---
title: "من يقرر أسس سورية الجديدة؟ من هو السيد؟"
slug: "who-decides-the-foundations-of-the-new-syria-who-is-sovereign"
post_type: "post"
published_at: "2026-01-29T13:59:38+01:00"
modified_at: "2026-03-05T12:33:30+01:00"
author: "Tarek"
url: "https://cihrs.org/who-decides-the-foundations-of-the-new-syria-who-is-sovereign/"
category:
  - "أوراق المنتدى"
post_tag:
  - "أوراق المنتدى الإقليمي لحركة حقوق الإنسان 28"
field:
  - "الدراسات والأبحاث"
---

# من يقرر أسس سورية الجديدة؟ من هو السيد؟

من يقرر ما هي الأسس الأصلح لقيام هيكل سياسي سوري جديد، ونحن على أعتاب عام من سقوط الأبد الأسدي؟ هل «من يحرر يقرر»، مثلما يقول شعار رفعه الموالون للحكم الجديد في سورية عقب سقوط النظام؟ أم أن من يقرر تلك الأسس لا يمكن أن يكون قوة بعينها، ويتحدد الأمر بالعملية التغييرية الطويلة والمعقدة والباهظة الكلفة التي أدت إلى التغير السياسي في سورية؟ أو أن القرار الصحيح هو تقسيم سورية، بالنظر إلى حدوث موجتين من المجازر خلال أشهر من سقوط النظام، وبالتالي استمرار الحرب الأهلية وليس انتهاءها؟ يؤول التساؤل إلى تحديد من هو السيد، هذا إن عرفنا السيادة بتقرير البدء الجديد أو النظام الجديد (وليس بتعليق القانون وتقرير حالة الاستثناء، مثلما رأى كارل شميت)؟

في التداول السوري إجابتين أو ثلاثة على هذا السؤال الضمني. الأولى تفيد كما ذكرنا للتو أن من يحرر يقرر، أي أن أحمد الشرع ومجموعة ضيقة حوله، أو هيئة تحرير الشام التي كان يقودها، أو القوى السنية المسلحة التي أسقطت الحكم الأسدي، هي التي تقرر أسس سورية الجديدة، وهي صاحبة السيادة والكلمة العليا في هذا الشأن. والقوم ماضون بالفعل في عملية تركيز السلطة الفعلية في أيديهم، وإن أظهروا قدرًا من الاعتدال الخطابي. الهيكل السياسي الذي يعملون على إقامته متطرف، وحال البنية التي يجري إرساؤها يُكذب اعتدال المقال المعلن. ولم تجر خلال نحو عام عمليات عامة تشير إلى جهد لبناء هياكل سياسية غير فئوية، من مؤتمر النصر إلى الحوار الوطني إلى الإعلان الدستوري إلى الحكومة. الكل يشير إلى حكم تسلطي مشخصن، يولي أمنه أولوية عليا، ويبرز فيه دور أحمد الشرع كزعيم بلا منافسين ولا أنداد.

وتدعو إجابة ثانية إلى إسقاط الحكم الحالي، وتعول على قوى أهلية مسلحة غير سنية وعلى دعم خارجي ممكن. وربما يُدعى هنا إلى تقسيم البلد أو إلى الفرار منه في كل اتجاه، ولسان الحال يقول: اهربوا، أنقذوا أنفسكم، فقد وقعت سورية في قبصة الفاشيين والإرهابيين الذين لن يكتفوا بقتل العلويين والدورز! وكل عون ضد هؤلاء طيب، بما في ذلك من إسرائيل. بعض أصحاب هذه الإجابة كانوا معارضين للنظام، دفعتهم مجازر العلويين والدروز إلى معاداة الحكم الحالي والدعوة إلى إسقاطه، مثلما كانت مجازر الحكم الأسدي قد أدت إلى ظاهرة الانشقاقات الواسعة عنها في العامين الأوليْن للصراع السوري، لكن بعض آخر منهم كانوا فاترين في معارضة النظام أو حتى موالين له.

