Image

استلهام الربيع العربي بين خطوط الصراعات المسلحة الجديدة


قراءة موجزة في مؤشرات حقوق الإنسان في العالم العربي




الفهرس

مقدمة


يُعد رحيل عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، وعمر البشير في السودان، عتاة الحكم السلطوي في المنطقة العربية، في أعقاب سلسلة من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية، إضافة إلى حركات الاحتجاج العارمة في لبنان والعراق؛ بمثابة ومضة أمل جديدة تستلهم قيم الربيع العربي، بعد سنوات من الحصار الشامل لمسارات التحول الديمقراطي والثورات العربية، وتوجيه ضربات استباقية متواصلة لقوى الإصلاح السياسي والتغيير في بلدان المنطقة.

حدثت هذه التحولات الإيجابية، والتي من المبكر الحكم على طبيعة مآلاتها، في وقت تستمر فيه المنطقة العربية –بشكل يومي– في تصدير تقارير ومؤشرات مروعة حول تطور أوضاع حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية بشكل عام. إذ تضم المنطقة عدد من الصراعات المسلحة الداخلية الممتدة في ليبيا واليمن، يتداخل فيها أطراف عده محليين وإقليمين ودوليين، حولت هذه البلدان إلى ساحة تعج بكافة الجرائم في حق المدنيين. بينما تستمر المعارك المسلحة في سوريا، وسط تمكن نظام بشار الأسد من تحقيق انتصارات نوعية بدعم دولي وإقليمي، في مقابل تدمير حياة ومستقبل الملايين من الشعب السوري الذي انتهى بهم الحال بين قتيل، وشريد، ومعتقل أو مختفي قسريًا.

من ناحية أخرى شهدت مناطق متفرقة في العراق استمرارًا للأعمال المسلحة والعنيفة في إطار المواجهة مع ميلشيات تنظيم الدولة الإسلامية، أو الاستقطاب الطائفي الذي تقوده ميلشيات عسكرية تسيطر على الدولة وقراراها السياسي. بينما تمكنت إسرائيل أيضًا في ظل متغيرات دولية، في مقدمتها الدعم الأمريكي في ظل إرادة ترامب، من توسيع وتوطيد مشروعها الاستعماري والاستيطاني، وإجهاض حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، في استمرار لسياسات العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني، واستخدام القوة ضد المدنيين.

على المنوال نفسه، تستمر قوى الاستبداد السياسي في مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة في حصار قدرة شعوبها على التغيير أو المشاركة في الحياة العامة والسياسية، من خلال توجيه ضربات استباقية لأي محاولات للتنظيم المدني والسياسي، عبر توظيف سياسات التصفية الجسدية للمعارضين، والاختفاء القسري، والاعتقالات التعسفية طويلة المدة، والمحاكمات ذات الطبيعة السياسية، ومصادرة الحق في التعبير والتنظيم. وتستمر المغرب أيضًا في تقليص المجال العام، والانتقام من المنخرطين في الحركات الاحتجاجية.

وخلال العامين المنصرمين، تأكد استخدام حكومات المنطقة –خاصةً السلطات المصرية والسعودية والإماراتية والمغربية– لتكنولوجيا متطورة مستوردة من بلدان غربية ومن إسرائيل؛ للتجسس وتعقب المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين عبر الهواتف النقالة والإنترنت.[2] وقد وظفت السلطات السعودية هذه التكنولوجيا لمراقبة الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي قبل اغتياله بشكل مروع في قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر 2018.

كما اتجهت حكومات البلدان التي شهدت احتجاجات شعبية لحجب المواقع الإخبارية المستقلة على الإنترنت، أو حجب بعض التطبيقات الأمنة للتواصل، وأحيانًا حجب الإنترنت بالكامل خلال التصدي للمظاهرات؛ لقطع التواصل بين المتظاهرين وبعضهم البعض، أو بينهم وبين العالم الخارجي، كما جرى في السودان على فترات متقطعة منذ يناير وحتى منتصف يونيو 2019.[3]


الفهرس

شارك أصدقائك

استعادة قيم الربيع العربي وسط ظروف إقليمية مقاومة للتغيير


لا يعني تأزم موقف الربيع العربي والمآلات الدرامية للثورات العربية نجاح واستقرار كامل للسلطوية الجديدة الآخذة في التصاعد في معظم بلدان المنطقة منذ عام 2013. فالواقع الديموغرافي متمثلًا في النمو السكاني وهيمنة فئة الشباب، فضلًا عن المتغيرات المجتمعية في عصر تكنولوجيا المعلومات والانفتاح على العالم؛ يجعل من الصعوبة احتواء ثورات التوقعات والمطالب المجتمعية، خاصةً الاقتصادية والاجتماعية، في إطار مؤسسات حكم غير تمثيلية وغير قادرة على استيعاب قطاعات المجتمع بشكل سلمي، وخاصةً فئة الشباب التي تمثل القطاع الأكبر في بلدان المنطقة. لا سيما في ظل الفشل في تحقيق مؤشرات أفضل للتنمية الإنسانية، وعدم القدرة على الوفاء بالمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية، وسط متغيرات إقليمية ودولية تحد هي الأخرى من فرص إدارة وتنمية الاقتصاد، أو تجعل الخيار الأوحد أمام بلدان المنطقة هو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للخروج من الأزمات المالية عبر فرض إجراءات تقشفية قاسية تزيد بدورها من الضرر الاجتماعي وتقود لاضطرابات وغليان مجتمعي.

هذا بالإضافة إلى تراكم عوامل كامنة ومتجذرة في بنية تجربة بناء الدول الحديثة في مراحل ما بعد الاستعمار في المنطقة العربية، وما صاحبها من إخفاقات تاريخية ممتدة في بناء مؤسسات حديثة وفعالة في الدولة. ومن بين هذه العوامل تصاعد دور الجيوش والعسكر على حساب السياسة المدنية وفوق مؤسسات الدولة، والإخفاق التاريخي في إدارة التعددية الدينية والإثنية، وضعف التنظيمات السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني بما لها من قدرة على القيام بأدوار وسيطة بين الدولة والمجتمع وترشيد الغضب والاحتجاج الشعبي في أفعال منظمة، وتسييس الخطاب الديني والمؤسسات الدينية وخطابات الهوية واستغلالها في الحكم أو المعارضة على حساب التدافع بين الأفكار والبرامج السياسية والاقتصادية.

ولم تخل معظم دول المنطقة خلال العامين الأخيرين، بصرف النظر عن درجة تطورها السياسي أو نموها الاقتصادي، من صور مختلفة للتعبير عن شعور متزايد بالغضب والإحباط لدى قطاعات من المواطنين، وبشكل خاص في المناطق المهمشة تاريخيًا من عجز الدولة على الوفاء بمتطلبات شعوبها، أو رفضًا لإهدار الموارد العامة وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة. فالاحتجاجات التي شهدتها كلًا من المغرب والسودان والجزائر والأردن والعراق ولبنان وحتى الأرض الفلسطينية المحتلة تمركزت تعبئتها في مواجهة تدني الأوضاع المعيشية لكن لم يغب عنها سؤال الشفافية في الحكم، وإدارة السلطة السياسية. كما أن فئة الشباب، وهم الأكثر تهميشًا واغترابًا عن المؤسسات السياسية في هذه البلدان، شكلت القطاع الأكثر نشاطًا في هذه الاحتجاجات. وفي بعض المناطق في المغرب والجزائر ومصر والعراق والسعودية والبحرين ارتبط الاحتجاج ضد التهميش الاجتماعي بالاحتجاج ضد التهميش الإثني أو الطائفي.


الفهرس

شارك أصدقائك

المتغيرات الإقليمية والتدخلات الدولية


تعد التدخلات الإقليمية والدولية أحد أهم العوامل المسئولة عن دخول كثير من صراعات المنطقة في حلقات صراع متجددة. فالقوى الإقليمية الرئيسية التي يقوم عليها النظام الإقليمي العربي هي ذاتها القوى صانعة الأزمات، والمتورطة بشكل مباشر –أو غير مباشر– في تغذية هذه الصراعات. ويكفي الإشارة إلى الاستغاثات المتكررة التي أطلقها مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا السيد غسان سلامة أو فريق الخبراء البارزين في الأمم المتحدة بشأن اليمن حول الأدوار التخريبية والدموية التي تمارسها القوى الإقليمية في النزاعات المسلحة في ليبيا واليمن، وإعاقة تحقيق سلام شامل. بينما تعد سوريا ساحة أخرى للتدخلات الدولية والإقليمية، خاصةً من روسيا وإيران، بما خلفته من تداعيات إنسانية كارثية ستستمر أثارها في نسيج المجتمع وبنيته لعقود.

ولم تكشف أزمات المنطقة فقط عن عجز النظام الدولي وتحالفاته أمام مواجهة الأزمات الإنسانية وكوارث حقوق الإنسان، بل أيضًا تورط للقوى الدولية سواء في دعم أحد أطراف الصراع، أو تصدير أسلحة للقوى المتحاربة دون مساءلة للجرائم التي تُرتكب في حق شعوب المنطقة بهذه الأسلحة.

وقد عاد خطاب الخصوصية والاستثناء العربي من جديد كواحد من أهم المبررات التي تُستخدم اليوم من جانب دعاة الاستبداد لضرب حراك الشعوب، وتشويه ثورات الربيع العربي. إلا أن عودته خلال السنوات الأخيرة ارتبطت ببناء علاقة في الخطاب الدعائي بين الدعوة للحرية والديمقراطية والمجتمع المدني من ناحية، وحتمية الفوضى وانهيار الدول وتمكن الإرهاب من ناحية أخرى.

