الخارج مرفوض فهل يمكن التغيير من الداخل؟!

In صالون بن رشدby CIHRSLeave a Comment

حذر نشطاء حقوقيون وسياسيون من أن التأخر في إحداث تغييرات ديمقراطية داخلية في البلاد العربية –وفي مقدمتها مصر- سيؤدي إلى فرض هذه التغييرات من الخارج بأشكال متعددة بما لن يخدم مصالح المجتمعات العربية، وأكد البعض أن التغيير لن يحدث في هذه المجتمعات سوى بمساعدة الخارج والتلاقي معه. جاء ذلك في ندوة نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في إطار صالون ابن رشد تحت عنوان “هل التغيير السلمي من الداخل ممكن في العالم العربي؟. أكد في بدايتها بهي الدين حسن مدير المركز على أهمية طرح هذا التساؤل خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق، مشيرا إلى تأثر مختلف مناطق العالم بالتغييرات الديمقراطية فيما عدا المنطقة العربية.
ثم تحدث الدكتور سعد الدين إبراهيم مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية فأشار إلى أنه في مثل هذا الوقت تقريبا ومنذ عشرين عاما حاول مجموعة من المثقفين العرب تنظيم مؤتمر عن أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ولم يجدوا عاصمة عربية واحدة تتحمل أو تقبل أن يعقد فيها هذا المؤتمر فاضطروا إلى عقده في قبرص، معتبرا أن هذه كانت بداية حركة للتغيير في الوطن العربي؛ خاصة وقد عقد على هامشه المؤتمر التأسيسي لإنشاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان. ذكر إبراهيم أن هذه المبادرة جاءت بعد صيف حزين يكاد يشبه الفترة الحالية حيث كان اجتياح إسرائيل للبنان والذي قابلته الدول العربية جميعا بالشجب والاستنكار دون أن تحرك ساكنا للدفاع عن لبنان أو عن منظمة التحرير الفلسطينية.  واستطرد إبراهيم مشيرا إلى أنه عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان تم تنظيم مظاهرة وخرجت من الجامع الأزهر وقبل عدة أمتار تصدى لها جنود الأمن المركزي بالضرب والعنف، مشيرا إلى أنه بعد هذه الحادثة بثلاثة أيام خرجت مظاهرة في تل أبيب من نصف مليون مواطن للاحتجاج على ممارسات الحكومة الإسرائيلية واجتياحها للبنان وبعدها بنحو أسبوع خرجت مظاهرة كبرى في الجزائر، لكنها كانت هذه المرة احتجاجاً على حكم كرة قديم بلجيكي قال الجزائريون إنه ظلم فريقهم في مونديال عام 1982!!.
أكد إبراهيم أن رغبة التغيير في العالم العربي قديمة، لكن يجري إحباطها؛ مشيرا إلى أنه لا توجد حكومة عربية واحدة بادرت إليه رغم الحاجة الشديدة إليه وضرورته في مواجهة الخارج، مشيرا إلى أن القوتين اللتين يمكنهما إحداث التغيير هما إما قوة أهلية مدنية شعبية أو الطرف الأجنبي.
وشدد سعد على أنه إذا لم يأت التغيير من الداخل فسيفرض علينا التغيير من الخارج وبأجندته وليس بأجندتنا مطالبا بألا نستغرق في النقاش في ذم أمريكا وإسرائيل للهروب من السؤال، وأضاف أنه إذا كان يجب أن نشتم أمريكا وإسرائيل فإن عليهما معا مليون لعنة، ولكن يجب البحث عن إجابة للسؤال: هل نغير أم لا؟ وكيف نغير؟ مقترحا عددا من الأفكار في هذا الشأن في مقدمتها أن منظمات المجتمع المدني تدعو للعصيان المدني الذي استخدم في ثورة 1919 وفي الهند والذي نجح في توحيد مصر وقيادة ثورة أدت للاستقلال فيما بعد. وأشار إلى أن التغيير وتحريك المياه الراكدة لن يتحقق إذا ترك للحكومات أو للخارج، مشيرا إلى أن مصر والوطن العربي ظلا تحت الحكم العثماني أربعة قرون وكان الناس يخافون من التغيير والاجتهاد إلى أن جاءت الحملة الفرنسية التي تمت مقاومتها بدافع وطني قومي، لكنها كانت الحدث الذي حرك الماء الراكد وبدأ التغيير في المشرق العربي. أضاف أنه لو ترك الأمر لحكوماتنا فسوف ننتظر أربعة قرون أخرى، مدللا على ذلك بأن الحزب الوطني الحاكم يتحدث عن التغيير لكنه لا يغير شيئا، وقال: دعونا نحن نفعل شيئا ونكف عن لعن الظلام ونضئ ولو عدداً قليلاً من الشموع.