وتقول إجابة ثالثة إن أسس سورية الجديدة تتحدد موضوعيًا بالخصم الذي قامت الثورة السورية ضده، كما بالطيف الثوري الواسع في بواكير الثورة السورية قبل إطلاق الحكم الأسدي عمليات عنف إبادية واستدعاء حماة أجانب لدعمه، وما دفع إليه ذلك من مسارات معقدة وعدمية، ومن نزع الصفة الوطنية للصراع. فإذا كانت الثورة قد اندلعت ضد نظام طغيان يجرد المحكومين من حقوقهم السياسية وينزع مواطنيتهم ويطيف الدولة فينزع وطنيتها؛ فإن أسس سورية الجديدة ينبغي أن تكون نقيض ذلك: التوجه إلى حل أزمة المواطنة والوطنية التي تعاني منها سورية طوال عقود، وبالتالي إنشاء هياكل حكم استيعابية، يشترك فيها السوريون المختلفون كمواطنين متساويين في دولة قانون، تستند إلى التعدد السياسي والانتخابات الدورية الحرة ومتعددة المرشحين. من يميلون إلى هذه الإجابة كانوا في أغلبهم معارضين للحكم الأسدي، ومبتهجين بسقوطه أشد الابتهاج. لكن يمكن كذلك أن يشارك في هذه الوجهة طيف متنوع من وطنيين سوريين، لا يتحمسون لصعود الروابط الطائفية والإثنية على حساب الوطنية السورية، وربما كان بعضهم «رماديون» في سنوات الصراع السوري الطويلة.

إيجابية هذا الطيف المتنوع للتغيير الذي حدث قبل نحو عام من اليوم لا تعني دعم قرارات المسيطرين الجدد وأساليبهم في الحكم، وقد ظهرت متخبطة، تنزع إلى تركيز السلطة فئويًا، وتسببت سلفًا بكارثتين وطنيتين في الساحل والسويداء، وضعتا الحكم الحالي في امتداد للحقبة الأسدية وليس في قطيعة جذرية معه. كما أضعفتا روح الوطنية السورية لمصلحة نزعات التقسيم الطائفية والإثنية. التصور الديمقراطي الاستيعابي لسورية الجديدة هنا هو استمرار للنضال ضد الحكم الأسدي، يستفيد من التنشيط السياسي الواسع الذي حدث بسقوط النظام، ومن مساحات معقولة اليوم للتعبير والاجتماع في البلد.

وكما هو ظاهر فإن الكاتب أقرب إلى الإجابة الثالثة التي تنطلق من وجود أسس موضوعية لتصور سورية الجديدة، ولا تقر بقطيعة مطلقة بين 8 ديسمبر وما قبله؛ سواء للقول إننا حيال ملحمة تحرر فريدة، أو للقول أن سورية قد وقعت في قبضة الفاشية والإرهاب. ثم أن هذا الانحياز على صلة بتصور الحقل السياسي والدولة ذاتها باعتبارها مساحة تجاذب فاعلين وأفكار وقوى اجتماعية متنوعة، من داخلها ومن خارجها، ومن داخل البلد وخارجه أيضًا، ليست اليوم مغلقة دون مبادرات وأفعال سوريين متنوعين. وهذا محقق في سورية اليوم، وإن تلقى لطمتين قويتين في آذار ثم في تموز.

وتتشاطر الإجابتان الأولى والثانية نزعة استقطابية حادة، يغلب عليها العدوانية والاتهامية حيال الغير، ما يجعل النقاش مستحيلًا بكل معنى الكلمة، ليس بين أصحاب هاتين الإجابتين فحسب، وإنما أيضًا مع أولئك الأقرب إلى الإجابة الثالثة، النافرة من الاستقطاب. وقد يمكن تلخيص الفرق بين الإجابتين الأوليين في سؤال ضمني، قاس وساخر: ما هي مجزرتك المفضلة؟ الموالون للحكم الحالي ينكرون مجازره بحق العلويين والدروز أو يقللون من شأنها أو يبررونها بمجازر سابقة؛ فيما يركز المعادون له بصرهم على المجازر الراهنة كأنها بلا تاريخ. يُفترض أن تكون الإجابة الصحيحة هي أنه ليس هناك مجازر مفضلة، وأن المجازر كلها جرائم مدانة، ما يوجب مطالبة السلطة الراهنة بالاعتذار عنها والعمل على جبر الأضرار، فيما تتابع، في الوقت نفسه، بقدر أكبر من الجدية مسار العدالة الانتقالية الفاتر اليوم؛ لإنصاف ضحايا المجازر والتوحش الأقدم.

