مبادرة: إعلان حقوق المواطن المصري

In مقالات رأي by CIHRS

محمد سيد سعيد

جريدة البديل، 25 فبراير 2009

تطرح “البديل” مسودة هذا الاعلان للنقاش العام, ثم لمؤتمر وطني عام تمثل فيه كل تيارات المجتمع وطبقاته ومناطقه وأديانه ونسائه وشبابه. وتطرح “البديل” هذه المسودة لتصبح يوما ما وثيقة ملحقة بالدستور تضيف له وتفسر بعض مواده وتوضح ما يكون قد التبس فيه. تنطلق “البديل” من فكرة جوهرية تقول إنه لن يكون لمصر مستقبل ولن تسترد مصر عظمتها وروعتها الإنسانية والأخلاقية دون استرداد كرامة المصريين: جميع المصريين ودون أن تشعرهم أنهم يتمتعون بالحماية والمساواة أمام القانون وأن حقوقهم مصانة، وهذا هو ما تركز عليه هذه المسودة.

إعلان حقوق المواطن المصري

ديباجة:

المصريون وريثو حضارات عظيمة، بل هم أصحاب أول حضارة في التاريخ الإنساني, ويشكلون معًا أمة كريمة ذات ثقافة مهذبة وتقاليد انسانية رائعة تنهض على الحب والتوق للعدالة, والاحترام المتبادل وتقديس الحياة, واستمداد المبادئ العظيمة لكل الأديان, والتواصل والإثراء المتبادل مع جميع الثقافات الأخرى في العالم, واحترام حقوق الشعوب كافة في التعبير الحر عن نفسها. لقد تعرض المصريون عبر التاريخ لمختلف صنوف الاستغلال والاستعمار والقهر الداخلي والخارجي الذي كاد يخرجهم من التاريخ لولا سخاء ثقافي لا ينضب. ولديهم أيضًا تقاليد عريقة في الكفاح ضد الظلم والاستبداد وجميع ألوان العسف والقسوة. يقف المصريون اليوم أمام ظروف عالمية وإقليمية ومحلية عاتية تهدد ثقافتهم العظيمة وقيمهم النبيلة الموروثة منذ آلاف السنين وقد تحرمهم من الفعل الحضاري الخلاق. إن استمرار هذه الظروف يهدد صحة وسلامة مجتمعهم وقد يحرم المصريين بل الانسانية كلها من منبع أخلاقي وثقافي صاف وبالغ الثراء وفياض بالعطاء.

إن مفتاح سلامة ونهضة مجتمعهم يتمثل في استرداد كرامة المصري وحمايته من كل صور العسف والطغيان, وضمان التفتح الكامل لموهبته الحضارية الفريدة, وتأمين فرصة مصر في إنهاء تراث التخلف المفروض عليها منذ مئات السنين, وهو ما صار يتوقف على تمتع المصريين الكامل بحقوق المواطنة. ولذا:

مادة أولى:

يستحق المصريون جميعًا ودون أي تمييز التمتع بجميع الحقوق المنصوص عليها في العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وتشكل جميع هذه الحقوق عناصر لا غني عنها لمفهوم المواطنة, ولا يجوز حرمان أي مصري من التمتع بهذه الحقوق تحت أي ظرف من الظروف أو أي إدعاء كان.

مادة ثانية:

يستحق المصريون جميعًا دون أي تمييز التمتع بالحماية الايجابية للقانون في بلادهم وخارجها. ويجب أن ينشط القائمون على تطبيق القانون للوفاء بهذه الحقوق واحترامها وتوصيلها إلى مستحقيها بروح من التقدير والاحترام. ويعد القيام بمهام الحكم أو ممارسة أي نوع من السلطات خارج إطار القانون. أو بما يؤدي إلى الاجحاف بكرامة المصري وحقوقه الأساسية خيانة للأمة المصرية, فضلًا عن كونها تشكل بذاتها جريمة لا يجب أن تفلت دون عقاب.

مادة ثالثة:

