تعديلات دستورية مخيبة للآمال <br> مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان يطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإعادة النظر في التعديلات المقترحة قبل الاستفتاء عليها

In مواقف وبيانات by CIHRSLeave a Comment

يأسف مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لأن يبلغ الرأي العام المصري، أن التعديلات الدستورية المقترح الاستفتاء عليها في 19 مارس القادم، قد جاءت معيبة ومخيبة لآمال المصريين وتطلعاتهم، في أن تساعد على فتح الباب أمام تحول ديمقراطي، أو حتى على معالجة مشكلات النظام الانتخابي قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية. إن هذه التعديلات غير المدروسة، وقصر الفترة الانتقالية (نحو 6 شهور) من شأنها أن تُقصي من التمثيل والمشاركة في صنع مستقبل البلاد في المرحلة اللاحقة، القوى السياسية الجديدة والشابة التي أطلقت الثورة. خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الانتخابات ستجرى في ظل ذات القوانين التي تكبل حق التنظيم للمجتمع المدني، وخاصة حرية تكوين الأحزاب والجمعيات والمنظمات النقابية، أي أن القوى التي أطلقت الثورة ستظل محرومة من الشرعية، رغم رحيل مبارك وبعض ركائز النظام السابق.

وبناءً على ذلك يدعو مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإعادة النظر في التعديلات الدستورية المقترحة، وكذلك إجراء تعديل على جدول أعمال الفترة الانتقالية وأولوياتها على النحو الذي تفصله السطور التالية:

·       ملاحظات مركز القاهرة على التعديلات الدستورية المقترحة

أولاً: عمد التعديل المقترح على المادة 75 إلى تفصيل شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بطريقة معيبة، تؤدي إلى إقصاء أشخاص بعينهم -أعلنوا عن اعتزامهم الترشح- من الحق في الترشيح، وعلى الأخص عندما اشترطت التعديلات ألا يكون المرشح حاملاً لجنسية أخرى -حتى لو تخلى عنها!- أو سبق له الحصول عليها، وألا يكون متزوجًا من أجنبية. إن هذا التعديل يستحق أن يسمى “تعديل أحمد زويل”، أحد أبرز الشخصيات التي أعلنت اعتزامها الترشح لرئاسة الجمهورية.

وتتعارض هذه النظرة الشوفينية الضيقة للولاء الوطني مع ما يقضي به القانون المصري من إقرار بحق المواطن المصري في أن يحمل جنسية مزدوجة.كما يتجاهل هذا القيد أن مئات الآلاف من المواطنين المصريين قد اضطروا إلى الهجرة خارج البلاد خلال خمسة عقود، هربًا من الاضطهاد، أو بسبب افتقار مصر إلى مناخ مناسب يحترم كفاءات وقدرات وتطلعات المصريين دون تمييز، وخلال ذلك حصلوا على جنسية أخرى.

إن هذا القيد يشكل إهانة بالغة وطعنًا في الانتماء الوطني لعدد هائل من المصريين، الذين برهنوا على جدارتهم، في مجتمعات تقوم على التنافس الحر دون تمييز، وهى رسالة سلبية صريحة بعدم الترحيب باعتزام عدد كبير منهم العودة لبلاده بعد ثورة 25 يناير، للمساهمة في إنهاضها من جديد، فضلاً عن أنه يؤسس لاعتبارهم مواطنين من درجة أدنى.

ويلاحظ في هذا السياق، أن الرئيس السابق الذي اعتبرت إسرائيل يوم رحيله “خسارة لكنز استراتيجي”، لم يكن يحمل جنسية أخرى، مثله في ذلك مثل جواسيس أدانتهم المحاكم المصرية أو بعض أبرز رموز الفساد والقمع الدموي في عهده!!

كما تفترض هذه التعديلات المعيبة أن أسرار الدولة تناقش في غرفة النوم مع الزوجة “غير المصرية”! وفي كل الأحوال، فإن التعديلات لا تثق أيضًا في جدارة المرأة المصرية، فهي لا تعترف بحقها في الترشح لرئاسة الجمهورية (وفقًا للنص الرسمي للتعديلات الدستورية المنشور على موقع مصلحة الاستعلامات).

