---
title: "معادلة القوى الجديدة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على الدولة الوطنية المشرقية"
slug: "the-new-balance-of-power-in-the-middle-east-and-its-implications-for-the-nation-state-in-the-mashreq"
post_type: "post"
published_at: "2026-01-15T12:03:02+01:00"
modified_at: "2026-03-05T12:34:06+01:00"
author: "Tarek"
url: "https://cihrs.org/the-new-balance-of-power-in-the-middle-east-and-its-implications-for-the-nation-state-in-the-mashreq/"
category:
  - "أوراق المنتدى"
post_tag:
  - "أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان 28"
field:
  - "الدراسات والأبحاث"
---

# معادلة القوى الجديدة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على الدولة الوطنية المشرقية

إذا طُلب إليَّ أن أحدد أبرز الأحداث أو المحطات الكبرى التي شكلت تاريخ المشرق العربي خلال المائة عام المنصرمة، فهي ستكون على الأرجح: أولًا، الحرب العالمية الأولى (1914-1918) التي أنهت عهد الامبراطوريات في النظام الدولي، ونشأ على أثرها الشرق الأوسط الحديث، وقوامه الدولة الوطنية. المحطة الثانية هي حرب 1948، والتي نشأت على إثرها دولة إسرائيل، وتسببت في إطلاق سلسلة انقلابات عسكرية، وثورات اجتماعية عربية تداخل فيها المحلي بنزعات التحرر من التبعية للأجنبي. وكان من تداعياتها أيضًا وأد التجربة الليبرالية العربية الوليدة، والتأسيس لكل حروب العرب مع إسرائيل، وصولًا إلى آخرها وأطولها – حرب غزة (2023-2025). المحطة الثالثة ارتبطت بأحداث عام 1979، ومن أبرزها بطبيعة الحال، نشأة الجمهورية الإسلامية في إيران، التي تبنت نظام ولاية الفقيه، ورفعت شعار تصدير الثورة. محاولات إيران التمدد إقليميًا أُجهضت بفعل الحرب مع العراق (1980-1988)، إلا أن نتائج تلك الحرب مهدت أيضًا لغزو الكويت (1990) وهي المحطة الرابعة المهمة في تاريخ المنطقة، والتي قوضت بدورها كل تصورات الأمن القومي العربي، وفتحت الباب أمام مسارات سلام فاشلة، ومنحت تنظيم القاعدة ذريعة لشن هجماته في سبتمبر 2001، ليأتي الرد الأميركي عليها بغزو أفغانستان والعراق عامي 2001 و2003، وتلك هي المحطة الخامسة الكبرى في تاريخ المنطقة، والتي نشأ على إثرها قوس نفوذ إيراني يمتد من غرب أفغانستان إلى شرق المتوسط، لم يلبث أن انهار بفعل الحروب الإقليمية التي اندلعت بفعل الهجوم الذي أطلقته حماس في أكتوبر 2023 وتلك كانت المحطة السادسة والأخيرة التي شكلت تاريخ المشرق العربي خلال المائة عام المنصرمة، وسمحت بإعادة تعريف أدوار القوى الرئيسية في المنطقة، وهي إيران والسعودية وتركيا وإسرائيل.

