الجماعة الدينية أم الحزب السياسي: هل يمكن التوفيق بين حزب سياسي ومرجعية دينية؟

In صالون بن رشدby CIHRSLeave a Comment

تحت هذا العنوان، عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ندوة في إطار صالون ابن رشد، في 12 مارس 2007، شارك فيها كل من خليل عنـاني الكاتب والمحلل سياسي بمجلة السياسة الدولية، سامح فوزي الكاتب وباحث، عمـرو الشوبكي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، صبحي صالح عضو مجلس الشعب عن الإخوان المسلمين، وقد تولى إدارة الندوة معتز الفجيري مدير البرامج بمركز القاهرة.
أشار صبحي صالح إلي إمكانية التوافق بين حزب سياسي ومرجعية دينية، مستدلا علي ذلك بالعديد من نماذج الدول التي تتبع هذا النهج في أوروبا وأمريكا واسرائيل .
قال صالح أن هناك فرق بين الحزب والمرجعية، موضحا أن الحزب في تعريفه هو جماعة تسعى إلي السلطة بغرض تحقيق برنامجها أو مشروعها، أما المرجعية فتمثل الأيديولوجيات أو الفلسفات، مؤكدًا أن الحزب السياسي لا ينشأ من فراغ، ولا بد أن يكون له مرجعية يعتنقها، وإن كانت هذه المرجعية لا تفرق بين أحد أو تحرم أو تصادر فهي مقبولة.
أشار صالح إلي محاولات سابقة لجماعة الإخوان المسلمين لتكوين وإنشاء الحزب السياسي ، بدأت عام 1984 في عهد المرشد العام السابق عمر التلمساني، وكان تحت مسمي “حزب الشورى” وقال إن المرجعية الإسلامية هي مرجعية مدنية بطبيعتها لأن الشريعة الإسلامية تتضمن 3 أنواع من الأحكام، تفصيلية، ومبادئ عامة، ومصالح مرسلة. وأضاف: إن الفقه الإسلامي فقه مدني أيضا والدليل تنوع المذاهب الفقهية التي نشأت مع نشأة الإسلام، مثل مذاهب الصحابة المختلفة والمذاهب الأربعة المبنية على مذاهب الصحابة.
ولفت صالح إلي أن الدستور المدني هو دستور تتفق عليه الأمة، بينما الدستور الإسلامي هو دستور آمنت به الأمة، وتساءل: هل الفقه الإسلامي أو المرجعية الإسلامية تنفي الآخر؟! مجيبًا: أنه بالتأكيد لا تنفي الآخر سواء اعتقادًا أو تشريعًا أو سلوكًا، بل بالعكس الشريعة الإسلامية تقدس حق الآخر والأشد من ذلك أن الآخر قي الشريعة الإسلامية جزء من عقيدتنا بمعني أن العقيدة الإسلامية تعتمد علي شمولية المحتوي وإنسانية المقصد وعلمية الأسلوب.
وأضاف: إن الحضارة الإسلامية شارك في صنعها غير المسلم، ونحن نطرح مرجعية احتوت العالم قبل أن يحتويها هذا العالم.
من جانبه أكد د.عمرو الشوبكي أن التعديلات المراد إدخالها علي المادة الخامسة من الدستور ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوضع سياسي صعد فيه الإخوان المسلمين وتراجعت فيه الأحزاب المصرية، مشيرًا إلي فوز الإخوان المسلمين بـ 88 مقعدٍ من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات الأخيرة.