واختتم سعد الدين إبراهيم مداخلته، مشيرا إلى أنه لا يستبعد التغيير من الداخل ويتمنى ذلك، ولكن لا يجب أن نشغل أنفسنا بسؤال من أين يأتي التغيير وأن نبادر من الداخل وإذا أتت مساعدة من الخارج فلا نرفضها، مشيرا إلى أن هذا الرفض سيعتبر ازدواجية في المعايير لكون المجتمع يقبل المساعدات الخارجية في مختلف أوجه حياته وإذا أمكنه المساعدة في التغيير السياسي أو الاجتماعي فلا ينبغي أن يرفضها لمجرد أنها آتية من الخارج، ولكن المهم هو وضعها في السياق الخاص بالمجتمع.
وأشار إلى أنه ليس من أنصار المطالبة بالمدخل الشمولي في التغيير وأنه راضٍ بأي تغيير يبدأ، وأن الإصرار على أن يكون التغيير شاملا ومتكاملا وناجزا أو محققا لكل الأماني لن يؤدي لتغيير شئ وسيكون طلبا للمستحيل. وطالب بضرورة اتفاق القوى المختلفة على أمور؛ منها ضرورة الحد من سلطات رئيس الجمهورية وأن تكون الرئاسة لمدد محددة كأن تكون لمدتين على الأكثر، وأن تكون الانتخابات بين أكثر من مرشح وليست بالاستفتاء.
أجندة مختلفة
وتناول الكاتب والمفكر اليساري عبد الغفار شكر أطراف الحديث فأشار إلى أن التغيير والتحول الديمقراطي لا يحدث إلا بتوافر مجموعة من الشروط في المجتمع، محذرا من أن التغيير من الخارج سيأتي بأجندة مختلفة. ودلل شكر على ذلك بمبادرة باول التي ركزت بداية على الاقتصاد الحر بشكل يتعارض مع مصالح المجتمعات العربية، ولا يعطي اعتبارا لمصالح الطبقة الكادحة، ثم ركزت على إصلاح مناهج التعليم باعتبار أن المناهج الحالية تؤدي إلى كراهية الغرب. وبعد ذلك تحدثت عن الانفراجة السياسية على أساس أن الديمقراطيات لن تحارب بعضها وأن قيام حكومات ديمقراطية عربية سيؤدي بها إلى ألا تحارب إسرائيل بما يعني سعي أمريكا لتحقيق أهداف تخدم مصالحها في المنطقة ومصالح إسرائيل.
وأضاف شكر أن قضية التغيير تتطلب استيعاب عددا من الأمور أهمها:
أولا: أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات تأخذها الحكومة –كما تتصور أحزاب المعارضة- ولكن هى صيغة لإدارة الصراع في المجتمع بوسائل سلمية وهى كذلك نظام للحياة، ونسق من القيم الذي ينعكس في سلوك الناس كالاعتراف بالآخر والحوار ووضع مصالح الكل في الاعتبار والمساواة والمنافسة السلمية في ظل آليات لتحقيق هذه الديمقراطية كالانتخابات والصحافة والبرلمان والمجتمع المدني؛ مذكرا بأن الديمقراطية هى عملية تاريخية تستغرق وقتا طويلا وأن عدم تحققها بسرعة لا يجب أن يؤدي إلى الإحباط.
ثانيا أن الديمقراطية قضية مجتمعية وليست مجرد مسألة سياسية أو علاقة بين الحكومة والمعارضة، ولكنها تبدأ من مؤسسات المجتمع المدني وسيادة قيم ديمقراطية في المجتمع.
