قراءة في اتجاهات الإصلاح الدستوري في مصر (٢-٢)

In مقالات رأي by CIHRS

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال، التوجهات الثلاثة المطروحة في التعامل مع قضية الإصلاح الدستوري في مصر، وهي: “الواقعية” و”المواءمة السياسية”، أما التوجه الثالث فهو “المستقبلي”.

واستعرضنا طبيعة الأرض التي يقف عليها أصحاب كل توجه، وإلي أي مدي توجد نقاط التقاء واختلاف فيما بينهم، وأستكمل اليوم باقي الرؤية التي يقف عندها التوجه المستقبلي، وكنا بدأنا الحديث عنها بالأمس.

حالمون أم انتحاريون؟!

من ناحية المضامين، فإن أصحاب التوجه المستقبلي يشاركون الجناح الأول من أصحاب منهج المواءمة السياسية، في الاعتقاد بأن دستور ٧١ يجب أن ينص علي عدد من المبادئ الحاكمة في كل دستور دولة ديمقراطية، وأن يراجع فيه أيضًا عدد من المبادئ الحاكمة، منها:

  1. 1.    فلسفة وبناء دستور ٧١ لا يقومان علي مبدأ الفصل بين السلطات أو استقلالها، ولم تجر إشارة إليه علي أي نحو، بل يكرس الدستور في بنيته وفلسفته ونصوصه نظام حكم أبوي، يقوم علي هيمنة السلطة التنفيذية علي السلطتين التشريعية والقضائية، وبالتالي يصعب تصور أن هذا الخلل الجوهري في فلسفة وبناء دستور ٧١ يمكن علاجه بتعديل أو أكثر هنا أو هناك.
  2. 2.    حقوق الإنسان لا تشكل أية ركيزة من ركائز بناء الدولة والمجتمع في دستور ٧١، فضلا عن أن تشكل مرجعية -بالمعنى القانوني- حتى إن الدستور لم يذكر كلمتي “حقوق الإنسان” سوي مرة واحدة فقط (المادة ٥٣)، وفي مناسبة لا تتصل بحقوق المصريين، بل بحقوق اللاجئ السياسي الأجنبي!!

من المفارقات اللافتة في هذا السياق أن دستور النظام الاستبدادي في السودان ينص في المادة (٢٧) منه علي أن “تعتبر كل الحقوق والحريات المتضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة”!

نفس الأمر بالنسبة لحقوق المرأة، فدستور ٧١ لا يعرف المرأة إلا في حالتين فقط، إما كأم أو كعضو في الأسرة عليه واجبات إزاءها (المادتان ١٠و١١) أما المرأة كإنسان فهذا لا وجود له. الدستور أيضا لا يحمي حرية الاعتقاد -بل يختزلها في العقيدة- ولا يعترف بالأقليات المسلمة (كالشيعة) وغير المسلمة، ولا يحمي الحق في الملكية، الذي يجب أن يصان حتى في مجتمع اشتراكي. أما أغلبية الحقوق التي ينص الدستور عليها بالفعل، فهو لا يحميها، بل يهدرها بالإحالة للقانون الذي هو سيئ بالفعل ومناقض لمبادئ حقوق الإنسان، فضلاً عن أنه يسهل التلاعب به بالأغلبية الجاهزة في المجلس التشريعي في أي لحظة.

إن تضمين مبادئ وقيم ومواثيق حقوق الإنسان كركيزة لنظام الحكم وكأحد مقومات المجتمع، ليس مجرد مادة جديدة أو تعديل هنا وهناك، بل أمر لابد أن تكون له انعكاساته علي فلسفة وروح ومواد أي دستور، فضلاً عن أن يكون دستورًا بالحالة المهلهلة التي نعرفه بها.

  1. 3.    أحد مقومات أي دستور ناجع هو أن يتعامل سلبًا وإيجابًا مع الواقع لا الخيال -عبر الهتافات الإنشائية إياها- ومن أبرز ملامح هذا الواقع، وجود مؤسسات تلعب دورا مركزيا في علاقات المثلث الحيوي: الدولة/ الدين/ المجتمع، ولكن الدستور لا يعترف بذلك ويقننه، أو يرفضه ويضع القيود عليه.