واتفق الشوبكي مع ما ذكره صالح حول مسألة أن النصوص الإسلامية تحترم الآخر، وأشار إلي أن التخوفات أو الهواجس من وجود حزب سياسي ذو مرجعية دينية تكمن في تحول هذه المرجعية إلي نوع من أنواع الوصاية علي الجمهور باسم الدين، مؤكدًا أن الإخوان المسلمين قدموا إشارات تنفي هذه المسألة تمامًا، وطالب الإخوان بتجديد رؤيتهم في هذا الموضوع مرة أخرى مع وضع مجموعة من الشروط لتفعيل هذه المرجعية عبر آليات مدنية محددة مثل: من يحسم تطبيق القوانين ومطابقتها للمبادئ الإسلامية، هل هم رجال الدين أم رجال القانون؟
وصف الشوبكي الجدل الحالي حول التخوف من تكوين حزب سياسي للإخوان المسلمين ذو مرجعية إسلامية، بأنه جدل مبالغ فيه، وبمثابة تفتيشٍ في النوايا، موضحًا أن الإخوان المسلمين بدأوا يترجمون مشروعهم الفكري إلي ممارسات على أرض الواقع، من خلال دخول الإخوان مجال العمل العام مثل النقابات وغيرها، رغم أن الأمر لا يزال يحتاج إلي نقل كل أفكار الإخوان إلي ممارسة نسبية على أرض الواقع لمحو هواجس الخوف التي تدور في أذهان الآخرين.
وشدد الشوبكي علي ضرورة أن يصبح للإخوان المسلمين حزبًا سياسيًّا يختار المرجعية التي يريدها طالما في إطار الدستور المدني والدولة المدنية، مبينًا أن الإخوان إذا قبلوا بتكوين حزب سياسي سيكون هناك ثمن لابد أن يدفعوه مقابل ذلك، خاصة أن هذا الحزب سيمثل مرحلة التأسيس الثاني أو الولادة الثانية لجماعة الإخوان المسلمين.
ومن وجهة نظر الشوبكي، فإن هذه المرحلة ستكون صعبة ولكنها ليست مستحيلة، خاصة وأن الجماعة تستطيع القيام بذلك الآن، وأنه حان الوقت للفصل بين المجالين الدعوي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين وظهور نمط جديد لعضوية الحزب السياسي وأفكاره الجديدة.
أوضح الشوبكي أن الجزء الكبير من الثمن الذي سيدفعه الإخوان المسلمين في حالة خروج حزبهم السياسي سيكون الاشتباك أو الاصطدام مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي لا تعترف بها الجماعة حاليًا، خاصة وأن هذا الحزب سوف يكون أكبر أحزاب المعارضة المصرية، والمرشح الأول للوصول للحكم، مشيرًا في هذا الصدد إلي تجربة حماس وبعض الحركات الإسلامية الأخرى، وقال إن حماس ترفض اتفاقات أوسلو رغم أنها وصلت الي الحكم عبر هذه الاتفاقات، مشيرا إلي أن الحركات الإسلامية إجمالا عليها أن تختار بين أن تظل كحركة ضمير وتعبئة للناس ، أو تتحمل مسئووليات تحولها لحركات وأحزاب سياسية ، وفي مقدمة ذلك العمل وفق آليات وشروط وقواعد الدولة المدنية والدستور المدني .
وبيَّن الشوبكي أن تجربة الإخوان السياسية في السنوات الأخيرة كانت عوامل الإيجاب فيها أكثر من عوامل السلب، رغم كونها مازالت جماعة غير قانونية أو (محظورة) مؤكدًا أن الجهود الكثيرة المبذولة لاستبعاد الإخوان من المجال العام تأتي في إطار معاقبتهم علي الجوانب الإيجابية التي قاموا بها، وليس- كما يصورون- أنه بسبب التخوف منهم.

وفي بداية حديثه قال الباحث سامح فوزي أنه لم تحدث علي مدار التاريخ المصري لحظات انعطاف وقع فيها انفصال بين الدولة والدين ، وأنه علي العكس من ذلك فان كثيرا من الأفكار التي ساهمت في تطوير المجتمع المصري جاءت من أشخاص متدينين أو كانوا جزءا من المجتمع الديني، مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، مؤكدا علي حق أي تيار سياسي في أن تكون له مرجعيته التي تخصه ، لكن ما يخص الجمهور هو برنامج هذا التيار أو ذاك ، وأن يحظي هذا البرنامج بالقبول العام ، ويتعامل مع مفردات الحياة اليومية لهذا المجتمع .
