دستور يؤسس لدولة ولاية الفقيه السنية في مصر

In مقالات رأي by CIHRS

هاجم بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان نص مسودة الدستور الذي استلمه الرئيس محمد مرسي وطرحه للاستفتاء الشعبي، إذ وصفه بأنه دستور دولة ولاية الفقيه السنية في مصر، لا يحفظ حقوق الناس ويرفع رجال الدين فوق القانون. جاء ذلك في حوار لمدير المركز مع موقع إيلاف، وفيما يلي نص الحوار:

قال بهي الدين حسن، رئيس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، إن الدستور الجديد الذي انتهت منه الجمعية التأسيسية، يؤسس لدولة ولاية الفقيه في مصر، لكن على الطريقة السنية، مشيرًا إلى أنه ينتقص من حقوق المرأة والطفل والأقليات ويسمح بانتهاكات حقوق الإنسان، لاسيما التعذيب، لأنه لا يعترف بالاتفاقيات والمواثيق الدولية.

وأضاف حسن، في مقابلة مع “إيلاف”، أن هذا الدستور أقل كثيرًا في الحقوق والحريات من الدستور الذي كان يحكم بمقتضاه الرئيس السابق حسني مبارك، وثار المصريون ضده، ولفت إلى التقاء مصالح عميقة في المنطقة بين أميركا وتيار الإسلام السياسي في مصر، وخصوصًا في ما يخص أمن إسرائيل والضغط على حماس، وإقامة كيان سني في مواجهة إيران وحزب الله اللبناني.

كيف ترى خطوة الانتهاء من الدستور الجديد، استعدادًا لعرضه على الرئيس وتحديد موعد الاستفتاء عليه؟

هذا الدستور في حكم الباطل، لأنه خرج عن جمعية تأسيسية لا تعبر عن كافة أطياف المجتمع المصري. حتى لو أنتجت أفضل دستور في الدنيا، فلا مشروعية سياسية للجمعية التي أنتجته، بالإضافة إلى أن تلك الجمعية تفتقد إلى المشروعية القانونية، لاسيما أن المادة 60 من الإعلان الدستوري التي تشكلت بموجبها تلك الجمعية لا تنص على تصعيد الأعضاء الاحتياطيين ليحلوا محل المنسحبين، فضلًا عن وجود طعون على شرعيتها أمام المحكمة الدستورية العليا والقضاء الإداري. كما تفتقد إلى المشروعية الأخلاقية إذ استمرت في ممارسة عملها على الرغم من أن هناك قضايا منظورة أمام القضاء تشكك في مشروعيتها القانونية، ومن المتعارف عليه أن يتم تجميد العمل لحين الفصل في هذه الدعاوى القضائية. من المؤسف أن يقوم على رئاسة تلك الجمعية قاضٍ، هو المستشار حسام الغرياني، وكان من المفترض به عدم السير في هذا الاتجاه الخاطئ.

ثمة آراء تعتقد أن المواد التي تضمنها الدستور جيدة، وتحقق أهداف الثورة وتحافظ على الحقوق والحريات؟

مضمون الدستور المطروح للعرض على الرئيس والاستفتاء من أكثر الدساتير تخلفًا في تاريخ مصر، ويعود بمصر إلى الخلف، وهو أسوأ من دستور 1971 الذي كان يحكم بموجبه الرئيس السابق حسني مبارك، وثار المصريون ضده في 25 يناير. فالدستور الحالي كما السابق يمنح الرئيس سلطات إمبراطورية لا تقل عن السلطات التي كانت في يد مبارك. ويضيّق على الحقوق والحريات، فللمرة الاولى في تاريخ مصر يتم وضع مادة في الدستور تبيح محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، ما لم يكن موجودًا في الدستور السابق حين كانت المحاكمات العسكرية للمدنيين تتم وفقًا لنصوص قانونية. المحاكمات ستتم في مصر بعد الثورة وفقًا لنصوص دستورية، ما يعود بمصر إلى الوراء. كأنّ هناك استهزاءً بالثورة، خاصة أن المحاكمات العسكرية كانت أحد أسباب اندلاع ثورة 25 يناير. الغريب أن تيار الإسلام السياسي الذي أقر مشروعية المحاكمات في الدستور الحالي هو أكثر الفصائل السياسية التي عانت منها في عهد النظام السابق. هذا الدستور لا يستهزئ بالثورة ودماء أبنائها فحسب، بل يستهزئ بتضحيات المصريين على مدار التاريخ. وليت الأمور تقف عند هذا الحد، فالدستور هذا يسدّ جميع الأبواب أمام إبطال مفعول تلك النصوص القمعية. فقد رفض الاعتراف بالمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي كان دستور مبارك يعترف بها. وكنا، نحن العاملون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، نستند إلى هذه المواثيق في الدفاع عن المعتقلين وضحايا الانتهاكات، لاسيما التعذيب والمحاكمات العسكرية، ولكن الآن لا يمكننا الاستناد إليها ما يعتبر كارثة بكل المقاييس.