حقوق المواطنة وحقوق الإنسان غير قابلة للفصل وهي متكاملة ومعتمدة على بعضها البعض, ولازمة لضمان الكرامة الانسانية لكل مواطن أو إنسان على أرض مصر. والمواطنة هي جماع هذه الحقوق. ويعد التمتع بحق الحياة وتكامل الجسد الإنساني والحماية من جميع صور التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة أو الاعتقال العشوائي أو الإداري أو الاخفاء القسري أو اتخاذ الرهائن أو المحاكمة أمام أي محاكم استثنائية حقوقًا مطلقة من أي قيد. وتعد حرية الضمير والاعتقاد، حرية التعبير والمعلومات. الحق في المشاركة في إدارة شئون البلاد على كل المستويات بما في ذلك التصويت والترشح للمناصب العامة دون تمييز، والحق في المشورة فيما يتعلق بجميع السياسات العامة ذات الصلة بحياته اليومية, حق التجمع وتشكيل المنظمات النقابية و«الجمعياتية» والسياسية السلمية, والحق في العمل والحماية من غائلة الجوع والمرض, والحق في التعليم والضمان الاجتماعي بما في ذلك الخدمة الصحية المجانية لغير القادرين والتمتع بنظام فعال وكفؤ للتأمين الصحي وصرف إعانات للعاطلين بصورة مؤقتة, والحق في بيئة صحية ونظيفة مفتاحًا أساسيًا للتمتع بالحقوق الأخرى.

مادة رابعة:

يجب التأكد من الوفاء بهذه الحقوق الأساسية لكل مصري، ويجب أن يحظى كل مصري برعاية مباشرة وشخصية من جانب الدولة، ومنظمات المجتمع المدني في كل مكان حتى لا يبيت مواطن واحد جائعًا أو مريضًا أو عاجزًا لأي ظرف دون أن يحظى بالرعاية الضرورية لتلبية حاجاته الإنسانية الضرورية في كل لحظة من النهار أو الليل. ويتوجب أن يتم التأكد من أن كل مصري لديه بطاقة هوية وجنسية وأنه يستطيع أن يمارس كل حقوقه القانونية بكل حرية, وأنه يتمتع بالمعارف الضرورية بكيفية ممارسة هذه الحقوق, وأن تقوم الهيئات المعنية بواجبها كاملًا في الوصول إلى كل مصري, وضمان أنه يحظى بهذه الرعاية من قبل إحدى أو كل هذه الهيئات. وتتمتع الأسر التي ترأسها نساء والأطفال الذين لا يوجد عائل لهم بحق الحماية والدعم المجتمعي بما يوفر لهم جميع الحقوق الإنسانية مثلهم في ذلك مثل غيرهم من المواطنين, بما يشمل في الحق الأدنى تأمين حاجاتهم الأساسية والحق في العلاج والتعليم المجاني, وفرص العمل الكريم والمعيشة في أجواء من الرعاية والتضامن التي تبعد شبح العزلة أو الاستغلال والأمراض الاجتماعية الأخرى.

مادة خامسة:

عاش المصريون تاريخيًا في جماعات عضوية قريبة منهم. وتعد حماية الأسرة, وإحياء الجماعة القروية «والأحياء المدينية» والنقابات المهنية والعمالية وجميع الصور والهيئات التضامنية الأخرى حقًا أساسيًا من حقوق المواطنة. ويتمتع كل المواطنين بحقوق متساوية في المشاركة في إدارة هذه الهيئات وانتخاب نواب عنهم للقيام بمهام قيادية بكل حرية, من أصغر قرية وصولًا إلى المجتمع الوطني.

مادة سادسة:

أيًا كانت السياسات الاقتصادية فإنها يجب أن تقوم على تكافؤ الفرض وأن تستهدف الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المساواة, ويمنع أي تشريع أو ترتيب فعلي يقود إلى تجميد أو توسيع الامتيازات الطبقية أو أي نظام جامد لعدم المساواة, ويلغي أي قانون يحجب الحق في الحرية والكرامة أو أي حق إنساني آخر بسبب العوز أو الفقر أو المديونية. وفي كل الأحوال تشجع السياسات العامة التعاونيات وكل صور التضامن الاقتصادي والاجتماعي وخاصة تلك التي تعزز الشعور بالانتماء إلى جماعة عضوية تقوم بوظائف ايجابية في الحماية والتضامن وإعادة التوزيع والنهوض بالبيئة.

مادة سابعة:

يجب أن يتمتع جميع الأميين بحق التعليم الضروري لضمان مشاركتهم على قيد المساواة في الحياة الاجتماعية والوطنية, وتلتزم الدولة بأن توفر هذا الحق على وجه السرعة بما يضمن وضع نهاية تامة لظاهرة الأمية. ولجميع المصريين الحق في تلقي مختلف صور التدريب المهني الضرورية لامتلاكهم مهارات تضمن تمكينهم من الحصول على فرص عمل مشبعة وذات معنى, وإنهاء ظاهرة البطالة الممتدة أو الدائمة.

مادة ثامنة:

تمارس جميع حقوق المواطنة على قيد المساواة دون أي تمييز على أساس الدين أو الجنس أو الاقليم أو الجهة أو ادعاءات الأصل أو الثروة أو أي اعتبار اخر. وبصورة خاصة يتمتع المواطنون جميعا بحقوقهم الدينية كاملة، وتجرم ممارسة أي تمييز على أساس الدين, وتنقي جميع التشريعات واللوائح الصادرة عن أي مستوى من كل صور التمييز على أساس الدين أو العقيدة.