## **إيران**

لنحو عقدين تقريبا (2003-2023) كانت إيران إحدى أبرز القوى المؤثرة في المشرق العربي، حتى أنها ورثت الدور العربي في القضية الفلسطينية بفعل تراجع أدوار القوى العربية الرئيسة (العراق، سورية، مصر). استمر ذلك حتى عملية طوفان الأقصى (أكتوبر 2023)، التي أسهمت في خلق الظروف المساعدة لسقوط نظام الأسد في سورية، كنوع من الأضرار الجانبية. يُعد سقوط الأسد، أبرز محطة في تاريخ المشرق العربي منذ الغزو الأميركي للعراق، وهو يؤذن بتحولات كبرى فيها، بما في ذلك إنهاء أطول تحالف ثنائي عرفته منطقة الشرق الأوسط في النصف قرن الأخير (التحالف السوري/الإيراني)، وبسقوطه خسرت إيران أربعة عقود من العمل على مشروعها الذي أرادته مطلًا على المتوسط، وأنفقت عليه في العقد الأخير فقط قرابة 60 مليار دولار. ومع انهيار عقيدة «الدفاع المتقدم» الإيرانية، صارت طهران أمام احتمالين: إما أن تذهب باتجاه الخيار النووي، أو التسليم بخسارتها، وانكفاءها من جديد نحو الداخل. وتعد حرب الـ 12 يوم (13-25 يونيو 2025) من أبرز نتائج سقوط نظام الأسد أيضا، إذ فتح سقوط الأسد الطريق أمام إسرائيل لقصف إيران وإلحاق أضرار بالغة ببرنامجها النووي وبرامجها الصاروخية.

يُرجح أن تؤدي الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة إلى انكفاء النظام على نفسه لمعالجة آثار الضربات التي ألحقت دمارًا كبيرًا بالبنية الدفاعية للبلاد، الأمر الذي يعني أن إيران سوف تنشغل لسنوات عديدة قادمة بإعادة بناء قدراتها العسكرية، خاصةً دفاعاتها الجوية وبرنامجها الصاروخي؛ لأنها إذا لم تفعل فسوف تصبح ساحة مفتوحة أمام إسرائيل، شأنها في ذلك شأن سورية ولبنان والعراق. لكن هذا لن يكون شاغل النظام الوحيد، في الفترة القادمة، فما أن تنحسر التوترات الإقليمية والإحساس بالخطر الذي يدفع الإيرانيين إلى الوقوف خلف نظامهم، حتى يبدأ طرح الأسئلة الصعبة عن أسباب انهيار العقيدة الدفاعية للبلاد مرة واحدة، وعن جدوى سياسات النظام الخارجية والأمنية، التي تقدر كلفتها بنحو 500 مليار دولار ما بين نفقات على البرنامج النووي والصاروخي، ودعم للحلفاء والوكلاء، مضافًا إليها تكاليف العزلة والحصار وعقود من التنمية الضائعة. وفي بلد يمتلك تاريخًا طويلًا من الثورات (مرة كل عقد تقريبا)، يُرجح أن يواجه النظام موجة من الاحتجاجات قد تكون أكثر اتساعًا من أي مرحلة سابقة، يقودها سؤال «ماذا الذي جرى، ولماذا؟». ويُرجح أن يكون هدف إسرائيل من تدمير سلاح الجو الإيراني، الضعيف أصلًا، بما في ذلك المروحيات، وضرب مقرات الحرس الثوري والباسيج، والشرطة والأمن العام؛ هو إضعاف قدرة النظام على مواجهة أي حركات تمرد أو انفصال.

ضعف إيران وانشغالها بنفسها خلال الفترة القادمة ستتجلى آثاره بوضوح في المشهد الداخلي في لبنان والعراق واليمن وفلسطين، وهي مناطق أقامت فيها إيران لنفسها نفوذًا على امتداد العقود الماضية. يرجح هنا أن ينتزع حلفاء إيران، خاصة في العراق ولبنان، هامش استقلال أكبر عن طهران، إذ سيحاول بعضهم التأقلم مع الواقع الجديد، والانخراط بشكل أكبر في البنى الداخلية لدولهم. لقد أتاح إضعاف حزب الله، وانتهاء دوره الإقليمي بعدما فقد الحزب طريق إمداده الرئيسي عبر سورية، بانتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، وهما شخصيتان كان حزب الله يتحفظ عليهما دومًا. في فلسطين قد يصبح الوضع أكثر صعوبة مما هو عليه الآن إذا ذهبت إسرائيل نحو تبني سياسات قصوى في التعامل مع القضية الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة الغربية. أما في اليمن فقد تذهب الأمور بأحد اتجاهين أما إعادة إطلاق العملية السياسية في حال أبدى الحوثي مرونة أكبر لإيجاد حل سياسي للصراع المستمر منذ سقوط صنعاء عام 2014، أو نحو التصعيد من خلال توفير دعم خارجي أكبر للقوى المعارضة للحوثي في محاولة لهزيمته وإسقاطه، خاصة في ضوء التركيز الإسرائيلي الأخير على اليمن.

