الأقباط والدستور

In مقالات رأيby CIHRS

محمد سيد سعيد

جريدة الأهرام، 12 مارس 2007

ثمة شيء رائع يجري في النقاش الدستوري فيما يتعلق بحقوق المواطنة. فعكس معظم بلاد العالم يتجاوز النقاش بنبل وذكاء الحدود بين الانتماءات الدينية بمعنى أن بعض المفكرين الأقباط يدافعون بقوة عن استمرار نص المادة الثانية، كما اعيدت صياغته عام ‏1980‏ وبعض المفكرين المسلمين يقترحون تعديل الصياغة لتشكل منزلًا يحتضن جميع ابناء البلاد ويعزز شعورهم بالمساواة والانتماء إلى وطن واحد.

ويستحق قداسة البابا شنودة تحية كبيرة لدفاعه عن استمرار الصياغة الراهنة للمادة الثانية ليس لان رأيه حاسم في هذه القضية وليس لان رأيه فيها سليم بالضرورة، فهو فيما يتعلق بالنقاش حول هذه القضية مواطن مصري فرد لايمثل إلا نفسه، فالجماعة الوطنية المصرية تتفق على النظر باحترام للرئاسة الدينية للاقباط ولكنها ترفض فكرة انه ممثلهم السياسي.

فالمؤسسات الدينية يجب أن تبقي محصورة، بوظائفها الدينية لا يختلط عملها بالسياسة ويجب ان تبقي آراء شاغليها في الشأن السياسي وجهات نظر لأفراد لا مواقفًا لمؤسسات وإلا حلت محل الاحزاب ووقعت انقسامات طائفية نرفضها جميعًا.

وما يقال عن مؤسسة الكنيسة يجب أيضًا أن يقال عن جميع المؤسسات الدينية، بل يكون المقام هنا مناسبًا لمناشدة جميع المشاركين في النقاش العام حول التعديلات الدستورية والشأن الدستوري في الحاضر والمستقبل للإدلاء بآرائهم باعتبارهم مواطنين مصريين أو شركاء في وطن عظيم وأن ينطلقوا في هذا النقاش من التوق المشترك لاستعادة عظمة هذا الوطن متجردين من الانتماءات الدينية والمواقع الحزبية.

يملي علينا هذا النداء أن نبدأ بعدد من المعاني الأولية والحاكمة للنقاش حول المادة الثانية.

إن هذا النقاش يجري في لحظة محددة من التاريخ الوطني المصري بل والتاريخ العالمي، إذ يسمح لنا التراكم المعرفي والسياسي على المستوي العالمي بأن ننطلق في وضع دستورنا من خبرات التعثر والنجاح في وضع الدساتير خاصة في المجتمعات الديمقراطية، ويسمح لنا ذلك بفهم الظروف والسياقات التاريخية القديمة التي وضعت فيها الدساتير في أقلية صغيرة للغاية من المجتمعات التي مازالت تضفي منزلة دينية أو تلزم ممثلي السلطات العامة بانتماءات دينية محددة مثل المملكة المتحدة والدنمارك وأسبانيا، فقد تحولت هذه النصوص إلى ما يسميه الفقهاء الدستوريون حروفًا ميتة بمعني أنها نصوص تقادم بها الزمن وتخطاها الواقع بخطوات كبيرة حتى غدت أقرب إلى الايقونات التي تعرض في المتاحف ولا علاقة لها بتنظيم الحقوق القانونية في المجتمعات التي أخذت بها في لحظة تاريخية خاصة ولم يعد لها أي حجية في النقاش العام في هذه البلاد، فالملكة البريطانية قد تكون عضوا في كنيسة محددة دستوريا ولكن سلطات الملكة ذاتها لم تعد ذات بال لأن رئيس الوزراء والشخصيات المنتخبة الأخرى هي التي تصنع السياسات العامة، والتشريع البريطاني لايقوم على الدين ولا يأخذ نصوصه من أي مرجعية دينية، وما يقال عن الملك في المملكة المتحدة يقال أيضًا عنه في الدنمارك وأسبانيا وغيرها من الدول التي تحولت إلى النظام الديمقراطي، وقد اقتضي الأمر في بعض البلاد أن يصدر تعديل دستوري لكي يضمن المجتمع أن يصبح الدستور حصنًا لحقوق جميع المواطنين ودالًا على المساواة بينهم لا في الحقوق فحسب بل في الرموز أيضًا بإزالة النصوص المستقاة من الأديان.

ويتسع النظام الدستوري في المجتمعات الديمقراطية لاحتضان حقوق المسلمين مثلا ليس باعتبارهم أقلية دينية وإنما باعتبارهم مواطنين لهم عضوية كاملة مثلهم مثل غيرهم من اصحاب الأديان الأخرى لان الدستور الديمقراطي ينشئ دولا لجميع مواطنيها وليس لقسم واحد أو عقيدة واحدة.