مادة تاسعة:

للمصري حق الحماية القانونية من جانب دولته وهيئاتها المدنية والسياسية داخل بلاده وخارجها, وتلزم الهيئات الدبلوماسية والسياسية وكل الهيئات الأخرى الممثلة للبلاد في العالم الخارجي بضمان تمتع كل مصري في أي بلد أجنبي بحقوق الانسان وبالحقوق المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية ذات الصلة. ويجب أن تتأكد قبل كل شيء بأنه لن يقف وحيدًا ودون مساندة ودعم من دولته أمام أي سلطة قانونية أو فعلية في البلد الأجنبي الذي يعيش فيه.

مادة عاشرة:

حقوق المواطنة المنصوص عليها في هذا الإعلان تعني في مجموعها حتمية استرداد وتفعيل مبدأ سيادة الأمة المصرية على أرضها وترابها الوطني ومياهها الاقليمية وأجوائها دون نقص أو زيادة. ولا يجب أن توضع نهاية حاسمة لأي سلطة مغتصبة من الأمة أو فرضت عليها في ظروف خاصة ومؤقتة دون تفويض قطعي وواضح من الأمة في انتخابات حرة وعادلة ونزيهة على المستويات الاجتماعية كافة. ويجب أن يضمن الدستور والقانون أن تتم هذه الانتخابات بصورة دورية وسلمية وشفافة ومتوافقة مع أرقي المبادئ الديمقراطية. ويشكل تزوير الانتخابات النيابية على أي مستوي جريمة لا تسقط بالتقادم يعاقب عليها القانون بما يكفي لردعها ووقف جميع صور الفساد السياسي.

مادة حادية عشرة:

النظام النيابي الذي يضمن تطبيق هذا الاعلان هو الذي تقوم فيه الهيئات الحكومية بدور خادم للشعب وبممارسة التفويض الذي يمنحه لها الناخبون لفترة محددة. ويوفر هذا النظام آليات مناسبة لتأكيد مبدأ سيادة الأمة وخضوع جميع الهيئات الحكومية والعامة لمبادئ الشفافية والمحاسبية والحكم الجيد, باعتبارها خادمة للشعب وليست سيدة عليه. كما يجب أن يضمن أن تتم ممارسة جميع السلطات بصورة مؤقتة وبحد أقصى زمنيًا, بما يستبعد احتكار السلطة أو تأبيدها أو ممارستها خارج القانون أو قيامها بالعسف والتلاعب بحقوق المواطنين.

مادة ثانية عشرة:

تتمتع المصريات بنفس حقوق المواطنة التي يحصل عليها الرجال على كل المستويات, ويجب أن ينشئ القانون آلية مؤقتة لضمان تمثيل النساء تمثيلا كافيا في كل الهيئات النيابية والوظائف العامة لتعويضهن عن النتائج السلبية للظروف التاريخية التي حرمتهن من التمتع بثمار المساواة الفعلية وتكافؤ الفرص.

مادة ثالثة عشرة:

أيًا كانت طبيعة النظام السياسي أو النيابي الذي تختاره الأمة وتوثقه في دستور ديمقراطي, يمثل استقلال القضاء استقلالًا تامًا غير منقوص الضمانة الأساسية لحقوق المواطنة. ويجب أن ينص على حماية هذه السلطة من أية صورة من صور التدخل الإداري أو السياسي.

مادة رابعة عشرة:

يضمن نائب عام منتخب من نظام قضائي مستقل ـ أو مباشرة من الشعب ـ حماية جميع حقوق المواطنة وحقوق الانسان في الأراضي المصرية وملاحقة كل من يشتبه بقيامه عمدًا بحرمان أي مواطن مصري من حقوق المواطنة أو حرمانه من المعاملة اللائقة والكريمة المستحقة له وفقًا لهذا الإعلان قضائيًا وضمان عدم إفلاته من العقوبة مهما كانت سلطته. النائب العام يشكل سلطة قضائية عليا لها حق تلقي الشكاوي ورفع الدعوي القضائية ومتابعتها أمام جهات الاختصاص, ويقوم بعمله بصورة مستقلة تمامًا عن أي سلطة سوي السلطة القضائية ويتعين تحصينه من جميع صور التدخل الإداري أو السياسي أو الاقتصادي.