## **السعودية**

في مقابل تراجع إيران، صعدت أدوار دول الخليج العربية، وخصوصًا السعودية، إضافة إلى تركيا. نظريًا، لم تعد السعودية، مع تراجع المشروع الإيراني، بحاجة ماسة لضمانات أمنية أميركية، كما كان عليه الحال خلال العقدين الماضيين. كما لم تعد متعجلة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل كطريق للحصول عليها. فاليوم، وبعد إضعاف المحور الإيراني، تبدو السعودية في وضعية جيوسياسية مريحة، خاصة إذا تحول النظام الجديد في دمشق إلى حليف. ورغم مشاعر الشك والتردد التي طبعت المواقف السعودية المبكرة من التغيير الذي شهدته دمشق في ديسمبر 2024؛ إلا أن الأمر لم يستغرق، بعد ذلك، وقتًا طويلًا حتى استوعبت السياسات السعودية عمق التحول الذي أحدثه سقوط الأسد في المنطقة. ومن الواضح أن التوجهات الأيديولوجية للحكم السوري الجديد، الذي تنحدر أغلب فصائله، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، من خلفيات إسلامية، وسلفية تحديدًا؛ كانت العامل الرئيس وراء التوجس السعودي الأولي من التغيير السياسي السوري. ومن الواضح أيضًا أن دول الخليج العربية، التي أخذ يتراجع دورها في الصراع السوري منذ عام 2018، وقطع بعضها صلاته بجماعات المعارضة التي كانت تدعمها سابقًا، تزامنًا مع بدء انفتاحها على نظام الأسد، لم تكن على دراية بعمق التحولات التي طرأت على هيئة تحرير الشام، والجماعات المرتبطة بها، ليس بسبب مراجعات فكرية، مثلما حدث مع جماعات إسلامية أخرى؛ بل بسبب اضطرارها للتعامل مع الواقع المعاش، بعد أن صارت سلطة حكم في إدلب، مسئولة عن تدبير حياة أكثر من 4 مليون نسمة. ويبدو أن دول الخليج لم تكن على اطلاع أيضًا بشأن الاتصالات والمناقشات التي كانت تجري بين قيادات في الهيئة وبعض الحكومات الغربية في إطار ما يُسمى بالمسار الثاني، إذ مارست مراكز أبحاث وشخصيات أكاديمية غربية بارزة دورًا في نقل الرسائل بين الطرفين. وقد ازداد الحماس السعودي للنظام الجديد في دمشق بفعل الانفتاح الغربي عليه، والذي برز جليًا في الأيام الأولى لسقوط الأسد في زيارات وفود دبلوماسية رفيعة من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى دمشق، وكذلك بعد سلسلة الرسائل والتطمينات التي مررها النظام الجديد بأن توجهاته الأيديولوجية لن تتجاوز سياساته الداخلية إلى علاقاته الدولية. كل هذا شجع على بلورة توجه قوي لدى السعودية، ودول الخليج عمومًا، بوجود فرصة مهمة سنحت نتيجة التغيير في دمشق، وأنه يمكن الاستفادة منها لإعادة تشكيل المنطقة، بما يخدم مصالحها وتوجهاتها السياسية.

