حقوق الإنسان رسالة كفاحية أم وظيفة؟

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن
مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

صباح 3 يوليو/ تموز 2013، وقبل إعلان وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي، في المساء البيان رقم 1 لانقلابه العسكري، أصدرت 14 منظّمة حقوقية مصرية بيانا مشتركا، دانت فيه العنف المتبادل بين أنصار جماعة الإخوان المسلمين ومعارضيها، وطالبت بوقفه وحماية التعبير السلمي للطرفين، وحذّرت من مخطط الانقلاب، وطالبت الجيش بالامتناع عن أي عمل “نيابة عن الشعب”. بعد أقل من أسبوع، ستجتمع المنظمّات الحقوقية في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بوصفه منسقا “لملتقى المنظمّات المستقلة لحقوق الإنسان” لتحديد موقفها من “مذبحة الحرس الجمهوري”. ولكن بعض المنظمّات ستطالب بمراجعة الموقف من الانقلاب، وتنسحب من الملتقى فورا، أو بشكل تدريجي، بينما ستدين بقية المنظمّات المذبحة في بيانها. ولكن عندما قرّرت المنظمّات المستقلة في الشهر نفسه رفض تفويض السيسي المزعوم بمكافحة الإرهاب، لم تجد سوى سبع منظمات للتوقيع عليه. جدير بالملاحظة، أن المنظمات الحقوقية التي وقّعت أو لم توقع البيان، أو انسحبت من الملتقى يومها أو لاحقا، تشترك في إيمانها بعالمية حقوق الإنسان من دون مساومة مع أي تفسيراتٍ ذات طابع ديني أو ثقافي. ولذا دافعت دائما عن حقوق كل المصريين من دون تمييز. لم يولد هذا الموقف الحقوقي والأخلاقي العابر للدوافع الأيديولوجية والدينية والسياسية من فراغ، ولكن خلفه تاريخ ممتد.

أتيحت لي الفرصة لأكون شاهد عيان وفاعلا في حركة حقوق الإنسان في مصر منذ تأسيسها. خلال ذلك، تفاعلت مع كل المنظمّات الحقوقية، وأبرز رموزها من خمسة أجيال، مثلما أتيح لي التفاعل مع بعض قيادات المعارضة العلمانية والإسلامية في مصر والعالم العربي. أتاح ذلك لي أيضا مناقشة قضايا حقوق الإنسان في اجتماعات ثنائية مع المسؤولين المصريين، مثل رئيس وزراء واثنين من وزراء الداخلية ووزراء الخارجية والعدل، وفي اجتماعات موسعة لحقوقيين مع وزراء خارجية وعدل وداخلية والتضامن الاجتماعي ومدير المخابرات العامة، وإلقاء المحاضرات على ضباط في الشرطة وقيادات في جهاز الأمن الوطني. كما أتيح لي التحاور حول الحقوق مع الرئيس الأميركي باراك أوباما ومساعديه في البيت الأبيض، ومع أمناء عامين للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية، ومع كل وزراء الخارجية الأميركيين من كولين باول حتى جون كيري، وعدد آخر من الوزراء وكبار المسؤولين في العالم العربي وأوروبا، وسفراء مصر في بعض الدول.

السطور التالية هي لمحاتٌ من تقييم موسع سينشر لاحقا فصلا في كتاب أكاديمي عن جامعة أميركية. ولكن فترة التأسيس سبق أن وثقتها في مقالات منشورة، وأجملتها في فصلٍ من كتاب آخر صدر عن جامعة بنسلڤانيا عام 2006، بعد 14 عاما، لا يخلو عنوان ذلك الفصل من دلالة معاصرة، وهو “الدفاع عن الإسلاميين مسألة وثيقة الصلة بأخلاقيات حقوق الإنسان”، فالجدال الذي جري في 2013 كان قد جرى بالمضامين نفسها، من خلال حقوقيين آخرين قبل ذلك بـ25 عاما، وتصادف أنني كنت طرفا رئيسيا أيضا في جدال 1988، ولكن بوجهة النظر ذاتها في 2013.