ثالثا أن نمو القوة الذاتية للقوى الديمقراطية في المجتمع مسألة بالغة الأهمية وهو الحلقة الرئيسية التي يجب العمل على توفيرها بما يتطلب إنشاء جبهة للقوى الديمقراطية للنضال من أجل الديمقراطية وفق برنامج محدد، مؤكدا أن العصيان المدني على سبيل المثال لن يتحقق إلا إذا كانت وراءه قوى ديمقراطية وأن الأحزاب مطالبة بدور رئيسي في هذا الصدد، لافتا في نفس الوقت إلى أن جزءا من المشاكل الموجودة يتمثل في أن التعددية الحزبية في مصر أنشئت ولم تستطع الأحزاب أن تبني نفسها كقوة مؤثرة، أو أن تسلك قياداتها سلوكا ينحرف بها عن أهدافها الحقيقية.
قال شكر إن المطلوب من قيادات الأحزاب هو أن تبني أحزابها كمؤسسات ديمقراطية حقيقية تكون نموذجا يجتذب المواطنين وأن تبني نفسها كمؤسسات جماهيرية تنمو باستمرار، مؤكدا أن هذا لن يتحقق إلا بنشاط أعضاء هذه الأحزاب لانتزاعها من قبضة الدولة وتقوية استقلالها وأن النجاح في تحقيق ذلك سيؤدي إلى إنشاء بنية تحتية للديمقراطية في مصر.
ودعا شكر إلى النظر إلى مجموعة من العوامل اعتبر أنها تؤثر بالسلب على إحداث التطور الديمقراطي في المجتمع المصري وذكر منها:
1- موقف الحكم المتحفظ من التحول الديمقراطي مرجعا ذلك إلى الميراث السلطوي للحكم والذي يحقق المصالح المباشرة للنخبة الحاكمة وليس لطبقات الشعب الواسعة، مشيرا إلى الحديث الدائم عن البدء بالإصلاح الاقتصادي كمبرر لتأخير الإصلاح السياسي ومطالبا بتبني سياسات اقتصادية تراعي مصالح الأغلبية الكادحة وتوفر فرص عمل حقيقية للمواطنين.
2- البيئة المحيطة بالتحولات الديمقراطية من ترسانة القوانين المقيدة للحريات وسيادة ثقافة غير ديمقراطية والطوارئ وضعف المجتمع المدني.
3- سلوك قيادات أحزاب المعارضة التي اتجهت لعقد صفقات مع الحكومة واتفاقيات في الكواليس لضمان بعض مقاعد في البرلمان أو وجود بقدر ما، وتخلي هذه القيادات عن رسالتها الأساسية مؤكدا أن كل الأحزاب وقعت في هذه الخطيئة.
وأكد شكر على ضرورة الالتفات إلى القوى الجديدة في المجتمع والمحرومة من الشرعية كحزب الوسط وحزب الكرامة والاشتراكيين الثوريين واللجان الشعبية للتضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي، مشيرا كذلك إلى نشأة بعض المراكز البحثية التي تعبر عن مشروعات سياسية تبحث عن التبلور كمراكز العدالة والدراسات الاشتراكية والمركز المصري الاجتماعي الديمقراطي، معتبرا أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت عودة نشطاء المجتمع المدني لقضايا السياسة، بما يمثل ظاهرة إيجابية يجب الاحتفاء بها.
وأكد شكر على أن هناك مسئولية خاصة على جماعة الإخوان المسلمين تجاه التحول الديمقراطي باعتبارها أكبر جماعة معارضة، ذلك أن عليها أن تعلن بوضوح موقفا متكاملا من التطور وتداول الحكم والسلطة وأن تحسم بوضوح موضوع طبيعتها وهل تتحول لحزب سياسي له برنامج تطرح فيه موقفها من قضايا المجتمع وعلاقاته الداخلية والخارجية، أم تقنع بأن تكون جماعة للتربية والدعوة فقط وتساند حزبا إسلاميا له مرجعية إسلامية، بما يطمئن القوى الأخرى ويبدو المخاوف من أن الجماعة تستخدم الديمقراطية لتنقض عليها فيما بعد.
قال شكر إنه عندما يقتنع الجميع أن المنافسة السلمية هى ضمان لمصالحهم فإنه ستكون هناك مسئولية مشتركة على كل القوى ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب، وهو ما لا يعفي الحكم أيضا من مسئوليته عن تحقيق إصلاحات عاجلة تخرج البلاد من المأزق الحالي.