ثانيًا: أبقت المادة 76 المعدلة على تشكيل اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات الرئاسية برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا، برغم أن الأخير يعين بقرار من رئيس الجمهورية، بل وحافظت على تحصين قرارات هذه اللجنة من أي سبيل للطعن عليها أمام أية جهة قضائية، الأمر الذي كان محل نقد شديد خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005. وقالت المحكمة الإدارية العليا في أحد أحكامها حينذاك أن ذلك التحصين لقرارات لجنة الانتخابات الرئاسية يتنافى مع مبادئ دستورية أخرى، حيث ينتقص من الحق في التقاضي المكفول (بالمادة 68). كما يشكل اعتداء على اختصاصات مجلس الدولة وفقًا للمادة 172 من الدستور.

كما اعتمدت اللجنة عدة قواعد لتزكية المرشحين لرئاسة الجمهورية، رغم أنه إعمالاً لمبدأ المساواة بين المواطنين، كان من الضروري اعتماد قاعدة واحدة لتزكية المرشحين للانتخابات الرئاسية (الأفضل أن تكون من خلال توقيعات المواطنين)، بدلاً من تعدد مصادر التزكية، التي تجامل أحزاب لا وزن سياسي لها، بمنحها الحق في الترشح لرئاسة الجمهورية، إذا كان لديها مقعد واحد في مجلس الشعب أو الشورى. جدير بالذكر أن الاقتصار على تزكية المرشحين لرئاسة الجمهورية من خلال توقيعات المواطنين، يسهل إمكانية تنظيم الانتخابات الرئاسية دون انتظار تنظيم انتخابات مجلسي الشعب والشورى.

ثالثًا: كان من الأكثر صوابًا أن يتبنى تعديل المادة 139 إخضاع منصب نائب رئيس الجمهورية للانتخاب، وليس التعيين من قبل رئيس الجمهورية. ومن ثم كان يتعين أن يتجه التعديل، لأن يتم التصويت على منصب رئيس الجمهورية ونائبه في عملية واحدة.

رابعًا: على الرغم من اتجاه التعديلات المقترحة للاستجابة إلى المطالب الداعية للإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية، إلا أن التعديل المقترح للمادة 88 جاء شديد العمومية، ويحيل إلى القانون، الأمر الذي يهبط عمليًا بالإشراف القضائي على الانتخابات من مرتبة الضمانة الدستورية “الأعلى” إلى الضمانة القانونية، وهى “أدنى” بلا شك. فضلاً عن أن التعديل ينص على مشاركة “هيئات قضائية” في الإشراف على الانتخابات، بدلاً من حصره بالقضاء الجالس، الأمر الذي يفتح الباب أمام مشاركة هيئات قضائية لا تتمتع بالاستقلالية الكافية.

لقد كان من الضروري أن ينص تعديل المادة 88 على إخضاع كل الانتخابات العامة -بما فيها الانتخابات الرئاسية أيضًا- إلى هيئة واحدة، أو مفوضية عليا دائمة، تضم خبراء مشهود لهم بالحيدة والاستقلال والنزاهة، ممن عملوا في السابق في سلك القضاء، ومن الخبراء القانونيين وخبراء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وأن تتمتع هذه الهيئة بكافة ضمانات الاستقلال المالي والإداري والحصانات الواجبة، بما في ذلك تشكيل شرطة قضائية تعمل تحت إشرافها في فترة الانتخابات. ويتعين منعًا لتضارب المصالح أن ينص قانون إنشاء هذه الهيئة على حظر ترشيح أي من أعضائها أو توليهم مناصب عامة قبل خمس سنوات على الأقل من تركهم لعضوية هذه المفوضية.

خامسًا: برغم أن التعديل المقترح على المادة 93 قد وضع حدا لدور البرلمانات المزورة في العصف بأحكام القضاء وتحقيقات محكمة النقض، بشأن صحة عضوية أعضاء البرلمان، إلا أنه من غير المنطقي إسناد مهمة فحص الطعون على صحة العضوية وإصدار القرارات النهائية بشأنها إلى المحكمة الدستورية العليا، أخذا في الاعتبار المطاعن التي تحيط بحدود استقلاليتها من جهة، ومحدودية عدد القضاة فيها، وعدم تأهيلهم مهنيا للبت في هذه الملفات. إن المنطقي هو إسناد هذه المهمة إلى محكمة النقض، أو إلى  المحكمة الإدارية العليا، أخذا في الاعتبار أن كلا من الهيئتين أكثر استقلالية، وهما الأكثر تمرسا في التعاطي مع المشكلات وثيقة الصلة بمسار الانتخابات العامة، ويتمتعان كلاهما بعدد كاف من القضاة، للبت في هذه الطعون في فترة مناسبة.

