار، الرئيس الجديد لمكتبها السياسي، ومهندس عملية «طوفان الأقصى». كما استمرت في ذلك بعد انهيار النظام السوري (أواخر العام 2024)، وحتى بعد حرب الـ 12 يوما، التي شنتها إسرائيل على إيران ذاتها (حزيران/يونيو 2025)، بمشاركة أمريكية، مما أدى إلى إخراجها نهائيًا من لبنان وسوريا وحتى العراق تقريبا. كل ذلك وما زالت «حماس» تعتقد، أو تتوهم، أن لديها ورقة اسمها الأسرى الإسرائيليين، وأن مظاهرات إسرائيل، أو أزماتها، ستضغط على حكومة نتنياهو!

الآن، للأسف، خرجت الأمور عن السيطرة، وبات موقف قيادة «حماس» تحصيل حاصل، بشكل خاص مع موافقة الأطراف العربية والإسلامية، وضمنها القريبة من «حماس»، والحاضنة لها، على خطة ترامب، أي إن «حماس» باتت أمام اتفاق إذعان بكل معنى الكلمة، خاصة في ظل نضوب مصادر التمويل والتسلح وحتى الدعم السياسي، الأمر الذي فرض عليها قبول ما لم تقبله من قبل، وبشروط أقل، بما في ذلك خروجها من المشهد، وإطلاقها الأسرى الإسرائيليين. علمًا إن تلك الورقة لم تكن يومًا في يد «حماس»، بقدر ما كانت ورقة استعمالية في يد نتنياهو؛ إذ حتى مظاهرات إسرائيل لم تزحزحه عن مكانه، باعتبار إن أغلبية الإسرائيليين تمحوروا حوله فيما اعتبروه دفاعًا عن وجود إسرائيل. في المقابل كانت إسرائيل تمسك بحياة، ولقمة عيش، أكثر من مليوني فلسطيني تحت رحمتها في حياة باتت بمثابة عذاب، أو جحيم، خالص.

باختصار، فإن «حماس»، التي امتلكت المبادرة والقدرة على السيطرة في يوم واحد، أو جزء من يوم، فقدت تلك المبادرة، وتلك السيطرة، على كل المستويات، خاصة إزاء إسرائيل. التي واصلت على مدار 710 يوم، تقتل وتدمر وتحاصر وتجوع وتشرد وتعتقل، في وضع غيرت فيه الواقع في فلسطين، وعموم الشرق الأوسط، وضمنه واقع «حماس» أيضًا، في حين أن قيادة هذه الحركة، أو ما تبقى منها، مازالت على الأرجح عند إدراكاتها الأولية.

المؤسف أن هذا يحدث لحركة وطنية بات لها من العمر 60 عامًا، وتمتلك تجربة سياسية وكفاحية، غنية ومتنوعة وطويلة ومكلفة. ولشعب يمتلك أكبر نسبة عن الباحثين والأكاديميين والمثقفين والمتعلمين، بيد إن الشعب في واد وخيارات قياداته في واد أخر. الأمر الذي تؤكده التجارب الصعبة والخائبة، من الأردن إلى لبنان، إلى الأرض المحتلة، مع مآلات المنظمة والسلطة والفصائل؛ كأن هذه الحرب أعادت الفلسطينيين إلى نقطة الصفر، إن لم يكن إلى ما دون ذلك.

## **حال إسرائيل**

تبقى ملاحظة أساسية تتعلق بإسرائيل، فعلى الرغم من جبروتها، أو تفوقها، العسكري، والتكنولوجي، والإداري، والاقتصادي؛ باتت أكثر اعتمادية على الولايات المتحدة الأمريكية، وأكثر انكشافًا، وعزلة، في العالم، بطبيعتها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية، وأيضًا، كدولة إبادة جماعية.

بيد إن هذه الحرب، على الصعيد الداخلي، عززت من تغليب طابع إسرائيل كدولة يهودية ودينية وعنصرية، على حساب طابعها كدولة ليبرالية وديمقراطية وعلمانية، ما يعزز التصدعات الداخلية فيها، بين الغربيين والشرقيين، والعلمانيين والمتدينين، والمعتدلين والمتطرفين، وكل هذه التحولات تجعل منها مجرد «غيتو»، على شكل قلعة، في المنطقة، الأمر الذي يتناقض مع كل المساعي للسلام أو للتطبيع معها.