أضحى هذا الخطاب ملمحًا يوميًا في الإعلام المصري تحت حكم السيسي، بل أن الرئيس السيسي نفسه يستخدمه مرارًا وتكرارًا في اجتماعاته الشعبية والرسمية. وقد صرح السيسي بشكل مباشر في القمة العربية الأوروبية التي عقدت في شرم الشيخ في فبراير 2019، بأن حقوق الإنسان التي تُطبق في البلدان الغربية لا تصلح لإدارة المجتمعات العربية. أما المؤسسة العسكرية في الجزائر فاستخدمت خطاب هدم الدولة في مقابل مطالب الاحتجاجات الشعبية بالإصلاح السياسي. كما عمد إليه الرئيس السوداني السابق عمر البشير خلال مواجهته للعصيان المدني الذي أطاح به.

أن استمرار نضال المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في بلدان المنطقة، بما فيها أكثر البلدان تضييقًا على المجتمع المدني مثل الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، بالإضافة إلى الانتصارات التي حققها الحراك الشعبي في الجزائر والسودان تُمثل تحديًا لهذه النظرية الاستعلائية والانتهازية لتطلعات الشعوب في الحرية والعدالة.


الفهرس

شارك أصدقائك

تحليل مؤشرات تطور حالة حقوق الإنسان


السودان في بداية مسار الانتقال الديمقراطي


تدخل الجيش السوداني للإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل من هذا العام بعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية والاعتصامات المدنية في الخرطوم ومناطق أخرى متفرقة في السودان. بدأت هذه الاحتجاجات في ديسمبر 2018 عقب إعلان حكومة البشير عن سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التقشفية نهاية عام 2018، وسط أزمة اقتصادية خانقة عصفت بالسودان، بدأت أثارها في التراكم خلال عامي 2017 و2018.

وكانت قطاعات معتبرة من الشعب السوداني قد بدأت بالفعل في الدخول في موجات من الاحتجاجات والعصيان المدني في فترات زمنية متقطعة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتطورت الاحتجاجات الأخيرة وأخذت قوى المجتمع المدني في تأطير مطالبها بالتغيير السياسي الشامل، وضرورة إنهاء حكم البشير. وخلال العام الأخير من حكم البشير، ضاعف النظام من القيود على الإعلام والمجتمع المدني، حيث اعتقل على فترات متقطعة –زادت وتيرتها في الشهور الأولى من هذا العام– العشرات من المحامين والنقابيين والنشطاء الحقوقيين، والإعلامين وقيادات الحركة النسائية.

وطوال فترة الاحتجاجات، ارتكبت الأجهزة الأمنية والعسكرية، وخاصة في الشهور الأولى من رحيل البشير، سلسلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة في محاولة لإنهاء الحراك الشعبي. وبلغت هذه الجرائم ذروتها في يونيو 2019، بعد إقدام قوات الانتشار السريع –والتي سبق وتورطت في ارتكاب جرائم جسيمة في إقليم دارفور غرب السودان– على فض الاعتصام الجماهيري، أمام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم، باستخدام مفرط للقوة المميتة، مخلفةً أكثر من مئة قتيل في يوم واحد، من بينهم نشطاء في حركات طلابية وحقوقيين ومدونين. هذا بالإضافة إلى تقارير عن عمليات اغتصاب جماعية منظمة ارتكبتها القوات الحكومية ضد المتظاهرات والناشطات، بغرض الترهيب والمعاقبة على أدوارهن في الاحتجاجات. فبحسب الأطباء سجلت المستشفيات نحو 70 عملية اغتصاب خلال فض الاعتصام في شهر يونيو من قبل أفراد قوات الانتشار السريع.[4] كما تعرضت المستشفيات للهجوم خلال تعقب المحتجين المصابين، وتم الاعتداء على الأطباء.

حاولت المؤسسة العسكرية أيضًا إنهاك المحتجين، وتقسيم قوى المجتمع المدني، وتوظيف وسائل قمعية؛ بهدف إجهاض عملية الانتقال الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين عقب إسقاط البشير. إلا أن تماسك قوى تحالف إعلان الحرية والتغيير، إحدى القوة المدنية الرئيسية التي مثلت الحراك الشعبي، ومبادراتها وقدرتها التفاوضية مع المؤسسة العسكرية حققت مكاسب نوعية لمسار الانتقال الديمقراطي في السودان.

من ناحية أخرى فإن الاهتمام الدولي من جانب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن بعض الدول الأفريقية ساعد أيضًا في تكثيف الضغوط الخارجية على المؤسسة العسكرية لحثها على تسليم السلطة للمدنيين. وقد أيقن المجلس العسكري في السودان أن دخوله في المفاوضات وتقديم تنازلات للقوى السياسية والمدنية هو الخيار الأفضل الذي يمكّنه من الاستمرار في الترتيبات الجديدة للحكم.

على الجانب الآخر حتم تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على المجلس العسكري قبول التفاوض والتنازلات. فالدعم السياسي والمالي الذي تحصل عليه من السعودية والإمارات لم يكف وحده لصد عوامل أخرى داخلية وإقليمية ودولية دفعت للتوصل لاتفاقات في شهر أغسطس لتقاسم السلطة مع المدنيين، وتأسيس ترتيبات دستورية ومؤسسية جديدة لإدارة عملية التحول الديمقراطي في البلاد خلال الأعوام الثلاثة القادمة.

وقد اتسم المجال السياسي والمدني بالانفتاح والتحرر عقب التوصل لهذا الاتفاق وتشكيل الحكومة المدنية الانتقالية، وترتب عليه عودة العديد من قيادات المعارضة والحركة الحقوقية من المنفى، وإعادة تأسيس جمعيات أهلية حقوقية أو تنموية كان سبق وتم إغلاقها في عهد البشير.

وخلال عامي 2018، 2019 استمرت التداعيات الإنسانية المروعة لانتشار الصراعات المسلحة الأهلية بين حكومة الخرطوم وحركات التمرد المسلح في إقليم دارفور وولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان، والتي تسببت في مقتل الآلاف من المدنيين، واستمرار تشريد الملايين، ووضعهم في ظروف معيشية بالغة التأزم. فعلى سبيل المثال وفي الفترة الممتدة من منتصف شهر مارس إلى منتصف شهر إبريل هاجمت القوات الحكومية 12 قرية مأهولة بالمدنيين في إقليم دارفور، مخلفةً أكثر من 20 قتيلاً، بينهم أطفال، وتشريد نحو 15.000 مدنيًا، فضلًا عن نهب وتخريب هذه القرى.[5]

وفي أغسطس بدأت محاكمة الرئيس السابق عمر البشير في اتهامات تتعلق بالفساد وغسيل الأموال وقتل المتظاهرين خلال الانتفاضة التي أطاحت به. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة إلا أن عمر البشير لايزال مطلوبًا لدى المحكمة الجنائية الدولية لتورطه في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في إقليم دارفور خلال العقدين الأخيرين، من بينها استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، بحسب بحث أجرته منظمة العفو الدولية عام 2016.[6] وحتى الآن، لم تظهر الحكومة الانتقالية نوايا لتسليمه للمحكمة.


الفهرس

شارك أصدقائك

الجزائر: رحيل بوتفليقة دون تغيير نوعي في طبيعة وآليات الحكم


شكّل إعلان الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة استقالته من منصبه في أبريل من هذا العام انتصارًا هامًا للاحتجاجات الشعبية التي اندلعت بشكل واسع وغير مسبوق في الجزائر أعقاب إعلان بوتفليقة عن ترشحه لفترة رئاسية خامسة في الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر إجرائها في الشهر نفسه. خروج بوتفليقة من المشهد السياسي لم يواكبه عملية تغيير سياسي شامل وفق أسس وقواعد مؤسسية ودستورية وتشريعية جديدة، بل أصرت المؤسسة العسكرية، التي تولت فعليًا إدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة، على استمرار اللعبة السياسية وفق قواعد نظام الحكم نفسها، مع إجراء تغييرات محدودة لبعض التشريعات المرتبطة أساسًا بالانتخابات العامة.

أعلن الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح إجراء انتخابات رئاسية في 12 ديسمبر المقبل. في حين استمرت الاحتجاجات الشعبية بشكل متصاعد منذ رحيل بوتفليقة، وسط مطالب برحيل النظام القديم والبدء في عملية إصلاح سياسي شامل. وقد واصلت السلطات استخدام الإجراءات التعسفية والقمعية في التضييق على المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، والتصدي للمتظاهرين، والملاحقة الأمنية والقضائية للنشطاء السياسيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين برزت أدوارهم القيادية في الاحتجاجات الشعبية، والمطالبين بالقطيعة الكاملة مع المنظومة التشريعية والدستورية والأمنية لنظام بوتفليقة.

زادت وتيرة الاعتقالات عقب الإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية؛ في محاولة لإفراغ الحراك الشعبي من قياداته المؤثرة. فتم اعتقال عشرات النشطاء والمحتجين في النصف الثاني من عام 2019، من بينهم محامين وصحفيين وأعضاء في منظمات غير حكومية، ومدونين ونشطاء عماليين، وُجهت لبعضهم اتهامات تتعلق بممارستهم حقهم في التظاهر السلمي أو التعبير عن الرأي، ومن أبرز الاتهامات التي وجهت للكثير منهم "المساس بمعنويات الجيش." ومن بينهم القيادية في حزب العمال اليساري لويزة حنون، والعقيد لخضر بورقعة أحد ضباط جيش التحرير، وكريم طابو منسق حزب الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي. كما تعرض المحامي البارز صلاح دبوز أحد أبرز المدافعين عن حقوق المعتقلين في الجزائر لسلسلة من التضييقات الأمنية، والتحقيق والاعتقال، والاعتداءات البدنية منذ أبريل من هذا العام. كما حُجبت بعض المواقع الإلكترونية الإخبارية النقدية مثل موقع "كل شيء عن الجزائر" الذي يغطي أخبار وتطورات الاحتجاجات.