ومع ذلك فان هذا المعني أو هذه الرسالة العظيمة مهددة في عدد من دول العالم بما فيها الدول الديمقراطية لان هناك حركات تستهدف الانقلاب عليها وتحويلها إلى دول دينية، ولاشك في ذهني أن إسرائيل هي أحد أهم أسباب أو ذرائع الانقلاب الذي تدبره القوي الفاشستية في الولايات المتحدة مثلًا نحو مفهوم الدولة الدينية باعتبار إسرائيل دولة دينية عنصرية وأحد أطراف التحالف الانقلابي هناك جنبًا إلى جنب مع الحركات الأصولية المسيحية أو ما صار يعرف هناك بالصهيونية المسيحية.

تستهدف معظم الحركات الأصولية إحياء التقاليد الثقافية السياسية في العصور الوسطى، فكان يُنظر إلى أراضي الدولة ذاتها باعتبارها أرضًا لدين معين أو حتى أرضًا لها دين، وإذا انتصر هذا التيار الثقافي في الولايات المتحدة أو في الغرب ستكون الجغرافيا الطبيعية للعالم قد قسمت بين الأديان العالمية، وتشكل دعاوي الحروب الدينية أهم آليات دفع العالم إلى هذه الكارثة.

وفي بلادنا العربية والإسلامية هناك محاولة لإحداث انقلاب مماثل في اتجاه التطور التاريخي، أي إلى ثقافة تقوم على أن الأرض ومن ثم الدولة بذاتها لها دين ويجب أن تظل في حرمة دين معين، وتشكل هذه العقيدة انقلابًا لا على مستوي الثقافة السياسية وحدها بل وانقلابًا على الثقافة الإسلامية أيضًا، فالأخيرة قامت على أن الإسلام دين ورسالة موجهان للبشر في جميع أنحاء الدنيا، وهي رسالة لا تفرض نفسها بالقوة بما فيها قوة الدستور بل تجذب الناس بقوة حجتها وبالقناعة الإيمانية وحدها.

كانت عقيدة أن الأرض والدول لهما دين معين قد سادت في القرون الوسطي العربية مثلما سادت في القرون الوسطي الغربية، وفي سياق تطورنا الوطني والقومي في مصر بالذات خاصةً في القرنين التاسع عشر والعشرين استعادت ثقافتنا الرؤية السياسية والإسلامية السليمة، فصار الإسلام دينًا عالميًا وليس محصورًا بمنطقة أو بلد ما، وصارت الدولة حصنًا لأمة معينة وهيئة تضمن التمازج والعيش المشترك لجميع مواطنيها.

ومن هذا المنظور انتهت أو كادت علاقة الذمة التي فصلت موقعًا معينًا للأقباط وصاروا مع اخوانهم المسلمين جماعة وطنية واحدة لأفرادها حقوق متساوية، وتطورت فكرة الدستور والقانون في مصر لتقوم على ركيزتين: الأولي هي صنع وطن حر يتكون من مواطنين أحرار والثانية هي تعزيز عملية بناء الأمة ككيان اجتماعي متجذر في التاريخ.

هذه الركيزة الثانية تعني ما هو أكثر بكثير من مجرد المساواة أمام القانون، إذ لا تصنع الأمم من مجموع المواطنين المتساوين امام القانون وحسب بل وتصنع أيضًا انطلاقًا من الرموز والمرجعيات المتنوعة التي صبت خيراتها في نهر الذاكرة الوطنية، ويهمنا هنا أن نشير إلى أن إعادة صنع الأمة المصرية في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين تطلب الاعتراف بكل هذه الخيرات والمساهمات الحضارية الطويلة، ومن المنطقي للغاية ان يتم إبراز الدور الخاص للإسلام كدين والثقافة الإسلامية كأسلوب حياة في تكوين مصر الوطني، ومن المنطقي كذلك أن يتم الاحتفال بالمساهمات الحضارية الكبرى الأخرى وبصورة خاصة حضارتنا الفرعونية والحضارة اليونانية والقبطية، وهذا هو أيضًا ما يراه أخواننا العرب في كل الدول الحديثة، فهي دول عربية تحتفل بهويتها الإسلامية وما قبل الإسلامية أيضًا، وليس في ذلك أي جرح أو انتقاص من العروبة ولأمن الإسلام.

وعندما نتطلع إلى دستور يحتضن تكويننا الوطني ويحميه ويقويه يصبح من المحتم والضروري أن نُنشئ دولة تقوم لا على المساواة أمام القانون فحسب، بل وأيضًا على تراثنا الوطني المصري المديد بجميع عناصره ومستوياته وطبقاته التاريخية والثقافية بما فيها الثقافة القبطية.

بعض الكتاب ينطلقون من مواقف عصبية تعتقد أن هذه الدعوة للاعتراف بالتنوع تضعف انتماء الأمة الإسلامي، ولو قرأوا قليلًا في أدبيات بناء الأمم والمجتمعات وتحولاتها سوف تتاح لهم الفرصة لفهم أن الحقيقة هي عكس ذلك على طول الخط. ازدهرت الثقافة الإسلامية وتعالي الشعور الديني إلى مستوى التوحيد الحقيقي والإيمان الخالص في ظل التنوع والتأليف الخلاق بين الأديان وينابيع الثقافة والمعرفة، وهنا بالذات يمكننا أن نتلمس بعض عظمة وبعض رسالة مصر الوطنية، أن لها عبقرية خاصة في التركيب والتأليف بين جوانب هويتها التاريخية.