إسرائيل تصدر قانون يشرعن ضم الضفة الغربية ويهدد وجود دولة فلسطينية

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسان, دول عربية by CIHRS

إسرائيل تصدر قانون يشرعن ضم الضفة الغربية ويهدد وجود دولة فلسطينية

بيان صحفي

palestine_flag_un

يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن بالغ إدانته للتحرك الإسرائيلي الأخير- والمتمثل في إقرار البرلمان لقانون مشروع التسوية، والذي يرسخ الآلة الاستيطانية الزاحفة. لقد حذر مركز القاهرة  وغيره من المنظمات المحلية والدولية مرارًا، من مساعي السياسات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية على أرض الواقع، وبدخول هذا القانون الجديد حيز التنفيذ تتخذ هذه السياسات بعدًا قانونيًا  بموجب قانون رسمي .

قانونمشروع التسوية” الجديد، الذي أقره البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) في 6 فبراير/ شباط 2017، يمّكن وزير الداخلية الإسرائيلي من امتلاك أراضي تقع داخل حدود الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال؛ بما يمثل تقنينًا رسميًا للاستعمار في النظام القانوني الداخلي الإسرائيلي .فالقانون الجديد لا يشكل فقط تحديًا علنيًا للإجماع الدولي الذي عبر عنه قرار مجلس الأمن رقم 2234 الصادر في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016، والذي أكد على غرار  القرارات السابقة،[1] على عدم شرعية الاستيطان، بل يشكل أيضا خرقًا إسرائيليًا صريحًا للمبادئ الأساسية التي تحظر الاستعمار بموجب القانون الدولي؛ بما في ذلك الحظر المطلق لضم الأراضي عنوة، والحظر المطلق لانتهاك حق الشعوب في تقرير مصيرها.

يأتي هذا في الوقت الذي تعتبر فيه ردود أفعال المجتمع الدولي بشكل عام، والجهات الإقليمية العربية الفاعلة على وجه الخصوص ضعيفة على نحو مثير للقلق، إزاء ما يعتبره الفلسطينيون “خطط استعمارية تؤدي إلى وأد أخير لحل الدولتين، والاستعاضة عنه بتعزيز  قيام دولة واحدة بنظامين منفصلين”.

ففي حين يستمر صمت مجلس الأمن عن إهانة إسرائيل لقراراته بما فيها القرار الأخير الصادر قبل أقل من شهرين، يعرب الأمين العام للأمم المتحدة على استحياء عن “أسفه” بشأن تمرير هذا القانون، بينما اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية- باعتبارها الوسيط الرسمي لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين- بتسجيل ملاحظة بأن القانون الجديد ” لا يخدم عملية السلام.”

وعلى النحو نفسه لم يختلف موقف باقي الدول الأعضاء في اللجنة الرباعية لعملية السلام، إذ لم يكن للاتحاد الأوروبي وروسيا، موقفًا أكثر حزمًا في الدفاع عن عملية السلام. فقد اعتبرت وزارة الخارجية الروسية أن قرار إسرائيل مثير للقلق للغاية.” بينما لا يزال من المنتظر أن يعقد الاتحاد الأوروبي المنتدى رفيع المستوى لبحث تطوير الشراكة الإسرائيلية، بنهاية الشهر الجاري.  أما جامعة الدول العربية فقد اكتفت بالتحذير من هذه الخطوة، داعية المجتمع الدولي لاتخاذ موقف ضد “سرقة الأراضي الفلسطينية.”

وفي ظل تخاذل الجهات الفاعلة عن اتخاذ أي إجراء ملموس للرد على هذا التصعيد الحاد، فإنه يتحتم على المجموعة العربية فورًا تقديم مشروع قرار تحت البند السابع في مجلس الأمن للرد على الخطر المحدق الذي يشكله هذا التشريع الإسرائيلي على ممتلكات الفلسطينيين وسبل معيشتهم في الضفة الغربية المحتلة.

لقد عكفت إسرائيل على بناء المستوطنات منذ السنوات الأولى للاحتلال العسكري الإسرائيلي في يونيو\حزيران 1967، واليوم يعيش أكثر من نصف مليون يهودي إسرائيلي على أرض ليس لإسرائيل أي سيادة عليها، رغم أن القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية الموقعة مع الفلسطينيين تلزم إسرائيل بالانسحاب الفوري من تلك الأراضي، وعلى نحو مغاير، وبدلاً من الامتثال لالتزاماتها القانونية، وظفت إسرائيل على مدى 50 عام تفاسير قانونية ملتوية لتفرض سيطرتها على الأرض وتضمن الاستحواذ عليها كجزء من أراضيها.  إذ تم التخطيط لتلك المستوطنات ببنية تحتية شاملة، بما في ذلك الطرق، المنشآت المائية، والمشاريع الاقتصادية، مما يجعل الاحتلال تجارة مربحة.

ينتهك الاستيطان الحقوق الأساسية لنحو 3 مليون فلسطيني، حيث تُهدم البيوت في المناطق المزمع قيام  مستوطنات عليها وتٌهجر مجموعات سكنية بأكملها، فضلًا عما تقيمه الإدارة العسكرية الإسرائيلية من نقاط للتفتيش وحواجز الطرق لعزل المجتمعات الفلسطينية عن مناطق بناء المستوطنات ناهيك عن استخدامالعنف غير المتكافئ في قمع المظاهرات الفلسطينية ضد الاستيطان الزاحف، الأمر الذي يسفر عن مقتل مئات المدنيين خارج نطاق  القانون كل عام.