واستمرت السلطات في منع المنظمات الحقوقية الدولية من دخول البلاد والتواصل أو التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية. ففي أغسطس تم احتجاز أحد مسئولي منظمة هيومان رايتس ووتش لمدة عشر ساعات قبل ترحيله خارج البلاد. كما تستمر السلطات الجزائرية في التضييق على المدافعين عن الأقليات الإثنية. ففي مايو توفي الناشط كمال الدين فخار، أحد المدافعين البارزين عن حقوق الأمازيغ، نتيجة الإهمال الطبي في المعتقل بعد تدهور حالته الصحية نتيجة إضرابه الشامل عن الطعام اعتراضًا على استمرار اعتقاله وظروف احتجازه غير الإنسانية.[7] كما تم اعتقال عشرات النشطاء الشباب من الأمازيغ على خلفية رفع رايات الهوية الأمازيغية في الاحتجاجات.


الفهرس

شارك أصدقائك

سوريا: مكاسب نوعية لبشار الأسد وخسائر إنسانية فادحة للشعب السوري


حقق نظام بشار الأسد بمساعدة الدعم العسكري الروسي والإيراني مكاسب عسكرية وسياسية نوعية زادت من تأزم مسار الثورة السورية. فقد نجحت القوات الموالية للحكومة السورية في بسط سيطرتها على مساحات شاسعة من الأراضي السورية بدايةً من النصف الأول من عام 2018، كما نجح في فرض أجندته على المفاوضات السياسية الدولية التي تدور حول ترتيبات ما بعد الصراع في سوريا، وإطلاق مسار تفاوضي جديد في الآستانة عاصمة كازاخستان برعاية إيران وروسيا وتركيا منذ بداية عام 2017.

هذه المكاسب جاءت بثمن باهظ تكبده الشعب السوري، الذي استمرت معاناته الإنسانية للعام التاسع على التوالي. فقد قُتل في هذا الصراع أكثر من نصف مليون سوري، وتم تشريد نحو 6.2 مليون شخصًا داخليًا، بالإضافة إلى نحو 5.6 مليون شخصًا خارجيًا. وبحسب التقارير الدولية وبيانات المنظمات السورية سقط 93% من الضحايا على يد النظام السوري والقوات المتحالفة معه.[8] خاصة بعدما عمد النظام السوري وحلفائه على استخدام القصف العشوائي –برًا وجوًا– في المناطق المكتظة بالسكان، باستخدام أسلحة محرمة دوليًا أكثر من مرة. كما فرضت قوات النظام السوري حصارًا للمناطق المدنية، بالإضافة إلى القيود على المساعدات الإنسانية. الأمر الذي تسبب في العديد من حالات سوء التغذية والجفاف وانتشار الأمراض التي تسبب الوفاة، وغالبًا ما يكون الأطفال هم الفئات الأكثر تأثرًا بهذه الظروف. كما خلفت الأعمال العسكرية دمارًا هائلًا في العديد من المواقع، بما فيها المواقع التاريخية في بعض أقدم المدن في العالم، مثل حمص وحلب ودرعا وغيرهم. وبشكل خاص، استهدف النظام السوري والقوات المتحالفة معه الممتلكات الخاصة والبنية التحتية المدنية في المدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرة المعارضة.

تتعدد القوى المتصارعة في سوريا بتعدد جبهات الصراع ومحدداته السياسية. فالجبهة الأكبر للنزاع في سوريا تضم قوات نظام بشار الأسد مدعومة بشكل مباشر، وغير مباشر، من إيران وحزب والله وروسيا، والتي تسعى لبسط سيطرة النظام على الأراضي السورية ومواجهة جميع القوى المناوئة له. وطبقًا لتقرير لجنة التحقيق الدولية بالأمم المتحدة، الصادر في سبتمبر 2019، فقد خلّفت الضربات العسكرية للتحالف الدولي خسائر في صفوف المدنيين قد تصل حد جرائم الحرب. من ناحية أخرى تتدخل تركيا كطرف خارجي في الصراع لاحتواء القوى الكردية شمال سوريا، والتي يستعين بها التحالف الدولي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات الإسلامية المسلحة الأخرى.

هذه الخريطة المعقدة للأعمال العسكرية داخل سوريا أثرت بشكل مروع على المدنيين، حيث أدى تصاعد العمليات إلى مضاعفة أعداد النازحين واللاجئين. ومن ناحية أخرى شكلت تلك العمليات تربة خصبة لجميع صور جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان في المناطق المتفرقة في سوريا، من أعمال قتل، واختطاف، واختفاء قسري، واعتقال طويل المدة، وتعذيب، وعنف جنسي، وتدمير ونهب في الممتلكات الخاصة. وقد وثّقت لجنة التحقيق المستقلة بشأن سوريا بالأمم المتحدة استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيميائية في 37 هجمة على مناطق مأهولة بالمدنيين في شرق الغوطة وحلب وإدلب.

تعمد النظام السوري وضع عراقيل أمام فرق عمل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتأخر في إعطاء تأشيرات الدخول، والتأخر في الرد على مراسلات المنظمة، إضافة إلى الحيلولة دون وصول المفتشين لبعض المناطق. وفي نهاية شهر أبريل من هذا العام شنت الحكومة السورية مدعومة من روسيا هجوم واسع جوي وبري على إقليم إدلب في شمال غرب سوريا، حيث توجد أخر مناطق تمركز القوى المناوئة للنظام السوري. استهدفت الهجمات المستشفيات والمواقع الطبية، مما أسفر عن نزوح أكثر من 180.000 شخصًا ومقتل أكثر من 1000 أخرين.[9] وقد أصدر الرئيس بشار الأسد في سبتمبر 2019 مرسومًا تشريعيًا يقضي بمنح عفو عام وتخفيف العقوبات عن بعض الجرائم التي ارتكبت أثناء العمليات العسكرية قبل 14 سبتمبر 2019، ليستفيد منه بشكل خاص مقاتلي النظام، حيث لا ينطبق القرار على من حمل السلاح ضد الدولة أو التحق بالفصائل المسلحة أو انخرط في أعمال إرهابية.

وفي إطار مواجهة الجرائم الجسيمة في سوريا في ظل مناخ من الإفلات من العقاب، نجح أعضاء حركة حقوق الإنسان السورية في توظيف القضاء ذو الاختصاص العالمي في عدد من البلدان الأوروبية، منها ألمانيا وفرنسا، خلال عام 2018 لاستصدار مذكرات توقيف ضد قيادات من الجيش السوري المتورطة في ارتكاب جرائم التعذيب والاختفاء القسري وقتل المدنيين.


الفهرس

شارك أصدقائك

الترويع المنهجي للإصلاحيين والحركة الحقوقية الصاعدة في منطقة الخليج


تستمر آلة القمع الداخلية في مواجهة دعاة الإصلاح والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في كل من السعودية والإمارات العربية والبحرين خلال السنوات الأخيرة، آخذة ملمحًا دمويًا جديدًا تمثل في الجريمة المروعة لتصفية الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018. تلك الجريمة التي تورطت فيها وخططت لها الدوائر المقربة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

لم تنفصل هذه السياسات عن الدور الإقليمي الذي تتبناه السعودية والإمارات لدوافع جيوسياسية واقتصادية في دعم أنظمة الاستبداد التي قامت على أنقاض الربيع العربي، أو محاولة تقويض ما تبقى من هذا الربيع على أقل تقدير. وعلى الرغم من إفلات محمد بن سلمان حتى الآن من دفع ثمن سياسي لجريمة مقتل خاشقجي، في ظل استمرار الدعم الأمريكي والأوروبي، فقد تكبد هو والنظام السعودي ثمنًا أخلاقيًا عميقًا تواكب معه تسليط الضوء على سجل حقوق الإنسان في المملكة، والجرائم التي تتورط فيها المملكة ضد المدنيين في اليمن. وأصبح سجل تصدير الأسلحة الغربية للسعودية مثار انتقادات كبيرة داخل الدوائر الإعلامية والسياسية والبرلمانية في كثير من البلدان الغربية.

في هذا السياق، شكّل صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية برئاسة أجنيس كالامار مقررة الأمم المتحدة المعنية بالقتل خارج نطاق القانون في يونيو 2019 فرصة جديدة للضغط على المجتمع الدولي لمحاسبة النظام السعودي وفي مقدمته محمد بن سلمان على هذه الجريمة.

وكان النظام السعودي قد شن خلال عام 2018 حملة أمنية غير مسبوقة على المدافعات عن حقوق المرأة نتج عنها اعتقال عشرات من أبرز الناشطات ممن ساهمن في الضغط من أجل تحرير المرأة السعودية، وتحويلهن للمحاكمة الجنائية، من بينهن الناشطة لجين الهذلول، وإيمان النجفان وعزيزة اليوسف. وقد كشفت هذه الحملة عن زيف ادعاءات محمد بن سلمان الإصلاحية التي كان يسعى لتصديرها للغرب. كما يقبع أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في السجون بعد الحكم عليهم بعقوبات سجن قاسية في اتهامات تتعلق بشكل مباشر بممارستهم لحقهم في التنظيم أو التعبير السلمي عن الرأي أو التواصل مع منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينهم وليد أبو الخير، ورائف بدوي ومحمد العتيبي، بالإضافة إلى أحد عشر فردًا من أعضاء ومؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية (حسم) الذين تمت إدانتهم بالسجن بين عامي 2014 و2017، ومن بينهم محمد فهد القحطاني، والدكتور عبد الله الحامد وعبد العزيز الشبيلي. إذ تلجأ السلطات السعودية بشكل متكرر إلى محاكمة الحقوقيين أمام المحكمة الجنائية المتخصصة، والتي تأسست عام 2008 للنظر في جرائم الإرهاب، وتفتقد للحد الأدنى من معايير المحاكمات العادلة.