ومن خلال دعم نظام الشرع حاليًا في سورية تحاول السعودية تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: أولًا، إبقاء إيران خارج منطقة المشرق العربي، بلاد الشام على وجه الخصوص، واحتواء حلفاءها فيها، خصوصا في لبنان. وثانيًا، احتواء جماعات الإسلام السياسي، ومنع انتقال عدوى صعودهم في سورية إلى أرجاء المنطقة، وهو ما يحاول الشرع تطمين السعودية بشأنه من خلال التأكيد بأن ليس لديه نوايا «لتصدير الثورة» أو دعم جماعات الإسلام السياسي خارج سورية، فضلًا عن إبداء استعداده لمحاربة التنظيمات المتطرفة، مثل داعش. وأخيرًا، منع تأسيس نظام ديمقراطي في سورية ما قد يلهم بدوره القوى الأخرى في المنطقة. وتبدي السعودية من هذا الباب ارتياحها إلى ضعف مؤهلات النظام الجديد في سورية في هذا المجال، وتوجسه هو نفسه من أية ميول ديمقراطية.

من منظور دول الخليج، لا تعد سورية تفصيلًا أو هامشًا إقليميًا؛ بل تحتل، منذ استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، مكان القلب في حساباتها الاستراتيجية (نتحدث هنا خصوصًا عن السعودية) وعلاقات القوة والتنافس مع قوى المنطقة الرئيسة. أثناء عهد الملكين سعود وفيصل والرئيس جمال عبد الناصر، كانت سورية مركز الصراع السعودي–المصري، كما كانت مركز الصراع السعودي–الهاشمي بجناحيه العراقي والأردني. ولهذا السبب لم تكن السعودية بعيدة عن أكثر الانقلابات العسكرية التي شهدتها سورية بين 1949-1963، وكذلك الهاشميون والمصريون. وبعد قطيعة خلال عهد اليساري الشعبوي صلاح جديد (1966-1970) عادت سورية جزءً مهمًا من توازنات القوى التي دعمتها السعودية لمواجهة البعث العراقي الذي اتخذ موقفًا متشددًا من دول الخليج العربية، وسعى إلى إسقاط حكوماتها، ومثَّل انفتاح حافظ الأسد على السعودية في عهد فيصل وعلى إيران في عهد الشاه دليلا على ذلك. لكن الوضع تغير بعد ثورة الخميني، إذ صارت إيران هي مصدر الخطر على دول الخليج بدلًا من البعث العراقي. ورغم أن حافظ الأسد ساند إيران التي كان هدفها المعلن تصدير الثورة وإسقاط نظم الخليج المحافظة، إلا أن الملك فهد استمر، حتى عام 1984، في إرسال حصة سورية من المساعدات العربية (750 مليون دولار سنويًا) التي أقرتها قمة بغداد (1978) لدول الطوق بعد خروج مصر من الصف العربي، بفعل اتفاقية كامب ديفيد، خشية أن يدفعها قطعها كليًا إلى الحضن الإيراني.

بسقوط نظام الأسد، برزت أمام السعودية فرصة جديدة لإعادة التوازن الإقليمي الذي انهار بفعل الغزو الأميركي للعراق، ثم ثورات الربيع العربي التي استغلتها إيران لبسط نفوذها على امتداد المشرق العربي. تركن السعودية حاليًا إلى أن سورية الجديدة ستأخذ دور العراق التقليدي في صد النفوذ الإيراني، وفي موازنة العراق أيضًا، كما درجت على ذلك تاريخيًا. هنا يبدو أن الأمل في انتزاع العراق من النفوذ الإيران بات ضعيفًا (بدليل مستوى التمثيل الخليجي في قمة بغداد العربية الأخيرة (مايو 2025)، وفي حين يقلل تحول سورية إلى دولة حليفة من تكلفة الاعتماد على مصر، فإنه يمنع أيضًا سيطرة تركية كاملة في دمشق.

