الملك والرئيس

In مقالات رأي by CIHRS

محمد سيد سعيد

جريدة البديل، 18 فبراير 2009

كنا نظن أن السن أحد أهم المتغيرات التي تفسر الرغبة في الإصلاح والتغيير، وكان هذا الاعتقاد ساريًا بين طلاب العلوم السياسية لفترة طويلة، حتى اجتاحت المجتمع موجة محافظة عاتية قلبت هذا المعيار بين معايير أخرى رأسًا على عقب، إذ صار من المألوف أن تكون الأمهات أكثر تقدمية من بناتهن، وارتد الجيل الشاب إلى التطلع لما كان عليه السلف بضع مئات من السنين في الماضي، بينما لا يزال الكهول والعجائز يحلمون بمجتمع الحرية والعدل.

وقد نجد ملكًا مثل الملك عبدالله راغبًا في القيام بإصلاحات كبيرة تبدو مثل المغامرات، من وجهة نظر بعض شباب أسرته، وقد صنعت له هذه «المغامرات» شعبية كبيرة في بلاده.

أما الرئيس مبارك المقارب له في العمر فقد أمضى رئاسته كلها رافضًا للإصلاحات الأساسية التي تُحدِّث المجتمع وتجهزه للنهضة.

وربما يكون الفارق هو إدراك كل من الملك والرئيس لطبيعة المجتمع وظروفه، فالرئيس عبّر عن خوفه المستدام من انهيار المجتمع أو عدم استقراره، ولأنه ليس لديه موارد كثيرة مثل الملك فقد اعتمد على عنصر الخوف وسلم قيادة البلاد للشرطة، وهو ما أدى دائمًا في التاريخ إلى إضعاف المجتمع وركوده الطويل.

ومن ناحية أخرى، قد يكون المتغير الأهم هو الجماعة المرجعية التي قد توجه تفكير القيادة. والأمر واضح بالنسبة للملك، فالمرجعية العليا هي اسم الملك عبدالعزيز، مؤسس الدولة، والمصلحة الكلية للأسرة التي تحكمها منذ ثلاثة قرون كما يقولون، أما الرئيس مبارك فمرجعيته بالقطع ليست الحزب السياسي الحاكم اسمًا، الذي قد يفككه أو يغيره أو ينسفه أو يصرفه، دون أن يستطيع أن يرفع إصبعه معترضًا، وبالقطع ليست لدي الرئيس مبارك مرجعية أيديولوجية مثل ما لدي الإسلاميين أو القوميين أو الماركسيين أو الليبراليين أو غيرهم، ولا شك أن غياب «موالاة» منظمة بمعني حزب سياسي ناضل للوصول للسلطة ومد جذوره في أرض المجتمع يشكل أحد العوامل التي تجعل الرئيس يتصرف بدون التزام أو قيد بجماعة مرجعية ما، أما المعارضة فقد نجح في تفكيكها وربما تتبيع ما بقي منها فلم يبق من الأصوات البكر المنادية بالإصلاح سوي بضع مئات خارج كل المؤسسات وهي بالطبع غير كافية لتشكل ضغطًا كبيرًا على الرئيس.

إذًا العامل الحاسم هو تفكير الرئيس نفسه ومصالحه السياسية، فلا يكاد يكون هناك ما يفسر رفض الرئيس للإصلاحات الضرورية سوى هذا المتغير الذي يجعله يرى كل نداء أو نضال من أجل التغيير أمرًا مضادًا له شخصيًا، فيقف منه موقف العناد والخصومة والعداء.