مساعدة الخارج
أما نجاد البرعي المحامي ومدير جماعة تنمية الديمقراطية سابقا فقد اعتبر في بدابة حديثة أن حديث سابقيه حمل إجابات تلغرافية على السؤال المطروح في الندوة، ودعا إلى تحرير المعاني، مشيرا إلى أن الديمقراطية هى وسيلة لتداول السلطة بشكل سلمي وأن الخارج لا يعني أمريكا أو التدخل بالقوة العسكرية، كما يتم الإيحاء بذلك في ظل الضغط الإعلامي الفظيع وأن التغيير هو عن طريق انفتاح يؤدي لنوع من أنواع التعديل وإحداث تحولات إيجابية داخل نظم سياسية موجودة، كما حدث في أجزاء من الشرق الأقصى وليس إزالة نظام كامل من الوجود بالقوة مثلما تم في العراق.
ورأى البرعي أنه بالمعاني السابقة فإنه لا يوجد تغيير من الداخل فقط وأن من يقولون بذلك ينطلقون من حقيقة خاطئة مفادها أن المجتمعات مغلقة ولا تتعرض لتأثيرات خارجية، في حين أن سلوك الإنسان نفسه يحدث نتيجة التأثير الداخلي والخارجي، مشيرا إلى أنه لا يوجد مجتمع محصن ضد تأثيرات الخارج إلا المجتمعات الشبيهة بما كان قائما في العراق في عهد صدام حسين أما في مجتمعات أخرى كمصر وتونس، فلم تعد الأنظمة وحدها قادرة على إحداث التغيير من الداخل فقط، مشيراً إلى أن الذين يتحدثون في بلد مثل مصر عن أن التغيير سيتم فرضه من الخارج يؤدون إلى خلق مفهوم مفاده أن الداخل لا يريد أن يغير وأنه يرضى بالأمر الواقع.
ورأى أن السؤال الذي يجب طرحه هو هل يمكن أن يتم مساعدتنا على التغيير أم لا؟ وأن الذين يتكلمون عن إمكانية لتأثيرات داخلية فقط لا يقرأون الأحداث، مدللا على ذلك بأن أول تغيير جاء إلى مصر كان مع الحملة الفرنسية، وأنه إذا لم تأت هذه الحملة لكان ممكنا الانتظار قرنا آخر للخروج من الظلامية التي كانت موجودة، مضيفا إلى ذلك تأثيرات البعثات التي أرسلها محمد علي للخارج وكان يطلق على أعضائها مسمى “الفيلق الفرنسي”، إلى جانب التغييرات التي أحدثها السادات وتحوله للانفتاح نتيجة ظروف داخلية وخارجية.
واعتبر البرعي أن المشكلة هى في الأجندة وأن المفترض هو أن للمجتمع المصري أجندته الذاتية التي سيختارها دائما، مشيرا إلى أن منظمات حقوق الإنسان اتهمت على مدار سنوات طويلة بأنها عميلة للخارج؛ رغم أنها كانت تتبنى أشد المواقف معارضة للولايات المتحدة.
وأكد البرعي أن وضع النخب والنظام السياسي لا يتيح الفرصة للتغيير وأن التغيير لن يحدث –حسب رأيه- إلا بتلاقي مؤثرات الخارج مع الداخل كما لن يحدث تغيير بالقوة.
اعتبر البرعي أن ما يحدث من الحزب الوطني الحاكم شئ إيجابي وجاء نتيجة تلاقي مؤثرات خارجية مع عمل داخلي وأن الحكومة نفسها تزايد وتعترف بأن للتأثير الخارجي دوراً، وطالب بأن يقوم كل بواجبه والعمل على إحداث هذا التغيير بأي طريق ممكن دون تدخل فيما يحدث من الخارج وترك الخارج يفعل ما يفعله على أن تكون لنا أجندتنا مشددا على أنه لن يحدث تغيير نتيجة تفاعل قوى داخلية فقط لأن المقهورين لا يستطيعون وحدهم أن يقوموا بكسر سلاسلهم وقيودهم.

This post is also available in: English

اترك رد