ثمة اعتراضات على المواد التي تخص الشريعة الإسلامية، ووضعها في الدستور، كيف ترى ذلك الأمر؟

للأسف الشديد، يتبنى الدستور الجديد نظام ولاية الفقيه الإيراني لكن بلغة سنية. فعلى الرغم من أن المذهب السني لا يمنح رجال الدين أو المؤسسات الدينية وضعًا علويًا، إلا أن الدستور الحالي لا يقر بذلك. فالمادة الرابعة من الدستور تضع هيئة كبار العلماء في الأزهر في وضع أعلى من المؤسسات المنتخبة، وفوق البرلمان، إذا يمنحها الحق في البت في جميع التشريعات أو كل ما يتعلق بأمور الشريعة الإسلامية.

وهو أول دستور في مصر يقر المذهب السني مذهبًا إسلاميًا للمصريين، وذلك في المادة 219، التي تفسر كلمة “مبادئ الشريعة الإسلامية”، وتنص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”، أي أن الدستور لا يعترف بغير المذهب السني. ويطلق الدستور الجديد العنان لتأسيس جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأسيس ميلشيات عسكرية، وذلك في المادة العاشرة التي تشير إلى أن الدولة والمجتمع ملتزمان بالحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة وترسيخ قيمها الأخلاقية، أي أن هذه المادة تبيح لمن يرون أنهم ملتزمون أخلاقيًا تكوين مجموعات لفرض وجهات نظرهم على باقي أفراد المجتمع.

إذن، فالدستور الجديد لا يحمي الحقوق والحريات بحسب وجهة نظرك؟

الدستور مخيف في ما يتعلق بالحقوق والحريات، لاسيما بعد رفض أعضاء الجمعية التأسيسية أن تكون لحقوق الإنسان مرجعية تتمثل في المواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، ما يسمح بانتهاكات حقوق الإنسان، من دون أن يكون هناك مرجع متفق عليه للعودة إليه. فالقانون المصري مثلًا يعرّف التعذيب على أنه الإيذاء البدني من أجل انتزاع اعتراف، بينما هناك أشكال متعددة للتعذيب من دون أن يكون الغرض منها انتزاع اعترافات. كما أن المادة 81 تنص على أن تمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع ما ورد في باب الدولة والمجتمع، وهو الباب الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع. كما أن الدستور الجديد يفتح الباب أمام إهدار حقوق الطفل، إذ ينص على التزام الدولة بالحفاظ على حقوق الطفل من دون أن تقدم تعريفًا للطفل، ولا سنه، ما يسمح بإطلاق العنان للتعريفات الأخرى، ويسمح بتزويج الأطفال في سن السابعة أو التاسعة بغض النظر عن الديانة، بل قد تخطف الطفلة كما هو الحال في بعض الحالات حاليًا ويتم تزويجها.

يرى التيار الإسلامي هذا الدستور حلاً للخروج من أزمة الإعلان الدستوري؟

يزيد هذا الدستور الأزمة تعقيدًا ولا يحلها، وكان من المفترض بالقائمين على أمره أن يستفيدوا من مهلة الشهرين التي منحها لهم الرئيس، من أجل السعي للتوافق بين القوى السياسية، لكن هذا الدستور ومن قبله الإعلان الدستوري مرفوضان من القوى السياسية، وكلاهما لا يعبر عن المصريين.