وفي الإمارات أيدت محكمة أمن الدولة حكمًا بحق الحقوقي أحمد منصور، والحاصل على جائزة مارتن إينالز الدولية لعام 2015، بالسجن لمدة عشرة سنوات وغرامة مالية باهظة، بتهم الإساءة لسمعة الدولة ونشر أخبار كاذبة عبر الإنترنت. وفي البحرين أيدت محكمة النقض في يونيو 2018 حكمًا بالسجن خمسة سنوات ضد الحقوقي البارز ورئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان نبيل رجب لنشره مجموعة تغريدات نقدية ضد الحملة العسكرية السعودية في اليمن، وانتشار ممارسة التعذيب في سجون البحرين. وفي أغسطس 2018 أصدر "فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي" وللمرة الثانية، رأيًا بشأن قانونية احتجاز نبيل رجب معتبرًا أنه احتجازًا تعسفيًا في جوهره، ويشكّل انتهاكًا للقانون الدولي؛ نظرًا لأنه قد ترتب على ممارسته لحقه في حرية الرأي والتعبير، وكذلك في حرية الفكر والضمير؛ وفضلًا عن ذلك، فهو يشكّل "تمييزًا ضده بسبب رأيه السياسي أو غيره من الآراء، وكذلك بسبب وضعه كمدافع عن حقوق الإنسان.

يتعرض سجناء الرأي في البحرين والإمارات، ومن بينهم الحقوقيين البارزين أحمد منصور، عبد الهادي الخواجة، وناجي فتيل، عبد الجليل السنكيس وحسن مشيمع إلى ظروف احتجاز قاسية، ويعانوا الإهمال الطبي، والحبس الانفرادي، وأحيانًا الاعتداءات البدنية والتعذيب، الأمر الذي دفع العديد من هؤلاء المحتجزين إلى الإضراب المتكرر عن الطعام للضغط من أجل تحسين ظروف احتجازهم.[10]

كما يتكرر استخدام عقوبة الإعدام في البحرين بعد محاكمات غير عادلة. ففي يوليو 2019 تم إعدام علي العرب وأحمد الملالي بعد إدانتهما "بالانضمام إلى جماعة إرهابية وارتكاب جرائم قتل وحيازة متفجرات وأسلحة نارية للقيام بأعمال إرهابية"، وقد تم الحكم عليهما ضمن محاكمة جماعية في 31 يناير 2018. وأُجبرا على التوقيع على اعترافات تحت التعذيب، ومُنعا من حضور محاكمتهما، وحُكم عليهما غيابيًا بالإعدام.


الفهرس

شارك أصدقائك

مصر: محاربة الأمل وثقوب في جدار الاستبداد


الملابسات والظروف السياسية التي أتت بعبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم عقب انقلاب الجيش على الحقبة الديمقراطية القصيرة لثورة يناير، والانقلاب أيضًا على رغبة قطاع واسع من المصريين في تصحيح مسار الثورة في 30 يونيو 2013، جعلته يعتمد بشكل رئيسي على ثلاث آليات رئيسية لبناء سلطوية جديدة مستمرة حتى اليوم.

الأولى هي الاستغراق في صناعة العدو الداخلي والخارجي، وتوظيف الخطاب السياسي والإعلامي للدولة لبناء أكاذيب حول هذا العدو. ويقوم هذا الخطاب على الخلط المتعمد بين المعارضة السلمية للحكم، من خلفية سياسية أو حقوقية أو إعلامية، وبين نوايا هدم الدولة والتحالف مع الإرهاب وقوى خارجية معادية.

هذه الدعاية في صناعة العدو ترتبط بالآلية الثانية لتبرير نظام عبد الفتاح السيسي وهي خطاب تخويف المصريين من سيناريوهات هدم الدولة أو انتصار الإرهاب، أو سيادة الفوضى. إذ تم استخدام خطاب صناعة العدو وتخويف المصريين كغطاء سياسي لتبرير الآلية الثالثة المتمثلة في التوسع في سياسات القمع والبطش التي لجأت له سلطات الدولة دون توقف وبشكل غير مسبوق للتصفية الكاملة لأي صوت معارض أو مساحة مستقلة في الحياة العامة والسياسية، والمضي في الإجراءات الوقائية التي تحول دون ظهور أي خصم محتمل أو حراك سياسي وشعبي جديد. والمثال الأحدث هو اعتقال وفبركة اتهامات وأكاذيب ضد مجموعة من القيادات السياسية والمدنية الشابة في يونيو 2019 كانت تسعى لتأسيس تحالف عُرف بتحالف الأمل لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة. وقد شملت قائمة المقبوض عليهم النائب البرلماني السابق وعضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي زياد العليمي، والصحفي حسام مؤنس منسق حملة المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، والصحفي والناشط في مجال الدفاع عن الصحفيين والحريات هشام فؤاد، والناشط العمالي أحمد تمام، والكاتب والخبير الاقتصادي عمر الشنيطي، هذا بالإضافة إلى رجلي الأعمال أسامة العقباوي، ومصطفى عبد المعز. إذ اتهمت نيابة أمن الدولة المقبوض عليهم بمشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها ونشر وبث أخبار كاذبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض إثارة الفتن وقلب نظام الحكم. هذه الحملة ضد الأحزاب السياسية وقياداتها سبقتها حملة مشابهة تزامنًا مع التعديلات الدستورية التي تم تمريرها أبريل الماضي، إذ تم القبض على بعض القيادات الوسطى بأحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والدستور، والحركة الوطنية، ومصر القوية، وحزب العيش والحرية تحت التأسيس.

 وخلال عامي 2018 و2019 استمرت ممارسات الأجهزة الأمنية من تعذيب، وسوء معاملة للمعتقلين والمحتجزين، والإهمال الطبي المتعمد في السجون والمفضي إلى الموت، وهو ما ذهب ضحيته ضمن آخرين الرئيس الأسبق المنتخب محمد مرسي. وقد حذر تقرير استقصائي أصدرته منظمة هيومان رايتس فرست من "أن السجون المصرية قد تحولت –في السنوات الأخيرة في ظل حكم السيسي– لبؤر تجنيد لجماعات التطرف العنيف."[11]

استمر الاختفاء القسري ضد النشطاء السياسيين، والاعتقالات طويلة الأمد دون محاكمات، وعمدت السلطات إلى توظيف ما يُعرف في النظام الجنائي المصري بالإجراءات الاحترازية التي تفرض على من أُخلي سبيلهم، أو العقوبات التكميلية ضد من أمضى عقوبة السجن، إمعانًا في إذلال النشطاء وتقييد حريتهم في التنقل، وأنشطتهم اليومية بشكل عام.[12]

واستمر القضاء المصري في الإفراط في إصدار أحكام بالإعدام وتنفيذ بعضها في قضايا ومحاكمات واتهامات تحوم حولها الشبهات، ويغلب عليها الطابع الانتقامي، وذلك رغم وجود أدلة وقرائن قوية على ممارسة أجهزة الأمن للتعذيب بحق المتهمين لإجبارهم على الاعتراف. وبعض هذه الأحكام صدرت عن محاكم عسكرية. وقد صدرت أحكامًا بالإعدام ضد أكثر من 500 شخص خلال عامي 2018-2019 نفذتها السلطات المصرية ضد 66 شخص على الأقل.[13] بينما بقي مكان ومصير النائب البرلماني السابق مصطفى النجار مجهولًا منذ انقطاع الاتصال معه في 28 سبتمبر 2018 أثناء وجوده في أسوان.

وفي إطار مساعي السلطات المصرية لإقناع الرأي العام بسجلها في محاربة الإرهاب، وبشكل خاص في إطار العملية العسكرية الشاملة التي بدأت في شبه جزيرة سيناء في أبريل 2018، ارتكبت جرائم جسيمة شملت قصف مناطق المدنيين، تهجير السكان في سيناء بشكل جماعي، القتل خارج نطاق القانون لأشخاص كانوا رهن الاعتقال، لبعضهم نشاط سياسي معارض. وتتكرر هذه الأعمال بشكل ملحوظ في أعقاب أي عمل إرهابي تشهده سيناء أو البلاد بشكل عام.[14]

على صعيد أخر يستمر فشل الدولة في حماية حقوق المواطنين المنتمين للديانة المسيحية في بناء دور العبادة، أو حمايتهم من الاعتداءات الطائفية. فقد أغلقت الأجهزة الأمنية كنيسة في محافظة سوهاج نتيجة احتجاجات الأهالي المسلمين، تضاف إلى سلسلة الكنائس التي تم إغلاقها منذ إقرار قانون بناء الكنائس عام 2016.[15]

ولا تزال الحكومة المصرية تعمل بدأب على حصار المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة، وشل قدرتها على العمل وملاحقة العاملين فيها قضائيًا. كما يستمر فرض منع السفر على نحو 31 حقوقيًا، بعضهم ممنوع من السفر منذ عام 2014، فضلًا عن منع 10 مدافعين عن حقوق الإنسان من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم، وتجميد حسابات 7 منظمات حقوقية. كما دأبت وسائل الإعلام المصرية القريبة من السلطة على شن حملات تحريضية ضد الحقوقيين، وصلت حد التهديد بالقتل والخطف ضد بعضهم. كما تعرض بعض المحامين والباحثين والعاملين في المنظمات الحقوقية للاعتقال والاختفاء القسري. فعلى سبيل المثال لم يتحدد مصير أو مكان الباحث إبراهيم عز الدين عضو المفوضية المصرية للحقوق والحريات منذ اعتقاله في يونيو 2019، حتى وقت إعداد هذا التقرير. [16]

صادق السيسي أيضًا على قانون جديد للجمعيات الأهلية في أغسطس2019 كبديل للقانون رقم 70 لسنة 2017، الذي لاقى اعتراضات داخلية ودولية واسعة. ولا يزال القانون الجديد يحمل الفلسفة العدائية ذاتها لمنظمات المجتمع المدني؛ بهدف إخضاعها للأجهزة الأمنية، وتقييد تأسيسها، والتدخل في إدارتها الداخلية أو تلقيها التمويل الداخلي والأجنبي. ورغم أن القانون الجديد ألغى العقوبات السالبة للحريات إلا أنه استحدث غرامات مالية باهظة. كما أن العديد من التشريعات الأخرى ومنها قوانين مكافحة الإرهاب، والتظاهر، والتجمهر تكفي لمحاكمة واعتقال النشطاء الحقوقيين.