## **تركيا**

تعد تركيا، إلى جانب السعودية، وبقية دول الخليج، أكبر الرابحين من التغيير الذي طال منطقة الشرق الأوسط خلال العامين المنصرمين. عندما أطلقت حركة حماس عملية «طوفان الأقصى» ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أدركت تركيا سريعًا، كما غيرها، أن الشرق الأوسط على وشك التغيير. إلا أن عمق هذا التغيير، وماهيته، لم تكن قد اتضحت بعد؛ إذ لم تُفصح إسرائيل، رغم تهديدات نتنياهو ومساعديه، عن كامل خططها بهذا الشأن. وعليه، ظل التركيز منصبًا، خلال الشهور الستة الأولى من الحرب، على غزة، وعلى قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها المعلنة فيها (القضاء على قدرات حماس العسكرية، وحكمها، واستعادة الأسرى). لكن، ابتداءً من أبريل 2024، ظهرت مؤشرات على أن إسرائيل تسعى وراء أهداف أكبر بكثير، عندما قصفت القنصلية الإيرانية في دمشق وقضت على قيادة الحرس الثوري في سورية ولبنان.

خلال الشهور الستة التالية، راقبت تركيا باهتمام كبير احتدام الصراع الإسرائيلي–الإيراني على امتداد ساحة المشرق العربي، وحاولت الاستفادة منه. لكن أنقرة لزمت الحذر، وظلت تأمل أن يؤدي إضعاف الأسد وحلفائه إلى دفعه، في نهاية المطاف، للقبول بعرض المفاوضات التركي. الرهان التركي على تغيير حسابات الأسد استمر حتى بعد سقوط حلب بيد فصائل غرفة «عمليات ردع العدوان»، يوم 30 نوفمبر 2024. فقط مع سقوط حماة يوم 5 ديسمبر أدركت تركيا أن الأسد قد سقط، وأن الصراع الإيراني–الإسرائيلي قد حُسم، فسارعت لركوب «تسونامي» التغيير السوري. وكما يحدث أحيانًا، فإن النتائج غير المقصودة للفعل البشري تكون أكثر أهمية من النتائج المخطط لها، وكما أن واشنطن لم تفكر عندما أسقطت نظام الرئيس صدام حسين أنها إنما ترمي العراق في حضن إيران، لم تفكر إسرائيل، حينما قررت كسر حلقة النار الإيرانية حولها (Ring of Fire) وإعادة سلطة خامنئي إلى ما وراء زاغروس أن الثمرة ستسقط، كما تراءى لترامب، في سلة أردوغان.

مع سقوط نظام الأسد، وانحسار النفوذ الإيراني، تحولت تركيا إلى إحدى أبرز القوى الإقليمية، ما عزز مواقعها التفاوضية في العلاقة مع روسيا والغرب، وإسرائيل، والعرب، وإذا تمكنت من ترسيم حدودها البحرية مع سورية، فسوف تعيد تشكيل كل تحالفات المنطقة وموازين القوى فيها. حينها، سوف يتأثر التحالف القبرصي المصري اليوناني بالتأكيد، ويصبح مستقبل «منتدى غاز شرق المتوسط» محل تساؤل.

## **إسرائيل**

على مدى العامين الماضيين، برزت إسرائيل باعتبارها القوة الرئيسية في تشكيل مستقبل المنطقة، فاستغلت هجمات السابع من أكتوبر 2023، لتغيير موازين القوى على نحو جذري فيها، وأضعفت قدرات حركة حماس وحزب الله القتالية في غزة ولبنان على نحو كبير، كما أسهمت ضرباتها في سورية في إسقاط نظام الأسد، وفي إغلاق المحور البري الذي أنشأته إيران، بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، نحو حزب الله في لبنان. كما وجهت أخيرًا، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ضربة قاسية لبرنامج إيران النووي وبرنامجها الصاروخي. بكلمة أخرى وجهت إسرائيل ضربة قاصمة لقوس النفوذ الإيراني وهي تحاول حاليًا تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية من خلال فرض شروطها على سورية ولبنان والفلسطينيين وحتى إيران. وفق موازين القوة الحالية، تخلت إسرائيل عن قواعد المفاوضات القديمة القائمة على مبدأ «الأمن/السلام مقابل الأرض»، الذي انعقد على أساسه مؤتمر مدريد (1991)، أو مبدأ «التطبيع مقابل الأرض» الذي أقرته مبادرة السلام العربية (2002). إذ تشعر إسرائيل اليوم بفائض قوة غير مسبوق في تاريخ صراعها مع العرب، وصارت تعتمد شعار إدارة ترامب «السلام من خلال القوة»، وهي نفسها سياسة «السلام عبر الهيمنة» (Pax Americana)، التي تبنتها واشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة، لكنها تجد مقاومة حاليًا من جانب تركيا والدول العربية.

