بعد 22 عاما .."مركز القاهرة" يقرر للمرة الأولى في تاريخه إلغاء دورته الطلابية السنوية للشباب حول حقوق الإنسان

In برنامج تعليم حقوق الانسان, مواقف وبيانات by CIHRS

على مدار 22 عاما، وفي ظل ظروف وأنظمة سياسية مختلفة مرت على مصر، لم يتوقف مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن عقد دورته التدريبية السنوية لشباب وخريجي الجامعات logo sحول حقوق الإنسان، إلا انه وفي العام-الذي أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عاما للشباب، يضطر المركز للمرة الأولى وقف هذا النشاط لأجل غير مسمى، بعدما أصبح من المستحيل إيجاد مساحة أمنه للشباب للتعلم أو الإبداع، وأصبحت السجون هي مصير  كل من يهتم منهم بالشأن العام.

نشأت فكرة الدورة الطلابية في أوائل تسعينات القرن الماضي(1993) في فتره كان التطرف العنيف والإرهاب المتفشي في مصر قادر على تجنيد فئة كبيره من الشباب المتعلم والجامعي وغرس قيمه المتطرفة فيه، وكانت رؤية مركز القاهرة ومازالت أن مواجه الفكر المتطرف لا تتأتى إلا بالمعرفة والتمكين والتعليم، وأن فلسفة نظام التعليم هي التي يمكن أن تقدم بيئة صحية للتطور المجتمعي تسمح بمجابهة الفساد والإرهاب والظلم والتعذيب والقتل والتحرش والاغتصاب وغيرها.

وعلى مدى أكثر من 20 عام تمحورت وتطورت فلسفة الدورة الطلابية على أسس نقدية للنظام التقليدي للتعليم المدرسي، من خلال السعي لإيجاد ارتباط شرطي بين السجل التعليمي وبين قيم التسامح والمساواة  والتعايش المشترك والميل للتعاون و الرغبة في مساعدة الآخرين وعدم التمييز و الشعور بالمسئوليات الأخلاقية والاجتماعية، وذلك من خلال إيجاد مناخ امن للحوار بين أطراف متنوعة ومختلفة، على نحو يساهم عملياً على تحسين البيئة المجتمعية ويضع حد للظلم الاجتماعي ويواجه ثقافة الكراهية والعنف.

لقد تخرج من هذه الدورة الطلابية أكثر من ١٢٠٠ شاب وفتاة، انطلقوا لميادين العمل العام فكان من بينهم حقوقيين، وسياسيين وصحفيين وباحثين ودبلوماسيين وقضاة ورجال أعمال وفنانين ومخرجين ومؤسسي مبادرات اجتماعية رائدة للتعاطي الايجابي والسلمي مع مشكلات مجتمعاتهم. وفي كل دورة طلابية، وخلال 50 جلسة تدريبية، كان على هؤلاء المشاركين بحث الجذور الفكرية لحقوق الإنسان في الثقافة العربية والأديان والثقافات والحضارات المختلفة، ليس فقط من خلال المقاربة النظرية ولكن بالتجربة الواقعية،إذ كان يشترط في المشاركين التنوع بكل مستوياته: الثقافي، الديني، الجنسي، الايديولوجي،السياسي،فضلا عن الحرص على ضم مشاركين ومدربين من بلدان عربية أخرى، لتغذية النقاش وإثقال التجربة.

 إلا أن تحقيق هذا التنوع أصبح أمر مستحيل في الوقت الحالي، فبين صعوبات متكررة في الدخول لمصر وتهديدات حقيقية للمشاركين من خارج مصر، أمتد الخطر أيضا للمشاركين المصريين الذين أصبح مجرد انضمامهم لنشاط لمنظمة حقوقية تهمة ومدخل للتنكيل بهم، وخطر قد يصل بهم للسجون كما سبق وحدث لعدد من خريجي الدورة في السنوات السابقة.  فضلا عن أن أهم مخرجات هذه الدورة كانت تتمثل  في الأعمال الفنية التي يبدعها المشاركين من عروض حكي مسرحي، فرق كورال وأغاني، معارض فوتوغرافية، معارض للرسم وفنون الكاريكتير والجرافيتي، الأفلام التسجيلية القصيرة، فضلا عن الحملات التوعوية وحملات المناصرة والأبحاث العلمية وغيرها من المخرجات التي كانت تمثل في مجملها أدوات يطوعها المشاركين للتعبير عن تصوراتهم ورؤيتهم لحقوق الإنسان، إلا أن مثل هذه الأنشطة أصبحت ملاحقة بالتهديدات والمداهمات الأمنية، فضلا عن خطر المصادرة والمنع، الأمر الذي يجعل مجرد مشاركة أكثر من 50 شاب وشابة في هذه الدورة مخاطرة وتهديد مباشر لسلامتهم وأمنهم.

للأسف لم تعد مصر مكانا آمن لأي نشاط سلمي خلاق، ولا مجال فيها لتلك الأنشطة والفعاليات، بعدما أصبحت مكافحة الفساد تهمة عقوبتها السجن (هشام جنينة مثالا)، والتمسك بتراب الوطن والاحتجاج السلمي والقانوني على بيع أراضيه جريمة تستوجب الحبس الانفرادي ( مالك عدلي وآخرين). والبحث العلمي والدراسة الأكاديمية خطر يهدد بالقتل (جوليو ريجيني مثالا)، أو السجن ( إسماعيل الاسكندراني وهشام جعفر وآخرين). بل أصبح حتى الامتثال لمتطلبات وأخلاقيات مهنة مثل الصحافة جرم لا ينجو من عقابه حتى نقيب الصحفيين ووكيل النقابة وملاك الصحف، وعشرات الصحفيين والمصورين خلف قطبان السجون (المصور الصحفي شوكان، وصلاح دياب مالك جريدة المصري اليوم كمثال)، ووجود ملصق في منزل طبيب يؤكد على حق المحتجزين في الرعاية الصحية كافي لحبسه وأصدقاءه بدعوة اقتناء ملصقات تهدد بالسلم العام ( الدكتور طاهر مختار وأصدقاءه)، حتى من قرر أن يعتني بالمشردين وأطفال الشوارع، وجد مكانا في السجون باتهامات واهية ملفقة لأكثر من عامين للحبس الاحتياطي ولا عزاء للقانون (أية حجازي ومتطوعي مؤسسة بلادي).  وبعد ذلك كله تصبح مجرد السخرية من بؤس الوضع بالغناء أو الرسم جريمة تستوجب السجن ( فرقة أطفال شوارع)، وحمل الورود على قبور الشهداء تهديد للسلم يستوجب القتل( شيماء الصباغ مثالا)، والدفاع عن حقوق الإنسان سبة وتهمة لا يلقى أصحابها إلا التشهير والاتهامات بالخيانة والعمالة، فتصادر أموالهم وتغلق منظماتهم.

This post is also available in: English