كذا استمر الرئيس في توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والمخابراتية في هندسة مؤسسات الدولة النيابية والإعلامية والقضائية. وفي إطار سعي الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة، أجرى في النصف الأول من عام 2018 انتخابات رئاسية هزلية بلا مرشحين أو مراقبين، بعد إقصاء وقمع أي صوت معارض أو خصم انتخابي محتمل، وصولًا لطرح تعديلات دستورية تشرعن بقائه في الحكم، وتقضي على ما تبقى من هامش استقلال محدود للسلطة القضائية، فضلًا عن تمكين المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من التحكم في مؤسسات نظام الحكم بشكل دستوري، والتحكم في مخرجات أي عملية انتخابية مستقبلية.

إلا أن هناك أزمات متتالية تواجه النظام المصري قد تتطور بشكل تراكمي لإحداث تغييرات مفاجئة وغير متوقعة.


الفهرس

شارك أصدقائك

اليمن: استمرار المأساة الإنسانية ومواجهات عسكرية جديدة


يقدم النزاع الممتد في اليمن نموذجًا آخرًا لتشابك العوامل الخارجية، عبر التداخل العسكري المباشر أو بالوكالة لقوى إقليمية متصارعة المصالح الاقتصادية والسياسية، مع سلسلة من التناقضات الداخلية ذات الأبعاد التاريخية في إدارة الدولة والتعددية وتحقيق الاندماج الوطني. هذا النزاع المسلح الداخلي ذو البعد الدولي يستمر في إشعال الأوضاع الإنسانية في اليمن، بحيث أصبحت –بحسب الأمم المتحدة– أسوأ كارثة إنسانية في العالم اليوم، قُتل على أثرها أكثر من 90 ألف شخص، ووضعت أكثر من 20 مليون شخصًا في ظروف إنسانية خطيرة.

 الفشل المتكرر في وقف الحرب الدائرة في اليمن، أدى إلى اتساع نطاق النزاع؛ فبعد أن كان نزاعًا داخليًا في 2014، دفع التدخل العسكري المباشر للسعودية والإمارات في مارس 2015 قوات الحوثيين إلى التوسع في توجيه ضربات انتقامية مباشرة عبر الصواريخ والطائرات المسيرة لأهداف داخل الأراضي السعودية، من بينها منشآت نفطية ومطار وحقول غاز.

على صعيد أخر فالاستقطاب السياسي والمواجهات العسكرية بين جماعة الحوثيين المدعومة إيرانيًا من جهة، وبين ما عُرف بتحالف الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي ومن ورائه التحالف السعودي الإماراتي من جهة أخرى، لم يعد الخط الأوحد للنزاع المسلح الدائر اليوم في اليمن، فهناك جبهة أخرى تتعلق بنزاع داخلي متصاعد في جنوب اليمن يزيد من تعقيدات ودموية المشهد الكلي.

 ففي العام الأخير ازدادت حدة المواجهات العسكرية في جنوب اليمن بين القوى الانفصالية التي وجدت دعمًا إماراتيا، وبين حكومة هادي المدعومة من السعودية. وقد نُشرت تقارير حقوقية محلية ودولية تتهم الإمارات بإدارة معتقلات سرية في جنوب اليمن لاعتقال وتعذيب خصومها السياسيين في المنطقة. واستطاع الانفصاليون جنوب اليمن، ممثلين فيما يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي، من السيطرة على عدن في أغسطس 2019، الأمر الذي دفع عددًا من قيادات حكومة هادي للمطالبة بطرد الإمارات من التحالف السعودي.

أما بالنسبة للإمارات فنفوذها في جنوب اليمن يحقق لها مصالح اقتصادية حيوية في مجال تأمين الملاحة والتجارة في المنطقة. وتتعامل كلًا من السعودية والإمارات مع اليمن باعتبارها فضاءً استراتيجيًا هامًا لتأمين المصالح السياسية والاقتصادية واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، وبشكل خاص مواجهة النفوذ الإيراني.

وقد خلق انهيار الأمن وانتشار الميلشيات والعنف في اليمن أرضًا خصبة لأنشطة جماعات ميلشيات عسكرية متباينة المصالح والخلفيات الأيديولوجية، يأتي في مقدمتها تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، الناشطان في أماكن متفرقة من اليمن. وتفرض الأطراف المتحاربة، وخاصةً التحالف السعودي الإماراتي، حصارًا بحريًا وبريًا وجويًا على اليمن، وهو ما ضاعف بدوره من تدهور الكارثة الإنسانية، حيث تستمد اليمن أكثر من 70% من غذاء شعبها واحتياجاتهم الصحية من الواردات الخارجية.

وبحسب تقرير صادر في 2019 عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية؛ يحتاج 84% من السكان في اليمن للحماية والمساعدات الإنسانية، ويهدد خطر المجاعة 10 مليون يمني،[17] بينما أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في نوفمبر 2018 عن مقتل نحو 7 آلاف مدنيًا وإصابة أكثر من 10 آلاف آخرين منذ بداية الحرب، وأكدت المفوضية أن غالبية الخسائر "نتجت جراء الغارات الجوية التي نفذتها قوات التحالف بقيادة السعودية"[18] وهو ما سبق وأشار إليه فريق الخبراء البارزين الإقليميّين والدوليّين المعني باليمن في تقاريره الصادرة في أغسطس 2018، وسبتمبر 2019 حيث أعلن الفريق استنتاجه بتورط جميع أطراف الصراع في ارتكاب جرائم حرب، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قتل وتعذيب واعتقالات تعسفية، واختفاء قسري، وعنف ضد المرأة.

وفي 31 أغسطس 2019، شن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هجومًا على موقع للاحتجاز تابع للحوثيين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخصًا، بينهم أربعة أطفال على الأقل. وقد اعتبر فريق الخبراء البارزين بشأن اليمن أن هناك "افتقار واسع النطاق للمساءلة" حيث لا يرغب- وربما لا يقدر- الحوثيون والتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والحكومة اليمنية في تنفيذ عمليات مساءلة موثوقة.

 ورغم فشل المجتمع الدولي في الضغط على القوى الإقليمية والداخلية المتورطة في النزاع لإيجاد حل لوقف العنف المسلح، تستمر قوى غربية رئيسية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا في إمداد التحالف السعودي بالأسلحة والمعدات العسكرية التي تُرتكب بها الجرائم الجسيمة ضد المدنيين والأهداف المدنية في اليمن.[19]


الفهرس

شارك أصدقائك

العراق: سيادة السلاح والميلشيات وغياب مشروع الدولة


شهد العراق منذ عام 2018 تصاعدًا في الاحتجاجات الاجتماعية في بعض المدن العراقية ضد الفساد وانتشار البطالة وسوء الخدمات العامة، وأيضًا ضد توحش ميلشيات الحشد الشعبي التي ساهمت السلطات العراقية في تقويتها أثناء محاربة تنظيم الدولة الإسلامية منذ عام 2014.

 واجهت السلطات العراقية هذه الاحتجاجات بالقوة مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. كما تعرضت بعض قيادات هذه الاحتجاجات للاغتيال والتصفية خاصةً في محافظة البصرة والتي بدأت فيها الاحتجاجات الشعبية في يوليو 2018. ففي سبتمبر 2018 تم اغتيال المدافعة عن حقوق الإنسان سعاد العلي، والتي كان لها دور قيادي في احتجاجات البصرة. كما قُتل المحامي الحقوقي جابر محمد الكرم في يوليو 2018 على أيدي مسلحين مجهولين، وكان للكرم دورًا بارزًا في الدفاع عن المتظاهرين المعتقلين بالبصرة.

في يوليو2019 أصدر رئيس الوزراء العراقي مرسومًا يقضي بضم كافة ميلشيات الحشد الشعبي تحت لواء القوات الحكومية، ونزع تسليحها، إلا أن تنفيذ هذا المرسوم يواجه صعوبات سياسية وأمنية.

من ناحية أخرى تستمر الانتهاكات والجرائم الخطيرة ضد العاملين في مجال الإعلام والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، ففي يناير 2019 تم العثور على جثمان المصور الصحفي سامر علي الحسن مقتولًا بالرصاص في شرق بغداد. وفي فبراير 2019 اغتال مسلحون الروائي علاء مشذوب أمام منزله في مدينة كربلاء، وهو المعروف عنه كتاباته وانتقاداته لممارسات الميلشيات القائمة على أساس طائفي العراق. كما واجه العاملون على توثيق جرائم الاختفاء القسري، ومنهم أعضاء جمعية الوسام الإنسانية، إجراءات انتقامية شملت التهديد بالقتل، والاعتقال، والاختطاف.

وفي النصف الأول من هذا العام طرح البرلمان العراقي مشروع قانون للجرائم المعلوماتية يفرض قيودًا صارمة على حرية التعبير عبر وسائل الإنترنت. وبحسب منظمة هيومان رايتس ووتش فقد واجهت المنظمات الإنسانية وعمال الإغاثة في المناطق المحررة من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل ونينوى تهديدات أمنية وعنف ومضايقات، وأحيانًا اتهامات بالإرهاب لمنعهم من توفير المساعدات الإنسانية للمدنيين في هذه المناطق أو إجبارهم على التعاون الأمني.

من ناحية أخرى شهدت العلاقات بين الإدارة الذاتية لإقليم كردستان شمال العراق وبين الحكومة العراقية توترًا حادًا في نهاية عام 2017، بعد إقدام الإقليم على خطوة أحادية الجانب لإجراء استفتاء حول مصير الإقليم، ما دفع بالحكومة العراقية إلى فرض عدد من الإجراءات العقابية على الإقليم من بينها منع رحلات الطيران الدولي للإقليم، واستخدام القوة العسكرية لطرد القوات الكردية من المناطق الحدودية المتنازع عليها بين الحكومة العراقية والسلطات الكردية، ومنها منطقة كركوك.

