المستبد لا يحاسب بقوانينه

In صالون بن رشد by CIHRS

نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مساء الأحد 7 ديسمبر لقاءً في إطار فعاليات صالون ابن رشد تحت عنوان “القانون والعدالة.. قراءة في مسار الحكم على مبارك”. استضاف اللقاء المحامي أحمد راغب مدير الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان والقانون، والدكتور هاني السيد رئيس قسم القانون والأستاذ المساعد بالجامعة الأمريكية والمحاضر بجامعة هارفرد، والدكتور عمرو عبد الرحمن مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وأدار اللقاء باسم زكريا السمرجي الباحث بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

افتتح “السمرجي” اللقاء بالتأكيد على أن قضية مبارك هي مجرد نموذج للعديد من القضايا المرتبطة بأعمال القتل التي وقعت بحق المتظاهرين منذ 25 يناير2011 وحتى الآن، والتي انتهت في معظمها بالبراءة، والتي كانت مقدمة لبراءة نظام مبارك من قتل المئات من المتظاهرين بميادين مصر، الأمر الذي يطرح السؤال المحوري للقاء حول العلاقة بين القانون والعدالة والثورة.

حرص المحامي أحمد راغب قبل البدء في تتبع مسار الحكم في قضية مبارك على التأكيد على ثلاث أمور محورية، وصفها بالـ”الألغام”. الأول أنه لا يوجد في القانون ما يجرّم التعليق على أحكام القضاء، ومن ثم كل شخص من حقه مناقشة والتعليق على أحكام القضاء، أما الثاني فكان قاعدة “الحكم عنوان الحقيقة” التي رفض راغب اعتبارها قاعدة مطلقة، مؤكدًا أن الحكم عنوان الحقيقة لحين يثبت العكس، وإلا ما كانت الأحكام القضائية محل نقض واستئناف وطعن ولم يكن من الجائز إعادة المحاكمة أو تغيير الأحكام. الأمر الثالث –حسب راغب– يتعلق بقاعدة تقول أن القاضي يحكم وفقًا للأوراق والأدلة المطروحة أمامه وحسب، الأمر الذي أكده راغب ولكن أضاف: “أن للقاضي الجنائي صلاحيات واسعة إذا ما شعر أن الأوراق التي أمامه غير مكتملة، إذ أعطاه القانون صلاحيات تصل لحد الأمر بإعادة التحقيق، إذا لم يرض ضميره عن الأدلة المقدمة له” واستكمل راغب: “وهذا ما لم يحدث في قضية مبارك نتيجة غياب الإرادة السياسة لإدانته”. الأمر الذي دلل عليه “راغب” بمجموعة من الشواهد كان أولها أن محاكمة مبارك لم تكن نتاج إرادة سياسية من نظام قرر الانحياز للثورة وأهدافها، وإنما جاءت بعد ضغط شعبي واسع ومظاهرات حاشدة خرجت تطالب بمحاسبة مبارك. هذه المظاهرات لم تكن تطالب بمحاسبة مبارك على وقائع 25 يناير فقط، بل على فساد نظام استمر لسنوات طويلة، ولكن تم اختزال المحاسبة في جرائم يناير.

وأضاف “راغب” تجلى غياب الإرادة السياسية أيضًا في تقاعس جهاز الشرطة في تقديم أدلة إدانة مبارك في قتل المتظاهرين، ورغم مساعي بعض رجال النيابة للبحث عن أدلة الإدانة، إلا أنه لم يكن هناك إرادة لدى جهاز النيابة العامة لإدانة مبارك، مضيفًا أن لجان تقصي الحقائق التي حاولت مساعدة النيابة في إيجاد دلائل الإدانة مبارك تم التضييق عليها، مرة بتجاهل تقريرها وعدم تضمينه أوراق القضية، وأخرى بحل اللجنة بعد 3 يوليو، عقب تقديم تقريرها الذي لم تتحرك النيابة لبحث ما جاء فيه.

من جانبه حاول هاني السيد أن يقدم قراءة نظرية في العلاقة بين القانون والثورة، مستنكرًا أن يكون القانون الذي حمي الاستبداد لعقود طويلة، هو نفسه القانون الذي تحتكم إليه ثورة قامت ضد استبداد واضعيه، قائلًا: “لا يحاكَم المستبد بقوانينه التي وضعها لتحميه”.