سادسا: إن التعديلات الدستورية المقترحة، وإن كانت قد اتجهت لإلغاء المادة 179 من الدستور، التي استحدثها نظام مبارك لتقنين البقاء الأبدي للصلاحيات الاستثنائية لأجهزة الدولة البوليسية، وذلك بدعوى مكافحة الإرهاب، إلا أن هذا الإلغاء قد انتقص منه التعديل الذي طرأ على المادة 148 من الدستور، التي تنظم إعلان حالة الطوارئ.  فقد حافظ التعديل المقترح على حق رئيس الجمهورية في إعلان حالة الطوارئ، من دون أن يتقدم خطوة واحدة باتجاه تقييد الحالات التي يجوز فيها اللجوء لهذا الإجراء الاستثنائي، مكتفيا في ذلك بالإحالة إلى قانون الطوارئ، الذي يوسع من الأسباب والدواعي التي يجوز فيها فرض حالة الطوارئ، بصورة تتجاوز القيود الصارمة على فرض حالة الطوارئ، التي نص عليها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وعدد من دساتير الدول الديمقراطية، بما في ذلك دساتير عدد من دول العالم الثالث.

كما افتقر التعديل إلى حد بعيد إلى المهنية، بل جاء معيبا ، عندما قرر اللجوء إلى الاستفتاء للبت في تمديد حالة الطوارئ. وهو ما يستحيل القيام به إذا كانت البلاد تواجه خطرا داهما، يستوجب الإبقاء على حالة الطوارئ، وكان من الأجدر أن يحال أمر تمديد الطوارئ إلى البرلمان.

سابعا: لو سلمنا جدلا بأن المقتضيات العملية استوجبت إدخال تعديلات دستورية عاجلة تمهد للانتخابات المرتقبة، فإنه من المثير للدهشة الإبقاء على النص الدستوري الذي يقضي نظريا بأن يشغل العمال والفلاحين 50% على الأقل من مقاعد مجلسي الشعب والشورى. وهو النص الذي استخدم دوما –حتى قبل عهد مبارك- في صناعة واجهات شعبية مزيفة، يرتكب باسمها بعض خطايا نظم الحكم التي تعاقبت على مصر على مدى أكثر من خمسة عقود. إن التمثيل الصوري للعمال والفلاحين، أدى إلى مفاقمة ظواهر الفساد السياسي في العملية الانتخابية وفي المؤسسات التمثيلية، حيث تؤول مقاعد العمال والفلاحين في أغلب الأحيان إلى رجال الأعمال والإدارة وملاك الأراضي ولكبار ضباط الشرطة.

ثامنا: رغم أن التعديل المقترح للمادة 77 جاء جيدا، إلا أنه يناسب بصورة أفضل الدستور الجديد، الذي تضعه هيئة تأسيسية. أما طبيعة هذه الفترة الانتقالية “الثانية”، فإنها تتطلب انتخاب رئيس بمواصفات خاصة لهذه الفترة، ولمدة واحدة فقط، قد تكون أربع سنوات –مثلما اقترح التعديل- أو أقل، أي ثلاث سنوات. على أن تكون المهمة الرئيسية للرئيس “الانتقالي”، هي الإشراف على وضع أسس انتقال مصر إلى دولة ديمقراطية ناهضة، تحترم حقوق الإنسان في إطار الاتفاقيات والإعلانات الدولية، بما يتطلبه ذلك من وضع دستور جديد، وتفكيك مرتكزات الدولة البوليسية، ومن بناء وتحرير مؤسسات الديمقراطية، وعلى رأسها مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والمنظمات غير الحكومية.

أخيرا: بناء على الملاحظات والاقتراحات السابقة والتعليقات النقدية العديدة التي قدمتها فعاليات قضائية وسياسية وحقوقية وفكرية وعدد من أبرز كتاب الرأي للتعديلات الدستورية المقترحة، فإن مركز القاهرة يحث المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إعادة النظر في هذه التعديلات قبل طرحها على الشعب للاستفتاء عليها.