رأي فوزي أن هناك اجتهاد إسلامي لإسلاميين مستقلين كطارق البشري وسليم العوا، أو إسلاميين منتمون لحزب الوسط، تفوَّق علي الاجتهاد الذي تطرحه جماعة الاخوان المسلمين ، خاصة فيما يتعلق بقضية المواطنة .
دعا فوزي جماعة الاخوان المسلمين إلي تحديد مواقفها تجاه تساؤلات وقضايا مهمة، إذا أرادت التحول لحزب سياسي، وفي مقدمة ذلك تحديد ولاء هذا الحزب وموقفه من الانتماء لمجتمعه الذي يعيش فيه ، لافتا الي ما سبق للاخوان طرحه ، فيما يتعلق بقضية الأممية الإسلامية، مضيفا أن الأمر الآخر يتعلق بتحديد موقف هذا الحزب من التطور السياسي والقانوني والوطني لمجتمعه ،وتحديد تحيزات الحزب الاجتماعية والاقتصادية وأي الشرائح المجتمعية التي يستهدفها ، منتقدا حديث الاخوان عن ” حزب للجميع ” ، وقال أن هذا الحديث نوع من الخيال السياسي .
قال فوزي ان هناك عدة شروط تحكم السياق العام في هذا الإطار، وتضع بنية سياسية تنافسية في هذا المجتمع، وهي: التعبئة السياسية المتمثلة في البرنامج الذي يطرحه الحزب للإجابة عن كافة التساؤلات التي تخص الجمهور، والشرعية السياسية وأساسها الإنجاز، باعتبار أن الشرعية الدينية هي شرعية من لا إنجاز له، وأن تكون السياسات بمنطق النفع العام ولا يتم تبريرها بالرجوع للمرجعية الدينية، وألا يتم إقصاء مواطنين أو مجموعات أو فئات معينة من المجتمع مثل الأقباط والمرأة وغير ذلك، وأن يكون المجال العام مفتوحًا للجميع لأنه ليس ملكًا لأحد وألا يتم تسويغ أي مظهر من مظاهر العنف بالرجوع إلى نصوص دينية، وأن ننأى بقدسية الدين ونبتعد به عن الاستدعاءات الوظائفية العشوائية.
ورأي خليل العناني أن الدولة العربية تمر بلحظة من الانكشاف والضعف منذ خمسة عقود ، ومرحلة مفصلية هي الأسوأ في تطورها السياسي، وهو ما يحول بينها وبين مناقشة مثل هذه الموضوعات بشكل حيادي وحقيقي، مشددًا علي أن مصر ستظل دولة عربية مسلمة، ليس فقط بحكم الدستور، ولكن بحكم الشعور المجتمعي، لافتا في نفس الوقت الي أن هناك فارق بين المرجعية الدينية كمفهوم مطلق وبين استناد أي تيار سياسي إليها.
وقال أن فكرة المرجعية مرنة للغاية ومطاطة ، وتحتوي علي مجموعة من التعريفات ، في مقدمتها أن المرجعية تعبر عن الجهة التي يحتكم اليها طرفان مختلفان لا يستطيعان الوصول لحل في خلافهما هذا ، معتبرا أن الخلاف في مصر حول جواز أن يكون لأي حزب مرجعية دينية يرجع لتيار واحد يرفض هذا الطرح ، ويري أن الاعتماد علي الدين كمرجعية يمثل “ردة حضارية” ، إلي جانب تخوفات البعض الآخر من أن السماح لتيار كالاخوان المسلمين بالاستناد لمرجعية دينية ، سوف يجعل من الصعب منع أي تيار آخر متشدد أو أصولي من الاستناد لمرجعية دينية أيضا .