لقد  تجرأ البرلمان الإسرائيلي الحالي ذو الأغلبية اليمينية، على ما لم تجرؤ عليه أياً من الحكومات الإسرائيلية السابقة،  مشرعًا لنزع ملكية أراضي هي حاليًا بحوزة التجمعات السكنية الفلسطينية. فبعد أن كانت تعديات المستوطنين على الأراضي المستخدمة من قبل الفلسطينيين والاستقرار عشوائيا عليها- البؤر الاستيطانية- تمثل تجاوزات غير قانونية بحسب القانون المحلي الإسرائيلي الذي يعتبر هذه الأراضي ملكية خاصة، منحها القانون الجديد تسوية قانونية “، مشرعًا بذلك للمستوطنين وضع اليد بشكل عشوائي على ممتلكات الفلسطينيين.

بموجب هذا القانون منحت إسرائيل لنفسها  سلطة  إصدار القوانين فيما يخص ملكية الأراضي بالضفة الغربية، مما يعني أنها قد أقدمت على ضمها رسميا. أما عمليًا فيشرعن هذا القانون إمكانية انتزاع ملكية أي أرض فلسطينية في الضفة الغربية؛ ويسقط أي حماية للوجود الفلسطيني في المنطقة.

في 1949 لما قبلت الجمعية العامة للأمم المتحدة عضوية إسرائيل بالأمم المتحدة، أشار قرارها رقم III 273 إلى أن إسرائيل تنتهك قرارات الأمم المتحدة السابقة، وخصوصا القرار رقم 181، الذي يلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المستولى عليها خارج حدود التقسيم، فضلا عن منعها لعودة اللاجئين.  ولم تكتف إسرائيل بتجاهل هذه الالتزامات فحسب، ففي الوقت الذي تفرض فيه سيطرتها على الأرض المحتلة  تستمر  في التوسع على الممتلكات المتبقية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، بحجج مثل تنظيم أملاك الغائبين وأراضي الدولة، مستمرة في تهجير وهدم ومصادرة ممتلكات الفلسطينيين الموجودين  تحت ولايتها القضائية .إذ  يواجه الفلسطينيون على جانبي الخط الأخضر أساليب وآليات السلب والتهجير نفسها، الأمر الذي يدفعهم للشك في جدوى التسوية التاريخية التي أقدموا عليها في إعلان المبادئ عام 1993 بقبول حل الدولتين والاعتراف بدولة إسرائيل على 88% من أراضي وطنهم الأصلي.

إن إفلات إسرائيل من العقاب يشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن، ويقوض ثقة الشعب الفلسطيني في قدرة القانون على رفع الظلم عنهم، الأمر الذي يدفعهم لمقاومة الاستعمار بكل الوسائل الممكنة بما فيها استخدام العنف، والذي يبدو أحيانًا الملاذ الوحيد الباقي لحماية وجودهم في وطن تتقلص مساحته يوميًا.  وتخاذل المجتمع الدولي عن اتخاذ الإجراءات المناسبة لوضع حد للتعديات الإسرائيلية لا يؤدي إلى زعزعة مصداقية النظام الدولي فحسب، وإنما يشكك في جدوى وجوده من الأساس، والقائم بحسب المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أساس التزام الدول بـ “اتخاذ التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم، وقمع أعمال العدوان، وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي، واستنادًا إلى احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير الشعوب لمصيرها. “

لذا وبهدف الحفاظ على المبادئ القانونية الدولية الأساسية، يدعو مركز القاهرة المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات فورية وفعالة لوضع حد للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية التوسعية، على رأسها أن تعمل الدول الأعضاء في الجامعة العربية بشكل فعال وملموس لحماية حقوق الشعب الفلسطيني، و وضع حد لسياسة الخطابة، واتخاذ خطوات فعالة لتطبيق القانون. كما يجدر بمجلس الأمن اتخاذ تدابير فورية بتقديم قرار تحت البند السابع، يفرض التزامات على إسرائيل تضمن وقف انتهاكاتها الجسيمة والمنهجية، واحترامها لواجباتها التي اقرها القانون الدولي . كما يدعو مركز القاهرة المنظمات الإقليمية والدول بشكل فردي إلى اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان التزام إسرائيل بالقواعد الدولية، بما في ذلك  قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية إذا لزم الأمر.

فإما أن تنسحب إسرائيل فورًا وبشكل كامل من الأراضي التي احتلتها في 1967، بما يسمح للفلسطينيين بممارسة حقهم في تقرير مصيرهم في دولتهم المستقلة، أو ضمان الحماية والمساواة التامة لجميع المواطنين في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، بما في ذلك تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة لوطنهم فورًا، وما دون هذه  الخطوات التي تحترم الحد الأدنى من متطلبات القانون، لن تتحقق  العدالة أو  السلام.

[1]   راجع على سبيل المثال قرارات مجلس الأمن رقم: 446، 452، 465.

This post is also available in: English