وفي منطقة كردستان شمال العراق، تزداد الانتهاكات ضد الإعلام وسط أعمال من التوقيف والاختطاف والاعتقال التي تضطلع بها القوات العسكرية التابعة للأحزاب الحاكمة في المنطقة. كما ساهم استمرار التدخل العسكري التركي؛ لمواجهة عناصر ومواقع حزب العمل الكردستاني الناشط في الأقاليم التركية، في توتر الأوضاع الأمنية في الإقليم، وسقط على إثره قتلى وجرحى من المدنيين.


الفهرس

شارك أصدقائك

ليبيا: تعثر السلام وتجدد النزاع المسلح


لا تزال ليبيا تشهد صراعًا عنيفًا على السلطة وسط تدخل قوى إقليمية ودولية ذات مصالح متعارضة. وقد تعرضت الجهود الدولية لتحقيق السلام في ليبيا لانتكاسة عميقة عقب التصعيد العسكري الذي قاده خليفة حفتر في مواجهة حكومة الوفاق في أبريل 2019، بتقدم القوات الموالية للحكومة المؤقتة ومجلس النواب، والمتواجدة في الشرق والجنوب الليبي، باتجاه العاصمة طرابلس، وبمساندة مجموعات مسلحة موالية بهدف "معلن" من قائدها خليفة حفتر بمكافحة الإرهاب ومواجهة الميلشيات المسيطرة عليها. بينما أعلن فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي وأعضاء حكومته رفضهم ومقاومتهم للهجوم، وأعربوا عن نية رده والتصدي له، وفقًا لما هو معلن باستخدام قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني ومجموعات مسلحة متحالفة معها.

هذا النزاع المسلح بن الفصائل المتحاربة الأكبر في ليبيا شكّل تصدعًا اجتماعيًا واستقطابًا قبليًا نتج عنه نزاع مسلح قبلي في المنطقة الجنوبية، أسفر حتى الآن عن عشرات القتلى والمصابين. وكنتيجة مباشرة لتلك التطورات السياسية والعسكرية انتشرت انتهاكات حقوق الإنسان، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ظل إفلاتٍ تام من العقاب والمحاسبة. ولاتزال قائمة الانتهاكات تزداد بسرعة، بما في ذلك عمليات الاختطاف، والاختفاء القسري، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، وأسواق الرقيق، والسجن الجماعي، وإساءة معاملة اللاجئين والمهاجرين، وتجنيد الأطفال، واستهداف بعض المجموعات المسلحة للمدنيين.

 وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ومنذ أبريل 2019، شهدت ليبيا مقتل 106 مدنيًا، وإصابة 294 آخرين، فضلًا عن تشرّيد 10.000 ليبيّ على مختلف أراضي الدولة. وقد سجلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، حتى 15 أغسطس أكثر من 37 اعتداءً على العاملين في مجال الصحة والمرافق الطبية؛ إذ تمّ الاعتداء على 19 مستشفى، ومقتل 11 فردًا من الطواقم الطبية، وهو ما يشكّل انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي الإنساني. ولم تسلم مراكز احتجاز المهاجرين من هذه الاعتداءات، ففي يوليو، تعرّض أحد مراكز الاحتجاز الرسمية في تاجوراء لقصف جوّي أودى بحياة 46 شخصًا، وأكثر من 130 جريحًا.

في السياق نفسه، يواجه النشطاء السلميين أوضاع أمنية شديدة الصعوبة، وسط انتشار ممارسات الاختفاء القسري، والاعتقالات التعسفية، والقتل خارج نطاق القانون؛ حيث أن مجرد انتقاد العمليات المسلحة أو الجماعات المتحاربة يعرض الإعلاميين والنشطاء والسياسيين –والناشطات تحديدًا– لعمليات انتقامية. ففي يوليو 2019 تم اختطاف النائبة البرلمانية والمدافعة عن حقوق المرأة سهام سرقيوة من منزلها في بنغازي بعد انتقاداتها لعمليات حفتر، ولايزال مصيرها مجهولًا حتى وقت إعداد هذا التقرير. وفي الشهر نفسه، تم العثور على جثث لخمسة أشخاص تم قتلهم بالرصاص في منطقة الهواري ببنغازي. وبالطريقة ذاتها، عُثر في أكتوبر 2018 على 36 جثة لأشخاص تم قتلهم بالرصاص وإلقاء جثثهم في الطريق بمدينة الأبيار.

أما السلطات القضائية الليبية، في جميع أنحاء البلاد، فمازالت عاجزة عن ضمان المساءلة القانونية خاصةً فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. فضلًا عما تعانيه السلطات القضائية والمدعين العموم من صعوبات وتحديات جمة أهمها التحديات الأمنية. كما أن المحاولات الدولية للتوصل إلى اتفاق سلام وطني في ليبيا قلل من أهمية المساءلة الجنائية الوطنية والدولية، مما أسهم في عدم توفير رادع للعنف المستمر في البلاد، وبالتالي احتمالية تفاقمه أكثر.[20]

في فبراير 2019 أصدرت مفوضية المجتمع المدني قرارًا بتجميد عمل 37 منظمة مسجلة في بنغازي دون إبداء أسباب، وفي مارس 2019 أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق القرار رقم 286 لتنظيم عمل الجمعيات والذي يضع قيودًا على عمل المنظمات غير الحكومية. ولم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات حاسمة لتفعيل تقارير لجنة خبراء مجلس الأمن المكلفة بموجب القرار رقم 1970/2011، وما كشفت عنه من انتهاكات جسيمة بشأن حظر توريد السلاح والدعم العسكري من دول إقليمية ودولية مثل مصر والإمارات وتركيا. إذ تدعم تلك الدول مجموعات مسلحة في غرب وشرق ليبيا، بينها مجموعات راديكالية مسلحة قريبة من القاعدة والتيار السلفي المدخلي –مثل محمود الورفلي– ممن يزعمون الحرب على الإرهاب بينما ينتهجون ممارسات الإرهابيين ذاتها.


الفهرس

شارك أصدقائك

فلسطين: حقوق الشعب الفلسطيني بين غطرسة إسرائيل وانقسام الفصائل الفلسطينية


كان للتقارب السياسي والاستراتيجي بين الحكومة الإسرائيلية تحت رئاسة بنيامين نتنياهو والرئيسي الأمريكي دونالد ترامب آثارًا كارثية ودموية على الشعب الفلسطيني خلال العامين المنصرمين. فعلى صعيد التوسع الاستعماري الإسرائيلي، صعّدت الحكومة الإسرائيلية من بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية مهددةً باستمرار ضم أجزاء حيوية من الأرض الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية بشكل رسمي للسيادة الإسرائيلية، كما ضمت الحكومة الإسرائيلية هضبة الجولان السورية المحتلة رسميًا للأراضي الإسرائيلية.

التغييرات الجذرية في خريطة الضفة الغربية، والتي تمخضت عن استمرار سياسة الاستيطان الإسرائيلية ونزع أملاك وأراضي الفلسطينيين تُعِّقد عمليًا من فرص قيام الدولة الفلسطينية، وتُزيد من تدهور الأوضاع الأمنية في الأرض المحتلة. فقد وصل عدد المستوطنات الإسرائيلية 503 مستوطنة، 474 منهم في الضفة الغربية و29 مستوطنة في القدس الشرقية، وبلغ عدد المستوطنين نحو 600.000 مستوطنًا. بينما واصلت سلطات الاحتلال هدم المنازل وتشريد الفلسطينيين المقيمين في الأرض الفلسطينية المحتلة، لاسيما في القدس الشرقية؛ ففي يوليو 2019، توسعت سلطات الاحتلال في عمليات الهدم في بلدة صور باهر بالقدس الشرقية المحتلة بحجة أن المنازل تشكل "تهديدًا أمنيًا" لقربها من الجدار الاستيطاني، والذي يُعد بحد ذاته غير قانوني بموجب القانون الدولي.

من ناحية أخرى قررت إدارة ترامب في ديسمبر 2017 الاعتراف رسميًا بالقدس عاصمةً لإسرائيل، والعمل على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. كما اعترفت الإدارة الأمريكية في مارس 2019 بضم إسرائيل للجولان. كما أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عزمهما بدء مباحثات توقيع معاهدة دفاع مشترك بين الطرفين. وترددت طوال العام الأخير التقارير الصحفية والتصريحات السياسية حول الإعلان عن مبادرة جديدة عُرفت إعلاميًا باسم "صفقة القرن" لتسوية نهائية للقضية الفلسطينية تحت رعاية أمريكية، إلا أن ما تردد حول المبادرة يجعلها أقرب لمبادرة تهدف لتصفية الحقوق العادلة والقانونية للشعب الفلسطيني في استرداد كامل أراضيه المحتلة، طبقًا لقرارات الشرعية الدولية وفق مبدأ حل الدولتين، وعودة اللاجئين، وإنهاء الاستيطان بالكامل، والتفاوض العادل حول وضع القدس، فضلًا عن الاعتراف الكامل بدولة فلسطينية ذات سيادة.

على الجانب الآخر لم يتسم الموقف العربي فقط بالضعف الشديد أمام السياسات الإسرائيلية، بل نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في الحصول على دعم سياسي من جانب السعودية والإمارات ومصر لتلك الصفقة. وقد استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية القوة الباطشة في التعامل مع موجات التظاهر والغضب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة ضد قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها للقدس، ما خلّف عشرات القتلى والجرحى.

وطبقًا لتقرير لجنة لتحقيق الدولية التي شكلها مجلس حقوق الإنسان في مايو 2018، للنظر في تطور الوضع الميداني في الأرض الفلسطينية المحتلة في الفترة من 30 مارس إلى 31 ديسمبر 2018، فقد قُتل 183 شخصًا، بينهم أطفال وصحفيين وموظفي إغاثة، وأصيب 6106 أخرون. وقد استمرت هذه الأعمال العدوانية خلال النصف الأول من عام 2019.