من أبرز هذه المؤسسات: المؤسسة العسكرية، والمؤسسة الدينية (الإسلامية والمسيحية). ما هو موقع هاتين المؤسستين في مجتمع ديمقراطي مستقبلي، وكيف يمكن الاستفادة منهما، وما هي تجارب الشعوب الأخرى في دول لعبت فيها المؤسسة العسكرية والدين دورًا مركزيًا في مرحلة معينة من تاريخها. المطلوب أن يضع الدستور النقاط علي الحروف، لا أن يدفن رأسه -كالنعامة- في الرمال، وأن يقنن الأدوار، أو يقيدها.

  1. 4.    فلسفة دستور ٧١ تقوم علي أساس نظام اقتصادي لا وجود له في الواقع، وهذه أمور لا يمكن معالجتها أيضا بمجرد تعديل هنا وهناك، لأنها كامنة في فلسفة وبناء الدستور ذاته.
  2. 5.    دين الدولة، فلا يفترض أن للدولة دينًا معينًا، وكون أغلبيتها يدينون بدين معين -يمكن توثيقه في الدستور- فإنه لا يعني بالضرورة أن الدولة يمكن أن يكون لها دين ما. من المفارقات في هذا السياق أن دستور السودان -وهي كما نعرف دولة تتمتع بنظام حكم إسلامي منذ ١٧ عاما- لا ينص دستورها علي أنها دولة إسلامية، بل يقول دستورها في مادته الأولي: “دولة السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراف والثقافات وتتسامح الديانات، والإسلام دين غالب السكان، والمسيحية والمعتقدات العرفية أتباع معتبرون”.

وبعد التوصل إلي اتفاق نيفاشا مع حركة تحرير السودان في الجنوب، فإن نص الفقرة الثالثة من المادة الأولي من الدستور الجديد لم يتغير بشكل جوهري، فهي تنص علي أن “السودان وطن واحد جامع تكون فيه الأديان والثقافات مصدر قوة وتوافق وإلهام”.

  1. 6.    مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع: وجهة نظر أصحاب التوجه المستقبلي أن استلهام النصوص الإلهية المقدسة في دستور ما قد يكون مقبولا، ومثاله الأبرز السعودية التي ينص “النظام الأساسي للحكم” فيها في مادته الأولى علي أن دستور السعودية هو “كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم”. ولكن يصعب تبرير إدارة مستقبل أي دولة بمجموعة من الاجتهادات البشرية -التي لا تتمتع بقداسة إلهية- في تفسير القرآن والأحاديث النبوية، قام بها أصحابها منذ عدة قرون، بما يناسب زمانهم ومكانهم.
  2. 7.    أن الجدل العام الجاري حول تعديل دستور ٧١ يدور حول تعديل وإضافة نحو مائة مادة (من ٢١١)، أي نصفه تقريبا، وهو أمر مستحيل تصور حدوثه مع الحفاظ علي اتساق دستور يشكو منذ لحظة ميلاده من عدم الاتساق والتنافر والركاكة. وحتى إذا سلمنا بأن التعديلات ستقتصر علي ٣٠ مادة -وفقا لتصريح أخير للمستشار القانوني لرئيس الجمهورية- فإن هذا يعني تعديل ١٦% من مواد الدستور. فهل هناك سابقة أخري في العالم، جري فيها تعديل بهذا الحجم واحتفظ الدستور باتساقه.

أخيرًا: ونحن ما زلنا نوجز وجهة نظر أصحاب التوجه المستقبلي، فإن الدساتير لا تعدل كل يوم أو كل سنة أو حتى كل عقد من الزمان، ومن الظلم لمستقبل مصر والمصريين، أن تنتهي هذه المراجعة غير المسبوقة وواسعة النطاق للدستور، بمجرد إجراء تعديلات هزيلة، ستكون مصر مضطرة بعد بضع سنوات لإعادة النظر في مدي مواءمتها لإطلاق طاقات نهوضها من جديد.