في 20 إبريل/ نيسان عام 1985، اجتمع 50 مصريا لتأسيس ما سيُعرف لاحقا بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وانتخب لرئاستها وزير الخارجية الأسبق، محمد إبراهيم كامل، وكان مجلس الأمناء من شخصيات عامة، تتباين في خلفياتها السياسية، ولكنها علمانية، ورموزا للجيل الأول للحركة المعاصرة لحقوق الإنسان، تمييزا لهذه الحركة عن ثلاث مبادرات حقوقية ريادية منفصلة، علي يد كل من المفكر محمود عزمي في ثلاثينيات القرن الماضي وإبراهيم طلعت ووحيد رأفت في السبعينيات. في 1986، سيخرج بعض أعضاء مجلس الأمناء، وتنتخب الجمعية العمومية بدلا منهم أعضاء جددا أصغر سنا (بينهم كاتب المقال)، وبدأت علاقتهم بالسياسة بعد صدمة هزيمة يونيو 1967، وانطلاق الحركة الطلابية في فبراير/ شباط العام التالي. كان انطلاق هذه الحركة ومطالبتها بالديمقراطية مؤشّرا تاريخيا على عودة السياسة والمعارضة إلى المجال العام، بعد تأميمه عقب انقلاب يوليو 1952. ما يفعله السيسي، منذ 2013، هو محاولة إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 21 فبراير/ شباط 1968. تواصلت الحركة الطلابية بدرجاتٍ متفاوتة الديناميكية نحو نصف قرن، عبر عدة أجيال، كما تواصلت رسالتها عبر مبادراتٍ سياسيةٍ ونقابيةٍ وإعلامية وثقافية وفنية وجماعات شبابية. حركة حقوق الإنسان التي ولدت بعدها بنحو عقدين كانت إحدى ثمرات هذا الحدث التاريخي.

كان محمد إبراهيم كامل يتمتع بشعبية كبيرة بين المصريين، نظرا لرفضه اتفاقيات كامب ديڤيد مع إسرائيل، واستقالته المدوّية احتجاجا على إبرامها، لكنه سيلعب دورا مفصليا في الحركة الحقوقية، بفضل تجذّر التوجه الليبرالي في شخصيته. منذ الاجتماع الأول لمجلس الأمناء بتشكيله الجديد عام 1986، بدأت تطفو تدريجيا خلافاتٌ بين أغلبية تنتمي للجيل الأول وأقلية من عضوين انضمت حديثا للمجلس. لم تكن خلافات أجيال، فقد كان الخلاف يدور حول أسئلة مترابطة: هل دور المنظمة ينحصر في التبشير بمبادئ حقوق الإنسان أم يشمل الدفاع عنها؟ وهل يشمل ذلك الدفاع أيضا عن الإسلاميين الذين ينتهكون حقوق الإنسان؟ أيهما أخطر على حقوق الإنسان؛ نظام حكم حسني مبارك أم الإسلاميون؟ ومع توجيه وزير الداخلية، زكي بدر، إنذاره، في ربيع 1988، بوقف نشاط المنظمة باعتبارها غير مرخّصة، وجد المجلس نفسه مضطرّا لحسم الجدال واتخاذ قرارات مصيرية. بعض هذه الأسئلة وإجاباتها المختلفة ستتكرر بين الحقوقيين بألسنة مختلفة منذ 3 يوليو/ تموز 2013، مثلما ستتكرر الردود المختلفة نفسها على إنذار زكي بدر، وذلك بعد إنذار حكومة السيسي المشابه الذي وجهه فور انتخابه في 2014. في 1988، طالبت الأغلبية، بما فيها كامل، بتجميد النشاط، بينما طالبت الأقلية بمواصلة النشاط كمنظمة “تحت التأسيس”، تستمد شرعيتها من مواثيق حقوق الإنسان الدولية، لا من قانون الجمعيات الأهلية المناقض لهذه المواثيق والدستور المصري. ووفقا لرأي الأقلية، يجب أن تدافع المنظمة عن الحقوق الإنسانية لكل المصريين، بما في ذلك الإسلاميون، فهي بدفاعها أيضا عن حقوق من ينتهكونها، لا تدافع بذلك عن جرائمهم أو تتبنى دوافعهم السياسية أو الأيديولوجية. وفقا لميزان القوى في المجلس، كان الأمر محسوما ولا يحتاج تصويتا، ولكن كامل قال إن هذا قرار مصيري لا يجب أن يتخذه المجلس إلا بعد استشارة أعضاء المنظمة. كان أغلبية أعضاء المنظمة علمانيين، وكذلك أغلبية الحاضرين للاجتماع التشاوري، ومع ذلك دعموا وجهة نظر أقلية علمانية أخرى شرفت حينذاك بعرضها. على الرغم من أن قرارات الاجتماع التشاوري غير ملزمة لمجلس الأمناء، إلا أن كامل اقترح على المجلس تبنّي وجهة نظر أقليته، بل واقترح أن ينتخب المجلس أمينا عاما جديدا من هذه الأقلية، ليكون قادرا على تجسيدها، ثم اقترح اسم كاتب المقال لتولي تلك المسؤولية. خلال السنوات التالية، سيصير كامل من موقعه رئيسا، أكبر داعم لسياساتٍ وتوجهاتٍ كان يعارضها، ولكنها ستشكل مسار النواة الصلبة للحركة الحقوقية بعد وفاته في العام 2001.