أضاف العناني : أن جميع الأحزاب ذات التوجه الاسلامي في العالمين العربي والاسلامي تنطلق من مرجعية اسلامية ، ولا يحدث حولها جدل كذلك الدائر في مصر ، بما يعني عدم وجود ما يمنع من قيام حزب سياسي علي مرجعية دينية ، وقال أن المشكلة عند جماعة الاخوان المسلمين هي أنه يتم التعاطي لديهم مع مفهوم المرجعية باعتباره مفهوما سياسيا وليس مفهوما قيميا ، الي جانب أنه يتم اللجوء اليه – من جانب الجماعة – باعتباره مفهوم دفاعي وقائي وذلك لاستدرار تعاطف الناس ، واكتساب مساحة لديهم ، علي حساب تيارات وأحزاب أخري .
أكد العناني أن هناك توقف في الاجتهاد الديني والفكري لدي جماعة الاخوان ، التي لم تستطع خلق منهج أو تراث تجديدي ، مشيرا الي أن الريادة الفكرية انتقلت من الجماعة المصرية ، الي تيارات اسلامية في المشرق والمغرب العربي ، مضيفا أن هناك اشكالية أخري لدي الاخوان في مصر تتعلق بالغموض في مواقفهم تجاه بعض القضايا كالمرأة والأقباط والمواطنة ، معتبرا أن برنامج الحزب الذي ستطرحه الجماعة سيكون بمثابة رد علي كثير من الجدل الدائر حول قيام حزب سياسي علي مرجعية دينية .
ورأي معتز الفجيري أن جماعة الاخوان لو كان لديها الاستعداد للاندماج الكامل بدولة المواطنة لكان الأولي بها أن تنضم للمطالبين بوضع ضوابط علي المادة الثانية من الدستور ، تحمي هذه المرجعية من الاستخدام السياسي .
وفي عودة للتعقيب أبدي صبحي صالح اتفاقا مع كثير مما طرحه المتحدثون ، وقال ان ولاء الحزب الذي تطرحه الجماعة هو الارتباط بالمجتمع مشيرا إلي أن الوطنية والقومية والأممية هي أمور طبيعية في الفكر الاجتماعي ، وأنها دوائر متداخلة وليست متعارضة ، وقال أن جميع دول العالم تتجه إلي التكتلات ، وتسعى إليها ، مشيرا إلي أن عناصر الأمة من غير المسلمين هم جزء من مكونات التكتل الإسلامي الذي تسعي إليه الجماعة .
وقال أن الحزب الذي تستهدفه الجماعة قائم علي منهج إسلامي، والشريعة الإسلامية قائمة علي جلب المنافع ودرء المفاسد، ولذلك فلا خوف من تطبيقها.
أكد صالح أن الانحياز الاسلامي يميل بشكل كبير إلي الطبقة الوسطي باعتبارها معيار أمان للسلم الاجتماعي، ومانع أمام انفجار أي مجتمع، وقال أن جماعته منتبهة جيدًا إلى عدم الانزلاق نحو الفرعيات علي حساب الأساسيات، والتي يحاول النظام الحاكم دفعها لذلك عن طريق حمل النخبة والقوى السياسية الأخرى إلى محاكمة الإخوان ومعاقبتهم، مشيرا الي أن التعديلات الدستورية أوقفت الجماعة عن الإعلان عن برنامج الحزب .
وحول الحديث عن دفع الثمن في حالة خروج الإخوان بحزب سياسي قال صالح: “إن الإخوان مستعدون لدفع الثمن بشرط تحقيق مكاسب لهذا الثمن؛ لأنه ليس من العقل أن أدفع الثمن دون ان أحقق أي مكاسب حقيقية على أرض الواقع”.
واختتم صالح حديثه قائلا: “نحن لا نطالب بتطبيقٍ تاريخي للشريعة الإسلامية، ولكن نطالب بتطبيق الشريعة مجردة من تصرفات الأفراد” وأضاف: وأنا أتبرأ من فترات الانحطاط التاريخي التي أساءت للإسلام والمسلمين عن طريق سوء تطبيق الشريعة الإسلامية حتي لو كانت من الإخوان المسلمين.

This post is also available in: English

اترك رد