أكد هاني أن العلاقة بين الثورة والقانون علاقة جدلية تصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض، إلا أن القانون في النهاية هو نتاج ثورة، بل أن مفهوم دولة القانون الحديثة صنعته الثورة الفرنسية التي رفعت شعارات العدل والمساواة والحرية، ولكن تبقى الثورة فعل “غير قانوني” لأنها في معناها تحمل احتجاجًا على القانون القائم، وعلى منظومة القيم التي يمثلّها، وعلى واضعيه (السلطة). ومن ثم اعتبر هاني أن أكبر انتكاسة و”خدعة” تعرضت لها الثورة المصرية، تتمثل بالخطاب القائل أن الثورة قامت وانتصرت وانتهت في 2011، معتبرًا أن هذا الخطاب كان بمثابة محاولة لقتل الثورة، مؤكدًا أن الثورة بدأت ولم تنته، طالما مازالت أهدافها وتطلعاتها في دولة جديدة لم تتحقق بعد.

رفض هاني الادعاء بأن القانون هو عكس الاستبداد، مؤكدًا أنه في كثير من الدول قد يكون القانون أداة الاستبداد، وقد يكون وسيلة لحماية الاستبداد، وفي المقابل قد يكون أيضًا وسيلة للحماية منه. فالقانون في عهد مبارك كان أداة لتأمين الاستبداد والقانون هنا هو جزء من نظام سياسي مستبد كامل. مضيفًا كان يفترض أن يحاكم مبارك وطبقته الحاكمة محاكمة سياسية على كل ما لحق بمصر من فساد في عهده في الصحة، التعليم، الحريات، العمل، السكن وغيرها، ولكن كيف يمكن أن تجتمع كل هذه الملفات في تهمة جنائية واحدة؟

اتفق عمرو عبد الرحمن مع سابقه في أن مبارك على مدى 3 عقود صنع ترسانة قانونية تفرغ الدستور من محتواه، وتصادر حريات تدعي السلطة منحها، وتحمي نظام مستبد، ومن ثم لم يكن قانون مبارك هو الضامن لتحقيق العدالة الثورية، مؤكدًا أن الحل يكمن في العدالة الانتقالية قائلًا أن “اختيار المحاكم الثورية لا يجب أن يكون مطروحًا للنقاش، فالثورة المصرية إن كان لديها من القوة ما يكفي لتطبيق المحاكمات الثورية لحدث ذلك دون أن يكون موضوعًا للنقاش” ومضيفًا: “إذا كان النظام الحالي متضررًا فعلًا من حكم براءة مبارك، فلماذا يتقاعس دون مبرر حتى الآن عن إصدار قانون العدالة الانتقالية؟”.

ركز عمرو عبد الرحمن أيضًا في كلمته على القضاة كفاعل رئيس في تطبيق القانون وتحقيق العدالة، لافتًا النظر إلى أهمية التعامل مع القضاة كجماعة اجتماعية في المجتمع وليست جماعة منزّهة عن المجتمع ذاته ومؤكدًا أنه على مدى عهد مبارك كان تمكين القضاء واستقلاله هو أمل التيار الديمقراطي لمواجهة النظام، مشيرًا إلى أن المدافعين عن استقلال القضاء من التيار الديمقراطي في 2006 ربما لم يخطر في بالهم أنه بعد أقل من 10 سنوات سيئول القضاء لما وصل إليه الآن.

وأضاف كنا ندرك أن تيار القضاء يحتاج استقلاله، ولكنه كان يحتاج أيضًا عملية دمقرطة حقيقة، وتوعية حقيقة بالحقوق والنصوص والمعاهدات الدولية، الأمر الذي أكد عمرو أن حقوقيين حاولوا لقيام به من خلال فرض أنواع جديدة من القضايا على ساحات القضاء المصري تستوجب منهم اطلاع وبحث، وتحرر من رواسخ قانونية بعيدة عن الواقع، ومن ثم كان تحدى في السلطة المعرفية للقضاة، يجبرهم على الانفتاح على الواقع.

اعتبر ” عبد الرحمن” أن الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الأسبق محمد مرسي كان بمثابة كابوس للنظام القضائي، غيًر بشكل جذري موقفه من فكرة الثورة، التي أصبحت مهددة لاستقلاله وكرامته، وكان من نتاج هذا أن نجد رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور، في فترة تولية الحكم يعصف بأحكام الدستور ويفتح الباب للإجراءات الاستثنائية ويتراجع أحيانًا عن تطبيق مبادئ المساواة والعدل.

اختتم عبد الرحمن كلمته بأنه لا مجال لتفعيل القانون قبل دمقرطة المؤسسة القضائية، ولا حكم للقانون إلا في ظل ديمقراطية تشاركية تكفل حق التقاضي العام.

IMG_5944

IMG_5988

This post is also available in: English