## **التفاعلات الإقليمية والدولية**

إقليميًا، أسفر إضعاف إيران، كما وضحنا، عن تصاعد الأدوار الإقليمية لتركيا (في عموم المشرق العربي، وآسيا الوسطى والقوقاز، والقرن الأفريقي)، وكذلك السعودية، وبدأت المنطقة تشعر بوطأة تنامي النفوذ الإسرائيلي. وبدأنا نشهد بداية تنافس قوي بين هذه الأقطاب الإقليمية الثلاثة، ولكن ضمن المظلة الأميركية، مع تراجع أكبر لدور مصر، التي بدت وكأنها تخسر من إضعاف إيران بسبب تلاشي حاجة الخليج إليها في موازنة الدور الإيراني. مع ضعف إيران، بدأت تسقط سردية «البعبع» الإيراني التي طالما غذت سباق التسلح في الخليج، ووظفتها الولايات المتحدة لدفع دوله للتطبيع مع إسرائيل، وإنشاء تحالف إقليمي في مواجهة إيران. كذلك بدأت تنتفي (نظريًا على الأقل) الحاجة إلى تخصيص موازنات هائلة للتسلح، كما تتناقص حاجة دول الخليج إلى قواعد عسكرية غربية، وضمانات أمنية، أميركية خصوصًا، تكلف مليارات الدولارات سنويًا، وتسخيرها بدلًا من ذلك في عملية التنمية والبناء.

دوليًا، كان لسقوط النظام السوري تداعيات كبرى على الموقف الروسي في شرق المتوسط سواء في مواجهة تركيا أو الناتو أو وضعها كقوى مؤثرة في النظام الدولي، بما في ذلك في إفريقيا. من جهتها كانت الصين تراقب عن كثب تداعيات المواجهة الإيرانية الإسرائيلية على الداخل الإيراني، ووضع إيران الإقليمي، ومع أن البلدين (روسيا والصين) فشلا في تقديم أي دعم لإيران، خلاف البيانات الكلامية، إلا أنهما قد يمارسان أدوارًا أكبر في حال تعرض النظام نفسه لخطر السقوط. إن احتمال تغيير النظام الإيراني، واستبداله بنظام أقرب إلى الولايات المتحدة، مثلما حدث في سورية، سيشكل أكبر ضربة تتعرض لها المصالح الصينية والروسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط منذ انتهاء الحرب الباردة، بحيث يبدو أمامها سقوط نظام الأسد مجرد تفصيل.

أخيرًا، تؤذن التحولات الأخيرة في المشرق العربي بإعادة رسم خارطة نقل الطاقة، والمعابر الاقتصادية في المنطقة بعد إغلاق الطريق أمام مشروع «خط الصداقة» لنقل الغاز الإيراني عبر العراق إلى سورية، وفتح الطريق بين تركيا والخليج. كذلك، قد تجري إعادة النظر في مشروع «طريق التنمية» بين الخليج وتركيا عبر العراق، والذي يواجه بالفعل تعقيدات بسبب عدم حماسة إيران وحلفاءها العراقيين له. كذا قد يتعرض المعبر الهندي الشرق أوسطي الأوربي لإعادة تقييم.