مادة خامسة عشرة:

تطبيق الحقوق المنصوص عليها في هذا الاعلان وفي دستور ديمقراطي يرسخ هذه الحقوق ويحميها ـ يقتضي ثورة كاملة تقوم على التوسع في كل ما يحمي حقوق المواطنة ويرسخ كرامة المصري ويطهر التشريعات من كل ما تشتمل عليه من أوجه العسف والإذلال والتحقير أو التقييد غير الضروري لحريات وحقوق المواطنين في ممارسة حقوق المواطنة كاملة. ويعد تطهير التشريعات من هذه القيود أو من أوجه العسف الأخرى جزءً لا يتجزأ من حقوق المواطنة. ويجب أن تنشأ آلية خاصة لضمان خضوع جهات تنفيذ القانون لمبدأ سيادة الأمة بما في ذلك أن يتولى رئاستها العليا أشخاص مدنيون وتحت رقابة البرلمان والنائب العام والرأي العام, بما يضمن التأكد أنها لن تسيء استغلال سلطاتها الأمنية.

مادة سادسة عشرة:

لا تنفصل حقوق المواطنة عن واجباتها ومسئولياتها. ويمثل احترام حقوق المواطنين الآخرين ومباشرة التطوع من أجل الخدمة العامة, والتضامن مع الآخرين في توفير متطلبات التضامن الاجتماعي فضلا عن احترام الدستور والقانون والتعاون في الدفاع عنه وعن مبادئ العدالة وعن استقلال ورفاهية الوطن ـ واجبات ومسؤوليات أساسية للمواطن المصري الذي يليق باسم وطنه.

مادة سابعة عشرة:

يعد الفساد السياسي والاقتصادي وبصورة خاصة جرائم التعذيب وما يشابهها وجرائم تزوير الانتخابات وتزييف ارادة الشعب وتشويه الحقائق من أجل اساءة استغلال السلطة أو التربح منها أو الاحتفاظ بها بصورة مخالفة للقانون أو توريثها وتوريث الوظائف العامة أو حجب حقوق أساسية للمواطنين بما في ذلك حقهم في تكافؤ الفرص, وكل صور الفساد السياسي الأخرى, وكذلك سرقة المال العام أو تدميره بصورة متعمدة أو بسبب انعدام المسئولية، أو نقله بصورة غير مبررة لغير مستحقيه خيانة للأمانة وللوطن والمواطنين جميعا, ويجب أن تلقى هذه الجرائم عقابا متساويا مع خطورتها.

مادة ثامنة عشرة:

لا تقوم المواطنة المتساوية والحرة إلا في بلد مستقل وحر. ويمتنع على أي موظف عام عقد أية اتفاقية أو معاهدة –أو باستخدام أي أليات أخرى– تعرض حرية واستقلال الوطن للخطر أو النقصان, أو تجحف بحقه في الدفاع عن نفسه, أو تسبب إضرارا بالبيئة أو بصحة المواطنين ورفاهيتهم وحقوقهم. ويجب مراجعة أي اتفاقيات أو ترتيبات فعلية تؤدي إلى مثل هذه النتائج. وترفض جميع صور التدخل في الشئون الداخلية تلقائيا إلا ما وافقت عليه البلاد في إطار ميثاق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى التي مصر عضو فيها, والاتفاقيات الدولية العامة ومن خلال آلياتها وحدها, والتي تطبق على قيد المساواة على جميع الدول الأخري.

مادة تاسعة عشرة:

للمواطن المصري الحق في التمتع بثمار الحياة الثقافية, والمساهمة فيها بحرية. ويجب أن يتاح حيز كبير للنمو الثقافي الأرقي لجميع المواطنين, بما في ذلك التدريب على مختلف صور الابداع. وتعد صيانة وإحياء الابداع الشعبي الخلاق واجبا من واجبات المواطنة وجزءا لا يتجزأ من حقوقها. ويعد استقلال الجامعات ومعاهد العلم وضمان ازدهارها ووصولها إلى المستويات العالمية في الانجاز التعليمي والمعرفي ـ حقًا أصيلًا من حقوق المواطنة فضلا عن أنه حق أصيل للوطن الذي بنته المعرفة ولا يستطيع أن ينمو ويستقل ويزدهر إلا بها.

مادة عشرون:

للمواطن المصري حق ومسؤولية في ضمان إنهاء الفقر والتخلف في بلاده, ويجب أن تضمن السياسات الاقتصادية والعامة الترقي المنهجي للقدرات العلمية والتكنولوجية للبلاد بما في ذلك إصلاح التعليم العام وضمان ازدهاره وتفوقه, وانتهاج استراتيجية التنمية البشرية كأولوية لا تقل أهمية عن الوفاء بالحقوق الأساسية باعتبارها أداة أساسية للتنمية وللوصول إلى أعلي المستويات الممكنة في الوفاء بهذه الحقوق.