فكيف الخروج إذن من حالة الاستقطاب في المجتمع المصري؟

يمضي المشهد السياسي في اتجاه المزيد من الاستقطاب السياسي، وأخشى أن يتطور الأمر إلى العنف، في ظل إشارات قوية على ذلك. فبعض المفكرين والمحللين من الإسلاميين حذروا من هذا التطور الخطير، ومنهم الدكتور ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الإسلامية. آمل أن تظل الأمور في مجال الخلاف السياسي. وأعتقد أن الحلول مطروحة منذ زمن بعيد، وكان يجب البدء بوضع الدستور أولًا بعد سقوط نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، فالدستور هو ما يحدد شكل النظام السياسي لكن ما يحصل الآن هو أن النظام السياسي يكيّف الدستور على مقاسه. يجب أن يعاد تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بما يضمن أن تضم كافة ألوان الطيف السياسي، خصوصًا الفقهاء الدستوريين، بما يضمن الحفاظ على رصانة النص، ويحميه من التوجه في اتجاه إسلامي متشدد يذهب بمصر إلى المجهول، كما هو الحال في السودان الذي انتهى إلى دولتين، وفلسطين التي انقسم أهلها قبل تحرير الأرض، أو ترسيخ الديكتاتورية والاستبداد وإقامة دولة دينية، كما هو الحال في إيران.

معنى هذا أن نماذج الحكم الإسلامي في العصر الحالي محكوم عليها بالفشل. هل الأسباب داخلية أم خارجية؟

يقوم جوهر الإسلام على تحقيق المصلحة العامة والعمران والانطلاق للاستفادة من معطيات العصر. ثمة نماذج جيدة للحكم الإسلامي مثل تركيا و إندونيسيا، لكن المشكلة في بعض النماذج الأخرى مثل أفغانستان مثلاً، حيث العجز عن الدمج بين قيم الإسلام ومبادئه الأساسية ومنجزات الحضارة الحديثة. لو ظلت أوروبا خاضعة لهيمنة الكنيسة كما كان الحال في العصور الوسطى، لكان حالهم أسوأ مما نحن عليه الآن. ما يساهم في فشل نماذج الحكم الإسلامي هو الفشل في الدمج بين قيم الإسلام السمحة ومنجزات الحضارة الحديثة.

لكن البعض يتبنى نظرية المؤامرة من جانب الغرب ضد الإسلام، فهل تعتقد ذلك صحيحًا؟

يستفيد المشروع الاستعماري من الأفكار المتخلفة لدى النخبة الإسلامية الحالية للسيطرة على الشعوب وثرواتها. لكنه في جميع الأحوال لا يهتم سوى لمصلحته، ولا ينظر إلى الطرف الآخر. هل هو إسلامي متدين أم على شاكلة مبارك؟ فالقوى الغربية مثلًا تعمل حاليًا على إنشاء كيان سني في مواجهة إيران الشيعية، وأعتقد أن هناك تفاهماً في المصالح بين تيار الإسلام السياسي في مصر وتقاطعاً واضحاً بين المشروعين الإسلامي في مصر والغربي في المنطقة.

هل تلتقي مصالح أميركا والغرب من جانب وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر؟

هذا واضح جدًا، فهناك التقاء فعلي بين قوى الإسلام السياسي في مصر وبين واشنطن. ثمة دعم كامل للرئيس محمد مرسي من جانب الولايات المتحدة الأميركية، يظهر بين سطور بيانات البيت الأبيض، على الرغم من أنها كانت تتمنى أن يكون المشهد السياسي في مصر أقل قبحًا. هذا الالتقاء يحقق تقاطع مصالح الغرب وأميركا وإسرائيل أكثر من مبارك، لاسيما في ما يخص الضغوط على حماس، التي تعتبر فرعًا من جماعة الإخوان المسلمين، ومواجهة إيران وحزب الله اللبناني. مازالت الأمور تسير على النهج نفسه كما كانت في عهد مبارك، فرجال عمر سليمان هم من يرعون عمليات التهدئة في الحرب بين غزة وإسرائيل، وفي المصالحة بين الفصائل الفلسطينية.

نشر هذا الحوار على موقع (إيلاف) بتاريخ 3 ديسمبر 2012:

http://www.elaph.com/Web/news/2012/12/777591.html?entry=arab