## **التداعيات على الدولة الوطنية المشرقية**

في ظل التغييرات التي شهدتها المنطقة، بدأ الحديث يتزايد عن تبني إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، توجهًا جديدًا في المنطقة العربية هدفه إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، عبر تفكيك التنظيمات والجماعات والميليشيات، التي أخذت تحل محلها في المشرق العربي، منذ مطلع الألفية تقريبا، وراحت تنازعها العديد من وظائفها، بدءً بحمل السلاح، بداعي الدفاع عن الدولة أو الطائفة أو القبيلة، في مواجهة تهديدات داخلية وخارجية تتربص بها، مرورًا بتوفير فرص العمل (في اطار زبائني أو محاصصة طائفية)، وصولًا إلى إنشاء شبكات دعم اجتماعي، وتقديم خدمات لجمهورها، في مجالات الصحة والتعليم، وحتى التسهيلات المصرفية والمالية، فضلًا عن تأسيس وسائل إعلام خاصة بها، وخلافه.

يلقى هذا التوجه (توجه إعادة بناء الدولة) ترحيبًا بين دعاة الدولة الوطنية القوية، ومؤيديها، في المشرق العربي، بعد عقدين من الفوضى التي خلفتها الميليشيات والتنظيمات والجماعات المسلحة، التي ازدهرت في ظل غياب سلطتها، خاصة وأن الحديث عن ذلك يأتي من جانب الولايات المتحدة، التي كانت المتسبب الرئيسي في انهيار الدولة الوطنية المشرقية، عندما غزت العراق عام 2003، وحلت جيشه، وجاءت إلى الحكم بجماعات تتملكها نوازع انتقامية وأحقاد طائفية وتفتقر إلى الحد الأدنى من الثقافة والوعي بأهمية الدولة الوطنية، فضلًا عن مسألة القدرة على إعادة بناءها وإدارتها، واستكملت تفكيك بقية مؤسسات الدولة العراقية، وأعادت تشكيلها على أسس غير وطنية، مستبعدةً فئات اجتماعية كاملة، بموجبات طائفية بحتة، بداعي تأييدها للنظام السابق، أو تشكل قاعدة حكمه. لكن إذا تعمقنا قليلًا في قراءة السياسات الأميركية في المنطقة بخصوص إعادة الاعتبار للدولة الوطنية المشرقية، لا بد أن نجد فرقًا كبيرًا بين ما تريده واشنطن من عودة الدولة وما تريده شعوب المنطقة. واشنطن تريد دولة مركزية قوية، طابعها أمني–عسكري، (بوليسي)، غير ديمقراطية حتمًا، مهمتها الرئيسية ضبط مجتمعاتها، حراسة حدود إسرائيل، والعمل وكيلًا محليًا (شرطيًا) نيابة عن أجهزة مكافحة الإرهاب الأميركية المختلفة. بكلمة أخرى، تريد واشنطن دولة تؤدي كل المهام التي لا تستطيع تأديتها بنفسها، أو لا ترغب، في تأديتها لأسباب قانونية، مثل أعمال القتل خارج إطار القانون، والاعتقال، والتعذيب...الخ، أو بالنسبة لترامب لأسباب اقتصادية، خاصة، وأن أغلب الجماعات المسلحة والمليشيات المنتشرة في طول المنطقة وعرضها هي إما معادية للمصالح الأميركية، وتحتاج من «يضبطها»، أو أن الغرض من إنشائها انتفى بالأساس (قسد مثلًا).

أما الدولة التي تنشدها شعوب المنطقة فهي على خلاف ما تقصده واشنطن تمامًا، وهي الدولة نفسها التي بسببها سقطت المنطقة ضحية الغزو والتدخلات الخارجية إضافة إلى الحروب الأهلية والطائفية، ونتيجة فقدان الثقة بها انهارت هويات المنطقة الوطنية، انقسمت مجتمعاتها، استعان بعضها بالأجنبي ضد بعضها الآخر، فيما نشد آخرون الحماية لدى جماعاتهم الأولية (طوائف، قبائل..). الدولة التي تريدها شعوب المنطقة، هي الدولة القوية المستقلة صاحبة السيادة، الممثلة لكل أبناءها، والقادرة على الدفاع عن مصالحهم، وتحقيق العدل والحرية والكرامة لهم، وهي مهمة تبدو في الظروف الراهنة عسيرة لكن تنفيذها حتمي لازدهار المنطقة.