نقاط الاختلاف والاتفاق

يبقي أن نلاحظ في هذا السياق، أن الاختلاف الجوهري بين الجناح الأول في جبهة “المواءمة السياسية” مع أصحاب التوجه المستقبلي، هو أن الأوائل رغم إيمانهم بأن مصر تحتاج دستوراً جديداً، فإن إدراكهم لواقع علاقات القوي يجعلهم ينضمون لبقية أجنحة “المواءمة السياسية” في السعي لتعديلات محدودة يمكن تشكيل توافق عريض حولها، ولكنهم في هذا الجناح لا يملكون أي خطة موازية جادة للعمل من أجل دستور جديد، باستثناء المطالبة بتكوين جمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور جديد، يعرف كل مصري أن ملامح هذه الجمعية ستحكمها قواعد اللعبة الانتخابية في مصر وعلاقات القوي السائدة، وبالتالي فإن الدستور الذي سيخرج منها لن يختلف كثيرا في ملامحه عن دستور ٧١، إن لم يكن أسوأ. وذلك علي نقيض ما تدعو إليه جماعة التوجه المستقبلي، من تركيز كل الطاقات علي مشروع مستقبلي، بينما لا تمنح أدني اهتمام للمناقشة حول التعديلات الآنية المرتقبة، انطلاقا من أنها تعديلات لن “تعدل” بل “تجمل”، وتستهلك الوقت والطاقة فيما لا طائل ورائه!

غير أن مشكلة أصحاب التوجه المستقبلي، ليست فقط فيما يخلو جدول أعمالهم منه، ولكن فيما يتضمنه جدول أعمالهم! فبعض القضايا المضامينية التي يطرحونها للمراجعة في دستور جديد هي قضايا ذات طابع حربي -قبل أن يكون حوارياً- في بلد نادرًا ما يشهد حوارًا جادًا ومفتوحًا متعدد الأطراف والآراء حول أي موضوع مهم، فما بالنا إذا كان علي رأس جدول الأعمال مرجعية الشريعة الإسلامية ودين الدولة، ومرجعية مبادئ ثورة يوليو من اشتراكية وقطاع عام وعمال وفلاحين و…….. و…….. فالحوارات السابقة حول هذا النوع من الموضوعات عادة ما تنتهي قبل أن تبدأ، بالاتهام بالكفر أو العمالة أو الخيانة، وأحيانا ما تنتهي بشكل مأساوي علي النحو الذي عرفه حوار فرج فودة مع الإسلاميين. صحيح أن هذا حدث منذ ١٤ عاما، ولكن “توبة” المفكر سيد القمني بعد تهديده بالقتل مؤخرا، ورفض نجيب محفوظ طبع “أولاد حارتنا” -الحائزة علي جائزة نوبل- دون مباركة أزهرية، وصراخ المفكر الإسلامي سعيد العشماوي منذ أيام، مستنجدًا بالرأي العام والقضاء لإلزام وزارة الداخلية بإعادة الحراسة لمنزله، وتحريض إمام مسجد في خطبة الجمعة منذ أيام علي قتل أستاذة في الأزهر، لأنها قالت إن النقاب ليس من الإسلام، فضلاً عن تصريح أخير لأحد أبرز الرموز المعتدلين المنتمين للإسلام السياسي، بأن تعديل تلك المادة قد يؤدي لحرب أهلية! كل ذلك يقطع بأن مجرد طرح الموضوع للمناقشة العامة في المجتمع يبدو مستحيلاً، والداعون لذلك إما مجموعة من الانتحاريين أو المتلذذين بتعذيب أنفسهم.

غير أنه يبدو أن طموح ورومانسية أصحاب التوجه المستقبلي ليس له حدود، فهم يراهنون علي مبادرة “حراس القلعة” أنفسهم، أي الإسلاميين بالنسبة لمرجعية الشريعة ودين الدولة، والناصريين فيما يتعلق بمرجعية يوليو. إنهم بالطبع لا يتوقعون ولا يطالبون الفريقين بتبني هذه المطالب، ولكنهم يأملون أن يبادروا بالدعوة لفتح وتنظيم المناقشة العامة حولها. وحجتهم في ذلك، مجموعة من التصورات الرومانسية التي يسمونها اعتبارات أخلاقية، وتتلخص في:

  • ·        أنه ليس هناك مستقبل لعملية الإصلاح في مصر، ما لم تضطلع المعارضة بكل فصائلها بدور أخلاقي في حماية حرية الرأي والتعبير، قبل أن تنتقد الحكومة علي سلوكها في هذا المجال.
  • ·        أنه لا يجوز أخلاقيا أن تفرض بعض فصائل المعارضة تابوهات ومحارم علي موضوعات بعينها، وأن تقصيها من حقل المناقشة العامة والمراجعة، بينما تستنكر أن يكون للنظام الحاكم محرماته أيضا، التي ربما لم يبق منها سوي المؤسسة العسكرية.
  • ·        أن تعديل الرئيس السادات المادة الثانية من الدستور جاء «كمحلل» لتسهيل تمرير تعديل المادة ٧٧ التي أزالت القيود علي عدد مرات تولي منصب رئيس الدولة، وأن إعادة فتح المناقشة حول تعديل المادة ٧٧ تستدعي بالضرورة فتحها حول تعديل المادة الثانية.

إن ما يشجع أصحاب التوجه المستقبلي هو أن أصواتًا مهمة في كلا الفريقين السياسيين -مهما كانت محدودة- تُبدي استعدادًا للحوار الجاد وليس لتبادل طلقات الكلمات، فضلاً عن توقع أن عددًا متزايدًا من الرموز الليبرالية في جماعات الإسلام السياسي التي تقول إنها ضد الدولة الدينية، ستدرك عاجلاً أو آجلاً، أن المادة الثانية هي في جوهرها قاطرة نحو الدولة الدينية، حتى في ظل النظام الحالي الذي أصبح فيه للمؤسسة الدينية دور متزايد حتى في العملية التشريعية، بدءً بمباركة تشريعات معينة وصولاً إلي مباركة حتى المعاملات الإلكترونية في مجال الاقتصاد! (انظر أهرام الجمعة ٣/ ١١/ ٢٠٠٦).

أما بالنسبة للناصريين، فيعتقد أصحاب التوجه المستقبلي أن بعض المطالب الديمقراطية والحقوقية التي تطالب بها بعض رموزهم الآن هي في جوهرها تتناقض مع مرتكزات أساسية في فلسفة وممارسات نظام يوليو، حتى لو لم يع بعضهم ذلك. فمجرد المطالبة بوجود برلمان حقيقي لا يدار بالريموت كنترول من الحكومة، والمطالبة بقضاء مستقل وصحافة حرة، وإطلاق التعددية الحزبية، واستقلالية النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية عن الوصاية الحكومية، ووضع حد للسلطة الأبوية المطلقة التي يتمتع بها شاغل منصب رئيس الجمهورية، هي خطوات مهمة في التخلي عن أركان مهمة في فلسفة النظام السياسي ليوليو، أو علي الأقل انتصار لجناحها الديمقراطي الذي خسر المعركة أمام الجناح الاستبدادي في مارس ١٩٥4.

غير أن آمال أو أوهام أصحاب التوجه المستقبلي لا يبدو أنها تقف علي أي أقدام، ففضلاً عن أنه من الوهم توقع أن تكون الرموز الليبرالية للإسلام السياسي أكثر اهتماما بمدنية الدولة من النظام الحاكم، فإنه من الملاحظ أنه لم يصدر عن هذه الرموز ردود فعل علي تصريحات للمرشد العام للإخوان المسلمين ونائبه، حول تصوراتهم لآلية الحكم في دولتهم غير الدينية، والتي هي في واقع الأمر تنويعات علي النموذج الإيراني في الحكم الديني، قد يعتبر النظام السوداني أكثر ليبرالية بالمقارنة معها!

يبقي في النهاية أن نلاحظ أن الاتجاهات الثلاثة تتفق في أن قوة الدفع نحو الإصلاح ضعيفة جدا، وتتراوح توقعاتها للإصلاح الدستوري المرتقب بين التراجع خطوات مؤثرة للخلف، أو التقدم خطوات غير مؤثرة للأمام.

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=37986&IssueID=494