يأتي هذا بينما يستمر تورط شركات أعمال خاصة دولية في أنشطة اقتصادية في الأرض الفلسطينية المحتلة. فعلى سبيل المثال، كشفت هيومان رايتس ووتش في تقرير أصدرته في نوفمبر 2018 عن تسهيل شركات airbnb وbooking.com تأجير عقارات تقع في المستوطنات الإسرائيلية. وكان مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قد أعد عام 2016 قاعدة بيانات تتعلق بالشركات ذات الأنشطة المتعلقة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأرض المحتلة، إلا أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان تأخرت في الإعلان عن هذه القائمة، والتي كان من المفترض أن تصدر في مارس 2017.

وتستمر سلطات الاحتلال في التصدي للمدافعين عن حقوق الإنسان والمنخرطين في حركات المقاومة السلمية من خلال الاعتقال الإداري والمحاكمات العسكرية، فعلى سبيل المثال استمرت محاكمة كلًا من المحامي فريد الأطرش والحقوقي عيسى عمرو منسق تجمع شباب ضد الاستيطان أمام المحكمة العسكرية في عوفر منذ عام 2018 باتهامات تتعلق بمشاركتهم في احتجاجات سلمية ضد سياسة الاستيطان.

وفي مارس 2018، تم تعديل قانون الدخول إلى إسرائيل لعام 1952، بما يمنح وزير الداخلية الإسرائيلي سلطة إلغاء حقوق الإقامة للفلسطينيين على أساس معيار إضافي هو "خرق الولاء" لإسرائيل. ووفقًا للقانون، يتم تعريف "خرق الولاء" بصيغته المعدلة، على أنه ارتكاب عمل إرهابي أو المشاركة فيه أو التحريض عليه، أو الانتماء إلى منظمة إرهابية، وكذلك ارتكاب أعمال الخيانة أو التجسس الخطير. هذا التعريف الفضفاض والغامض "لخرق الولاء" منح لوزراء الداخلية الإسرائيليين الحاليين والمستقبليين سلطة حرمان الفلسطينيين من حقوق الإقامة، استنادًا فقط إلى تفسيرهم الخاص بأن المقيم "قد ارتكب فعلًا يعتبر خرقًا للولاء لدولة إسرائيل"، ما أسهم في ارتكاب جريمة خطيرة تتمثل في نقل السكان والتلاعب الديموغرافي، في انتهاك لمعايير القانون الدولي الراسخة.[21]

على صعيد أخر لم ينجح اتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه في القاهرة في أكتوبر 2017 بوساطة مصرية في وضع حد للتشرذم السياسي والإداري بين قطاعي غزة والضفة الغربية، واحتواء أزمة الاستقطاب السياسي بين حركتي فتح وحماس، والمتواصلة منذ 2007. وفشل تطبيق هذا الاتفاق يؤكد على عمق الهوة بين الطرفين، وانعدام الثقة، فضلًا عن الاصطفاف الإقليمي والدولي خلف كل طرف. وقد نتج عن هذا الفشل تردي نوعي في حالة حقوق الإنسان في فلسطين، مضيفًا بعدًا أخرًا لمعاناة الشعب الفلسطيني بفعل الممارسات والسياسات القمعية للفصائل الفلسطينية.

 توسعت أيضًا السلطات في القطاعين في مواجهة الخصوم السياسيين، والتضييق على وسائل الإعلام والمدونين، والمنظمات غير الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويُعد قانون الجرائم الإلكترونية واحدًا من الأطر القانونية التي تستخدمها السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية لتقييد حرية الرأي والتعبير على الإنترنت. ورغم تعديل القانون في أبريل 2018، إلا أنه لا يزال يتضمن الكثير من القيود، والتي تُستخدم ضد الإعلام الإلكتروني، ونشطاء الإنترنت.

 وعلى صعيد أخر، أحدثت السلطة التنفيذية في الضفة الغربية تغييرات نوعية في تقويض مؤسسات نظام الحكم، ومبادئ الفصل بين السلطات وحكم القانون. فمنذ أن قررت المحكمة الدستورية حل المجلس التشريعي في ديسمبر 2018 لم يتم الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة. وأقدم الرئيس الفلسطيني على تعديل قانون السلطة القضائية، وتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي، يزيد من سيطرة وتدخل السلطة التنفيذية في شئون السلطة القضائية.


الفهرس

شارك أصدقائك

المغرب: استمرار تضييق المجال العام


تستمر السلطات المغربية في التضييق على أنشطة المجتمع المدني المستقل، وإبداء تسامح أقل مع الإعلام والصحافة النقدية. ويعد أبرز مثال على تضييق مساحات الرأي والتعبير، التي تعاني منه المغرب في السنوات الأخيرة، هو سلسلة المحاكمات والإدانات ذات الطبيعة السياسية التي خضع لها مئات النشطاء وأعضاء الحركات الاحتجاجية في بعض المناطق المهمشة في المغرب، مثل منطقة الريف شمال غرب المغرب، ومنطقة جرادة شمال شرق المغرب بسبب اشتراكهم في سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية والاعتصامات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أو الرافضة لسياسات الاستغلال البيئي والإضرار بالموارد الطبيعية.

وثقت تقارير في منتصف عام 2018 تعرض بعض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة في مقار الاحتجاز. وفي أبريل 2019 أكدت محكمة استئناف الدار البيضاء أحكامًا قاسية وصلت بالسجن لمدة 20 عامًا ضد أكثر من 40 ناشطًا ومتظاهرًا، منهم ناصر الزفزافي أحد أبرز قادة الحراك الشعبي في منطقة الريف. وقد بدأت الاحتجاجات في منطقة جرادة في نهاية ديسمبر 2017 بعد وفاة شقيقين صغيري السن في منجم للفحم، وتوسعت هذه الاحتجاجات خلال الربع الأول من عام 2018 بعد أن فقد عامل شاب ثالث حياته في فبراير في منجم آخر للفحم. وكانت الحكومة المغربية قد أغلقت صناعة استخراج الفحم في المدينة في عام 1998 دون توفير بدائل اقتصادية. ونتيجةً للظروف المعيشية القاسية وارتفاع معدل البطالة في أعقاب هذا القرار، اضطر العديد من سكان جرادة، خاصةً الشباب، إلى الانخراط في أنشطة التعدين الخطيرة في المناجم المهجورة. وقد سبق وحث المحتجون في جرادة الحكومة المغربية على تحسين الأوضاع الاقتصادية والبنية التحتية في مدينتهم، مطالبين ببدائل اقتصادية عن عمليات التعدين غير الآمنة. ولسنوات، تحمّلت السلطات المغربية نشاط التعدين غير القانوني والخطير وتجاهلت الشكاوى من قبل السكان حول التهميش والفقر والبطالة ونقص البنية التحتية والخدمات الأساسية. وردًا على تعبئة المتظاهرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصدر وزير الداخلية في 13 مارس حظرًا على الاحتجاجات غير المصرح بها في المدينة. وفي 14 مارس، قمعت قوات الأمن الاحتجاجات والاعتصام بالقرب من مناجم الفحم في قرية يوسف واحتجزت حوالي 55 ناشطًا.

تعرضت بعض المنظمات غير الحكومية، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعية جذور ذات الطابع الثقافي، للتضييق على تنظيم أنشطتها، وتسجيل فروعها الجهوية، أو منعها من مزاولة أنشطتها بسبب مواقفها النقدية تجاه سلطات الدولة. ففي أبريل 2019 رفضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بطلب الاستئناف الذي قدمته جمعية جذور، وبذلك أيدت القرار القاضي بحل الجمعية الصادر عن المحكمة الابتدائية في 26ديسمبر 2018. وعلى صعيد أخر دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرًا السلطات المغربية لضرورة تعديل مواد قانون العقوبات التي تخل بالحقوق الشخصية، والحق في الخصوصية على إثر قضية حديثة تم فيها حبس الصحفية المغربية الشابة هاجر الريسوني وخطيبها باتهامات تتعلق بالإجهاض، وإقامة علاقة غير شرعية.

من ناحية أخرى فإن استمرار جمود الحل السياسي لقضية الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو يترك تداعيات على ممارسة الحقوق والحريات الأساسية لسكان الصحراء، خاصةً المطالبون بالحق في تقرير المصير. وفي أبريل 2018، جدد مجلس الأمن دعمه الكامل لنية الأمين العام ومبعوثه الشخصي إعادة إطلاق مفاوضات جديدة بهدف التوصل لحل سياسي مقبول، إلا أن هذه الجهود لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة على الأرض.

تواصل السلطات المغربية التضييق على المظاهرات السلمية، أو الحق في التنظيم وتكوين الجمعيات المستقلة في الإقليم. بالإضافة إلى التضييق على الإعلاميين، خاصةً المبادرات الإعلامية الشابة المستقلة مثل مجموعة نشطاء للإعلام وحقوق الإنسان، ومبادرة إيكيب ميديا، وذلك في ظل تعليمات الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على أي شخص يصور عناصر الشرطة، في محاولة لتفادي نشر مقاطع من الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تُظهر السلطات المغربية العنف ضد المتظاهرين السلميين في الصحراء الغربية. فعلى سبيل المثال تعرضت المدونة والصحفية نزهة خالدي للتحقيق والمحاكمة في منتصف هذا العام بتهمة ممارسة الإعلام دون استيفاء شروط المهنة، طبقًا للمادة 381 من القانون الجنائي المغربي، وهي المادة التي استخدمت مرارًا لإدانة صحفيين بعد نشر أخبار وتقارير حول الاحتجاجات في منطقة الريف شمال المغرب. كما استمر نمط اعتقال النشطاء الصحراويين وتعريضهم لمحاكمات لها طابع سياسي، أو التضييق عليهم في العمل والسفر والتعليم. كذا فإن السلطات المغربية تمنع المراقبين الدوليين، وممثلي الإعلام الأجنبي من دخول الإقليم لبحث حالة حقوق الإنسان، وسماع شهادات منظمات حقوق الإنسان المستقلة. ففي شهر مايو 2019، حاصرت قوات الأمن المغربية مقر الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومنعت دخول معدات جديدة كان قد أحضرها عاملو الجمعية لغرض ضمن أنشطة الجمعية، ومنعت مجموعة من عناصر الأمن بملابس مدنية الموظفين من الدخول.