فتحت المرحلة التالية التي بدأت في صيف 1988 أبواب المنظمة على مصراعيها أمام الجيل الثاني من الحقوقيين، والذي كان من أبرز رموزه الأكاديمي محمد السيد سعيد، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في صحيفة الأهرام، والمحامي نجاد البرعي. التحق الاثنان بأمانة المنظمة، بناء على اقتراح من كاتب المقال لمجلس الأمناء، كاستجابة لأحد شروطه لقبول تولي الأمانة العامة، ثم صارا لاحقا عضوين في مجلس الأمناء، ولكن سعيد سيصير في العام نفسه أول عضو مجلس أمناء يتعرّض للتعذيب. عمل سعيد على نحت مفاهيم عمل المنظمات الحقوقية وتعميقها في السياق المصري، ووضع أول وثيقة برنامجية لمنظمة حقوقية، والتي اعتمدتها الجمعية العمومية للمنظمة في 1989، ثم أسس في 1994، مع كاتب المقال، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كمنظمة إقليمية للعالم العربي، ورأس تحرير مجلته الفكرية التي اقترح اسمها “رواق عربي” حتى توفي في 2009، وهي المجلة الفكرية الحقوقية الوحيدة المنتظمة في العالم العربي، والتي يكتب فيها حقوقيون وأكاديميون من مختلف الجنسيات. وقد ظلت تصدر مطبوعة حتى 2015، ثم تحولت أونلاين بالعربية والإنكليزية. تولى البرعي تأسيس الدفاع القانوني في أول منظمة حقوقية، والإشراف على متابعة شكاوي حقوق الإنسان الواردة للمنظمة، وكان مكتبه يتولى الإنفاق على المحامين ومتطلبات هذه المتابعة، فلم تكن للمنظمة موارد مالية تذكر. لذا كانت كل المسؤوليات والوظائف في المنظمة تطوعية بلا أجر (باستثناء سكرتير لنصف الوقت تدفع مرتبه المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، بل كان أنشط أعضاء مجلس الأمناء ينفقون على هذا النشاط من مالهم الخاص، فضلا عن إنفاق ساعات عمل طويلة في تصريف متطلبات النشاط القانوني والثقافي والدولي والإداري للمنظمة. خلال ذلك، صارت المنظمة فاعلا مجتمعيا مهما، وتعاملت معها الحكومة كأمر واقع. واجتمع كاتب المقال مرّتين مع وزير الداخلية، عبد الحليم موسى، ومع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، على الرغم من أن المنظمة لن تحصل على ترخيص قانوني إلا بعد نحو 20 عاما من تأسيسها. كما بدأت المعارضة السياسية، العلمانية والإسلامية، تعتبرها غنيمة، وتتنافس لتحويلها إلى منبر تابع لها. خلال الفترة 1989 – 1993، خاضت المنظمة ثلاث معارك فكرية داخلية ضارية، ولأنها تتقاطع مع أسئلة سياسية كبرى، فقد صارت معارك رأي عام أيضا. الأولى حول مشروعية استخدام المنظمة الآليات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، بما ينطوي عليه ذلك ضمنا من ضغط حكومات أجنبية على الحكومة المصرية لهذا الغرض. الثانية حول مشروعية التمويل الخارجي بعد استنفاذ سبل التمويل المحلي. الثالثة حول استقلالية المنظمّات الحقوقية، ليس فقط إزاء الحكومات، بل أيضا عن أحزاب وجماعات المعارضة وجبهاتها.