ربما إن ما يدفع بتأزم وضع إسرائيل هو انكسار ثلاثة صور عملت إسرائيل على ترويجها عن ذاتها. أولًا، احتكارها مكانة الضحية، وكوكيلة عن ضحايا «الهولوكوست»، فإذا بها هي تمارس «الهولوكست» على الفلسطينيين. ثانيًا، إنها دولة صغيرة في محيط عربي خطر داهم يتهددها، فإذا بها هي التي تهدد كل الدول العربية المجاورة لها. ثالثًا، إنها بمثابة واحة للديمقراطية، فإذا هي تصر على كونها دولة يهودية، أي عنصرية، إزاء الأغيار، وتحاول، في ظل حكومة نتنياهو، وسموتريتش، وبن غافير، أن تغلب طابعها كدولة يهودية على طابعها كدولة علمانية، وطابعها كدولة عنصرية على طابعها كدولة يهودية، بخاصة مع محاولة نتنياهو تقويض السلطة القضائية، وجمع كل السلطات بيده (التنفيذية والتشريعية والقضائية). في المحصلة فإن كل تلك العوامل جعلت إسرائيل بمثابة عبء سياسي وأمني ومالي وأخلاقي على دول العالم، ما يفسر التحولات في الغرب، على الصعيدين الدولي والمجتمعي، لصالح التعاطف مع الفلسطينيين.

من كل تلك الأوجه، فإن إسرائيل ما بعد «طوفان الأقصى» وتداعياته، باتت في حالة جديدة في شكل علاقتها الصراعية مع الفلسطينيين، وفي شكل تموضعها في المنطقة. وأيضا في رؤيتها لذاتها في الإقليم والعالم، في محاولتها التحول من «إسرائيل الصغرى» إلى «إسرائيل الكبرى»، حسبما ذكر بنيامين نتنياهو، مؤخرًا، عن الحلم الذي عاش من أجله.

## **وماذا بعد؟**

في هذا الإطار يأتي سؤال ما الحل؟ أو ما العمل؟ وهو سؤال متأخر جدًا، ومراوغ؛ إذ كان يُفترض بالفلسطينيين مراجعة استراتيجياتهم السياسية والكفاحية، وعلاقاتهم ببعضهم، وبالعالم، منذ نصف قرن، وعلى الأقل بعد الخروج من لبنان (1982)، أو بعد الانتفاضة الأولى، وعقد اتفاق أوسلو (1993)، أو مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000). إذ تم تضييع عقود على أوهام السلطة، وأوهام الكفاح المسلح، مع فصائل متكلسة، بدل التوجه لصوغ استراتيجيات جديدة، سياسية وكفاحية.

مع ذلك يبقى إن الأنسب، أو الحل الآن يتمثل في تركيز الجهود نحو تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في أرضهم، فهذا أهم شيء. وتاليًا، الشروع في إعادة بناء البيت الفلسطيني، على أسس جديدة، تقطع مع التجربة الماضية، وتبني على إيجابياتها، وتراعي إمكانيات الشعب، بدون أوهام ومبالغات، مع صوغ رؤية جمعية تتأسس على المطابقة بين الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية، وإدخال مضمون جديد للكفاح يستند على حق الفلسطيني بالحرية والعدالة والمساواة، إذ أن هذا هو الخطاب الذي يفهمه العالم اليوم، والذي يقف مع الفلسطينيين من أجله، وهو المتاح بشكل خاص في ظل المعطيات الدولية والعربية الراهنة.

بعد كل ذلك مازال من المبكر معرفة الشكل الذي ستتموضع به القضية الفلسطينية، والحركة الوطنية الفلسطينية؛ لأن ذلك سيتوقف على كيفية تموضع إسرائيل في المنطقة، داخليًا، وعلى مستوى الإقليم. كما سيتوقف على طريقة مواجهة العالم العربي للتحدي الإسرائيلي، وشكل تعاطي العالم مع إسرائيل، التي باتت مكشوفة ومعزولة ومنبوذة، أكثر من أي فترة مضت، كدولة استعمارية وعنصرية واستيطانية وكدولة إبادة جماعية، مع الأخذ في الاعتبار ضعف الوضع الفلسطيني، أو ضعف أهليته وإمكانياته، لمواجهة التغيرات الهائلة، وتداعيات هذه الحرب الفظيعة، من كل النواحي.