مسألة توزع المواقف هي في جانب منها مسألة منظور، منظور زماني ومنظور مكاني. تغير الزمن السوري تغيرًا عظيمًا، قد يمثل الحدث الأعظم في حياة غالبية السوريين الأحياء. وتغير المكان السوري تغيرًا عظيمًا، إذ أُتيح لما يتجاوز 30% من السوريين خيار العودة إلى البلد بعدما لم يكن متاحًا. المنظور الزماني يتصل بالنظر إلى اللحظة السورية الراهنة في اتصال مع ما سبقها من الحقبة الأسدية، ومجمل تاريخ سورية. جماعة السلطة الذين يعتبرون حكمها بدءً مطلقًا ينبذون ما قبله هم مخطئون بقدر خطأ من ينبذون هذا البدء ذاته ولا يجدون فيه أي منطق.

فيما يتصل المنظور المكاني بالموازنة بين المعاينة عن كثب وبين الحفاظ على مسافة مناسبة للرؤية والنقد. يدعو هذا إلى العيش في البلد، أو إلى الزيارة ومحاولة المعرفة على أقل تقدير. من شأن ذلك أن يعطي أولًا حسًا بالتفاصيل التي لا تحصى التي تشكل نسيج حياة الناس بمن فيهم الفاعلين السياسية. ومن جهة ثانية وعبر ذلك نزع الصفة الدرامية عما يجري، سواء بالنظر إليه كملحمة تحرر وخلاص أو باعتباره سوء وشر متجانسين. يبدو هذا مطلبًا معرفيًا بديهيًا، لكن كثيرين يتجاوزونه اختياريًا، هم أكثر الدراميين، من دعاة اهربوا وانقذوا أنفسكم وهاجروا وما إلى ذلك.

إلا أن البعض يتجاوزونه اضطراريًا؛ إذ لا يُنتظر ممن كانوا من ضحايا المجازر والإذلال أن يكونوا على مسافة نقدية. المجزرة تلغي المسافة، وحين تفقد أهلًا وأحبابًا، فإن لك كل الحق في العمل ضد من تسببوا بذلك. هذا مطلب أخلاقي بديهي، لا يجب أن يتجاوزه أحد. الأمر نفسه سبق وأن غذى الانفعالات الداعية لإسقاط الحكم الأسدي.

وبالعودة إلى ما سبق ذكره بأن السؤال المطروح يحيل ضمنًا إلى السيادة؛ فإن الإجابة الأولى تقول إن السيد هو الشرع، بدلالة الكلمة على شخص أحمد الشرع، وعلى تنويعة من حكم سني، تقوم الشريعة فيه بدور المصدر الأساسي للتشريع مثلما نص الإعلان الدستوري. لا يعني هذا حكمًا إسلاميًا بالضرورة، بل على الأرجح حكم تسلطي سني، يتسبب في مشكلات أقليات ويعجز عن معالجتها. فيما ترفض الإجابة الثانية سيادة سورية لمصلحة سيادات جديدة، طوائفية وإثنية، وهي في الواقع إجابة حرب أهلية، ليس ضمن الجغرافيا السورية الموروثة، بل كذلك ضمن السوريات الجزئية المقترحة المختلطة سكانيًا بقدر كبير. يجب القول فقط أن بنية الحكم الحالي هي بنية حرب أهلية بدورها، لا يُستبعد انفجارها بعد حين قد يطول أو يقصر.

فيما تحيل الإجابة الثالثة إلى الديموس السوري، الشعب كمرجع وإلى حكم دستوري منتخب. وهذه هي الرؤية الأنسب لمعالجة مشكلات الأقليات والأكثريات معًا، لكنها تستوجب جهودًا كبيرة لتطوير نموذج حكم تمثيلي، وتوزيع السلطة جهويًا في البلد. التفكير السياسي السوري يميل إلى تقوية المركز أو الأطراف، أي إلى مركزية مفرطة أو لامركزية مفرطة. سورية بحاجة إلى تقوية المركز والأطراف معًا من أجل الحفاظ على وحدتها وضمان إدارة أكثر حرية وعقلانية لمختلف مناطقها.