الفهرس

شارك أصدقائك

تونس: مكاسب نوعية وسط جمود وعثرات


نجحت الدولة التونسية عبر مؤسساتها في التعامل السلس والسريع مع ترتيبات انتقال السلطة عقب وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي إثر أزمة صحية في يوليو من هذا العام. فقد تم انتقال السلطة بشكل سريع وبتوافق بين جميع القوى السياسية إلى رئيس مجلس نواب الشعب، والذي دعا بدوره إلى انتخابات رئاسية سابقة لأوانها تليها الانتخابات البرلمانية.

ورغم المكاسب النوعية التي حققتها تونس في مجالات حقوق المرأة، والحقوق الشخصية، حرية تكوين الجمعيات، والأحزاب السياسية، وحرية الرأي والتعبير إلا أنه لم تجر بعد إصلاحات مؤسسية حقيقية في المؤسسات الأمنية والقضائية. فقد رصدت المنظمات الحقوقية التونسية والدولية استمرار ممارسات التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز، والاستخدام المفرط للقوة المميتة، خاصةً في إطار سياسات مكافحة الإرهاب، وسط سياسة لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب. واستمر رئيس الجمهورية في فرض حالة الطوارئ بشكل دوري، بما تمنحه من صلاحيات واسعة للأجهزة الأمنية في تقييد الحقوق والحريات الشخصية والعامة. بالإضافة إلى خروقات عدة سجلتها المنظمات الحقوقية بحق إعلامين ومدونين،[22] والمحتجين السلمين المهتمين بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والحقوق البيئية خاصةً في المناطق الجنوبية.[23] ولا يزال النشطاء العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الأقليات الجنسية يواجهون تهديدات وأحيانًا اعتداءات يتورط في بعضها أفراد أمن. وفي فبراير 2019 هددت الحكومة التونسية بحل جمعية شمس، المتخصصة في الدفاع عن حقوق المثليين والتي تسعى إلى إلغاء تجريم المثلية في تونس؛ بزعم اختراقها لثوابت المجتمع.[24]

على صعيد أخر اختتمت هيئة الحقيقة والكرامة أعمالها بصدور تقرير شامل في مارس من هذا العام حول إرث انتهاكات حقوق الإنسان والفساد السياسي في تونس. وقد مثلت جلسات الاستماع العام التي عقدتها الهيئة فرصة تاريخية هامة لتسجيل شهادات ضحايا جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان. وحولت الهيئة إلى القضاء التونسي 173 قضية، إلا أن مسار المحاكمات الجنائية عن ماضي انتهاكات حقوق الإنسان يواجه تحديات سياسية عميقة.

كذا، لم تُفعّل السلطة التشريعية والتنفيذية أي من التوصيات الواردة في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الصادر في يونيو 2018، والذي يعد خطوة نوعية وغير مسبوقة في المنطقة العربية في سبيل إصلاح السياسات التونسية في مجال القضاء على التمييز ضد المرأة، بما فيها تحقيق المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وضمان حقوق الأطفال، وإصلاح القوانين المخلة للحقوق الفردية، والحق في الخصوصية. هذا التقرير هو نتاج عمل اللجنة التي شكلها الرئيس الراحل السبسي في أغسطس2017 وترأستها البرلمانية والمدافعة عن حقوق المرأة السيدة بشرى بلحاج حميدة.


الفهرس

شارك أصدقائك

الهوامش


[1] يرصد هذا التقرير الموجز أهم مؤشرات حقوق الإنسان في المنطقة العربية في الفترة من يناير 2018 حتى أغسطس 2019. لا يهدف التقرير إلى تقديم رصد حصري للانتهاكات الحقوقية لكن يسعى لقراءة أهم أنماط هذه الانتهاكات في سياقاتها السياسية المحلية والإقليمية.

[2] See Amnesty International, “Moroccan human rights defenders targeted using malicious NSO Israeli spyware’, October 2019. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2019/10/moroccan-human-rights-defenders-targeted-using-malicious-nso-israeli-spyware/. Amnesty International, ‘Israeli spyware firm NSO must match words with action’, September 2019. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2019/09/nso-spyware-human-rights/

[3] See Sudan: Un Experts Denounce Internet Shutdown, Call for Immediate Restoration. 8 July 2019. Available at: https://www.ohchr.org/EN/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=24803&LangID=E

[4] See Catherine Byaruhanga, ‘Rape and Sudan’s Revolution: They were Crying and Screaming’, BBC.
https://www.bbc.com/news/world-africa-48634150

[5] Report by the African Centre for Justice and Peace Studies. (2018) ‘Attacks by Sudanese Government Forces on Civilians in Jebel Matta in South Darfur’. Available at:
http://www.acjps.org/attacks-by-sudanese-government-forces-on-civilians-in-jebel-marra-in-south-darfur/

[6] Amnesty International. (2016) ‘Scorched Earth, Poisoned Air’. Available at:

https://www.amnesty.org/download/Documents/AFR5448772016ENGLISH.PDF

[7] See Front Line Defenders, ‘Kamal Fekhar Does of Medical Negligence’, May 2019.

https://www.frontlinedefenders.org/en/case/kamal-eddine-fekhar-dies-medical-negligence-hunger-strike-while-targeting-human-rights

[8] See CIHRS. (2018) ‘7 Years without Justice in Syria’. Available at:
https://cihrs.org/7-years-without-justice-in-syria-world-turns-away-as-civilian-slaughter-continues-unabated/?lang=en

[9] See Raed Al Saleh. (2019) ‘I thought I’d Seen all the Horrors Possible here in Idlib-until now’’. The Guardian. Available at: https://www.theguardian.com/global-development/2019/oct/08/horrors-idlib-white-helmets-syria

[10] See Human Rights Watch, ‘Bahrain: Prisoners Denied Medical Care’, October 2019.

https://www.hrw.org/news/2019/10/08/bahrain-prisoners-denied-medical-care. And Front Line Defenders, Ahmed Manssor Tortured in prison. https://www.frontlinedefenders.org/en/case/ahmed-mansoor-detained

[11] أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان النسخة العربية من التقرير تحت عنوان "كالنار في الهشيم: نمو التطرف العنيف داخل السجون المصرية". https://cihrs.org/نمو-التطرف-العنيف-داخل-السجون-المصرية/#pdf

[12]  الجبهة المصرية لحقوق اﻹنسان، "عقوبة فوق العقوبة: المراقبة الشرطية وتطبيقاتها على المعارضين والانتهاكات المصاحبة لها"، مارس 2018.

http://egyptianfront.org/ar/wp-content/uploads/2018/09/%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A9-4.pdf

[13]  أنظر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "رصد أحكام اﻹعدام من 2011-2019”، متاح عبر الرابط التالي:

https://eipr.org/publications/بالأرقام-رصد-لأحكام-الإعدام-في-مصر-من-2011-إلى-2019

[14]  أنظر تقرير هيومان رايتس ووتش، "انتهاكات قوات الأمن المصرية ومسلحي داعش في شمال سيناء"، مايو 2019.

https://www.hrw.org/ar/report/2019/05/28/330456

See Reutres investigative report ‘Egypt kills hundreds of suspected militants in disputed gun battles’, April 2019. Available at: https://www.reuters.com/investigates/special-report/egypt-killings/

بهي الدين حسن، "رسائل للرئيس الفرنسي قبيل زيارته لمصر"، يناير 2019

https://cihrs.org/رسالة-للرئيس-الفرنسي-قبيل-زيارته-لمصر/

[15]  أنظر بيان صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في أبريل 2019

https://eipr.org/press/2019/04/المبادرة-المصرية-تدين-قيام-أجهزة-الأمن-بغلق-كنيسة-نجع-الغفير-بسوهاج-وترصد-غلق-22-كنيسة

[16] أعلن محاميو إبراهيم عز الدين عن ظهوره في نيابة أمن الدولة للتحقيق معه في نوفمبر 2019.

[17] UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Updates on Yemen. July 2019.

https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-update-covering-26-july-28-august-2019-issue-11-enar

[18] See statement by the Office of the High Commition of Human Rights, November 2018. https://news.un.org/en/story/2018/11/1025431

أنظر أيضًا مواطنة لحقوق الإنسان، التقرير السنوي لعام 2018 حياة تذوي، https://mwatana.org/withering-life2018/

[19] أنظر تقرير فريق الخبراء الدوليين والإقليميين المقدم إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، "حالة حقوق الإنسان في اليمن" سبتمبر 2019.

https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/G19/240/85/PDF/G1924085.pdf?OpenElement

[20] See Smith, J. and Salem, K. (2019) ‘International Accountability as a Tool to Empower and Protect’. Available at: https://cihrs.org/libya-and-international-justice-symposium-impunity-begets-impunity/?lang=en

[21] Al-Haq. (2018) ‘Punitive Residency Revocation: The Most Recent Tool of Forcible Transfer’.

http://www.alhaq.org/advocacy/6257.html

[22] See Human Rights Watch. (2019) ‘Tunisia: Bloggers Held for Criticizing Officials: Arrests, Charges Lead to Self-Censorship’. Available at: https://www.hrw.org/news/2019/01/25/tunisia-bloggers-held-criticizing-officials

[23] أنظر تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

https://ftdes.net/ar/ost-rapport-du-troisieme-trimestre-2019-des-mouvements-sociaux-suicides-et-violences/

[24] Human Rights Watch. (2019) ‘Tunisia: Effort to Shut Down LGBT Group’. Available at:

https://www.hrw.org/news/2019/02/26/tunisia-effort-shut-down-lgbt-group

PDF



الفهرس

شارك أصدقائك

صورة الغلاف: الفنان العراقي هاني دلة علي

This post is also available in: English