وإنصافا للجنة المسئولة عن اقتراح التعديلات الدستورية ، يود مركز القاهرة أن يلفت الانتباه إلى أن بعض التحفظات النقدية للمركز ولغيره من فعاليات الرأي العام، تنبع من أن دستور 1971 قد تجاوزه الزمن منذ فترة طويلة، وأن التعديلات التي أدخلت عليه، وخاصة في عامي 2005 و2007 قد حولته إلى نص مشوه يفتقر إلى ادني اتساق، وأن كل محاولة لإجراء تعديل جزئي عليه – مهما حسنت النوايا- تزيده تشوها وعوارا، بحيث يؤدي إلى خلق مزيد من المشاكل بأكثر مما يساعد على سد الثغرات.

 نحو تعديل جدول أعمال الفترة الانتقالية

لقد سبق وأن عبر مركز القاهرة في بيانات ومذكرات سابقة – مشتركة في إطار ملتقى المنظمات المستقلة لحقوق الإنسان – عن قلقه الشديد من اختزال الفترة الانتقالية إلى 6 أشهر، ومن اعتزام إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشورى خلال تلك الفترة القصيرة، الأمر الذي يعني مكافأة القوى التقليدية التي هزمتها أو همشتها ثورة 25 يناير، وذلك بمنحها المجلسين على طبق من فضة، قبل أن تنظم القوى الجديدة نفسها في أحزاب وهياكل أخرى تكون قادرة على خوض الانتخابات العامة، وتنظيم الحملات الانتخابية وحشد وتنظيم الموارد البشرية والمادية اللازمة.

يلاحظ في هذا السياق، أنه بمقتضى التعديل المقترح للمادة 189، فإن المجلسين اللذان ستسيطر عليهما القوى التقليدية، سيكون منوطا بهما أيضا تشكيل هيئة تأسيسية تضع دستورا جديدا، من المتوقع أن يكرس ذات علاقات القوى والقيم التي انطلقت ثورة 25 يناير للإطاحة بها!

إن انتهاء العملية السياسية الانتقالية بعد ثورة 25 يناير، بانتخاب هيئتين تشريعيتين تسيطر عليهما القوى التقليدية، ثم هيئة تأسيسية لها ذات القوام تضع الدستور الجديد، يعني تسليم مصر إلى مرحلة أطول من عدم الاستقرار، نتيجة التهميش المتوقع لقوى ثورة 25 يناير، و التي سيكون من حقها مقاومة هذا التهميش بكل الوسائل السياسية المتاحة.

ولما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يرحب بمد الفترة الانتقالية وتكوين مجلس مدني عسكري مشترك لإدارتها، فإن إطار الحل الوسط الواقعي في هذا السياق، يمكن أن يكون كالتالي:

1-   البدء بالانتخابات الرئاسية. وتأجيل انتخابات مجلسي الشعب والشورى.

فلا معنى لانتخاب مجلسين سيجري حلهما في غضون عام بعد إعداد دستور جديد. فضلا عن أن إعادة بناء جهاز الشرطة سيستغرق فترة طويلة بما لا يساعد على ضمان تأمين تنظيم عدة انتخابات عامة في فترة قصيرة.

2- يصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانا دستوريا مؤقتا ينظم الفترة الانتقالية “الثانية”، على أن يحد بشكل خاص من سلطات رئيس الجمهورية، كما يلزمه باستفتاء الشعب على مشاريع القوانين المكملة للإعلان الدستوري التي قد تصدر قبل الدستور الجديد.

يصدر هذا الإعلان بعد تشاور المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع الرئيس المنتخب ومجلس الدولة ومحكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا وائتلاف شباب الثورة ومنظمات حقوق الإنسان. ثم يقوم المجلس بتسليم السلطة لرئيس الجمهورية “الانتقالي” المنتخب في نهاية الفترة الانتقالية “الأولى”.

3- يقوم رئيس الجمهورية “الانتقالي” بتشكيل هيئة تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد -وذلك بالتشاور مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الدولة ومحكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا و مجلس الوزراء  والمكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة، ومنظمات حقوق الإنسان، ومن يختاره من رجال الفكر والقانون- على أن تضم الهيئة التأسيسية الكفاءات المهنية اللازمة لهذه المهمة، وأن تعكس هذه الهيئة بأمانة  التعددية السياسية والفكرية والدينية والعقائدية والعرقية والجنسية في المجتمع المصري. ويجري استفتاء الشعب على مشروع الدستور الجديد.

4-   تجري لاحقا انتخابات المجالس التمثيلية كلها وفقا للدستور الجديد، وللقوانين المعدلة ذات الصلة.

 

اترك رد