حسمت كل هذه المعارك داخل المنظمة في نهاية عام 1993، ثم تدريجيا اعتمد الرأي العام والسياق التاريخي اللاحق هذه الحقائق، ليصير النشاط الدولي والتمويل الخارجي والاستقلالية السياسية من بديهيات النشاط الحقوقي في مصر. خلال ربع القرن التالي، ستنشأ عشرات المنظمات الحقوقية، ولكن كل منظمة حقوقية تشكلت كواجهة للحكومة أو لإحدى جماعات المعارضة، أو جرى لاحقا احتواؤها لهذا الغرض، إما تحللت أو تهمّشت. اقتحمت المنظمات الجديدة مجالات المساعدة القانونية وتأهيل ضحايا التعذيب، وقدّمت للبرلمان مذكّرات بتعديل القوانين والدستور، ومارست التقاضي أمام المحاكم في القضايا الفردية والدستورية، وراقبت الانتخابات العامة، ونشرت ثقافة حقوق الإنسان، وأصدرت مئات الكتب في الإصلاح السياسي والقانوني والدستوري والقضائي والاجتماعي والديني والثقافي، ودرّبت الشباب على حقوق الإنسان. ولكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان يرصد ذلك النشاط بقلق بالغ، ففي 3 فبراير/ شباط 2011، وقبل تنحّي الرئيس حسني مبارك بأيام، اقتحمت الشرطة العسكرية، للمرة الأولى في تاريخ مصر، مقر منظمة حقوقية (مركز هشام مبارك للقانون)، واعتقلت مديره أحمد سيف الإسلام ومعاونيه في سجن عسكري. وفي ديسمبر/ كانون الأول، اقتحمت قوات عسكرية مقارّ منظمات حقوقية مصرية ودولية، وحوّلت مسؤولين فيها إلى محاكمة قضائية.

بانتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا، صار احتواء المنظمات الحقوقية المستقلة وتقويضها أولويةً له، فوجهت الحكومة إنذارا إداريا لها، ثم انتقلت إلى الإغلاق الإداري وتعديل قانون الجمعيات الأهلية، وحوّلت الحقوقيين إلى تحقيقات قضائية، ووضعت تحت التحفظ ممتلكات وأموال منظمات ومديريها، ومنعت كثيرين منهم من السفر. كما مارست الأجهزة الأمنية، لأول مرّة، ضد الحقوقيين، الإخفاء والتعذيب والتهديد بالقتل والاعتداء عليهم في الطريق العام، وابتزازهم باعتقال أقاربهم وتعذيبهم. وشنت ضدهم حملات تشويه في وسائل الإعلام، كعملاء لدول أجنبية و/ أو للإخوان المسلمين، وكمتآمرين على الأمن القومي. من المفارقات المدهشة، أنه على الرغم من قسوة هذه الحملة الأمنية والقضائية غير المسبوقة، وعلى الرغم من تراجع وضعية حقوق الإنسان إلى مستوى أدنى بكثير مما كان عليه عند نشأة الحركة الحقوقية، إلا أن مستوى الوعي بحقوق الإنسان صار أوسع وأعمق مما كان عليه قبل 35 عاما، وانعكس ذلك في تراجع حالة الاستقطاب بين الإسلاميين والليبراليين على القضايا الحقوقية إلى أدنى مستوى منذ نشأة الحركة الحقوقية.

يظن بعض المصريين أن التمويل الخارجي يفسد المنظمات الحقوقية، أو يحرفها عن رسالتها، ولكن مزيدا من تأمل مسيرة 35 عاماً سيوضح أن المال ليس عاملا موجها، ففي سنوات التأسيس الأولى التي قامت على أكتاف طاقة تطوعية هائلة من عدد محدود من الحقوقيين، كان هناك من يتعاملون مع حقوق الإنسان باعتبارها رسالة كفاحية سامية، وآخرين ينظرون إليها مسألة وظيفية حتى ولو بدون أجر. على الرغم من توفر موارد مالية في المرحلة التالية، سنلاحظ استمرار الفريقين ولكن بأشخاص مختلفين. ولكن مع تعاظم الضغوط الأمنية بعد السيسي من أجل قبول الاحتواء أو التوظيف أو العودة إلى خيار 1988، بالاقتصار على التبشير العمومي بمبادئ حقوق الإنسان والسكوت عن واقعها، لم يعد ممكنا التوفيق بين التعامل مع حقوق الإنسان وظيفة والنظر إليها رسالة كفاحية…

في كتاب صدر في الولايات المتحدة يدرس تفاعلات المنظمات الحقوقية في مصر ودول ديكتاتورية أخرى، يقول مؤلفه: “بينما تحمّلت دائرة ضيقة من المنظمات الحقوقية المصرية عالية المبادرة العبء الأكثر قسوة لقمع الدولة منذ 2013، إلا أن من المفارقات أن هذه المجموعة من المنظمات هي في وضع أفضل للصمود في مواجهة تواصل القمع الحكومي”.


المصدر: العربي الجديد

This post is also available in: English