مثقفون أكاديميون : غياب الحرية سبب رئيسي لتخلف العرب والمسلمين

In صالون بن رشد by

أجمع عدد من المثقفين والأكاديميين على أن غياب الحرية في العالمين العربي والإسلامي يمثل سببا رئيسيا لتخلف هذه المنطقة من العالم، فيما اختلفوا حول كيفية التعامل مع الأسباب المختلفة لهذا التخلف وكيفية الخروج منه لمواكبة تقدم البشرية في مختلف المجالات.
جاء ذلك ردا على تساؤل أثاره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان حول أسباب تخلف العرب والمسلمين في ندوة نظمها في إطار صالون ابن رشد في 18 مارس وأدارها بهي الدين حسن مدير المركز.
وفي البداية عدد بهي الدين حسن أسبابا عدة، وتساءل عما إذا كان أحدها أم كلها وراء تخلف العرب والمسلمين، وذكر من هذه الأسباب ما إذا كانت المشكلة في استبداد الأنظمة العربية سياسيا وثقافيا أم في الابتعاد عن الدين القويم كما تقول بذلك بعض التيارات أم هو العكس أي في سيادة الفكر الديني الذي ينتجه الفقهاء المتجمدون وسيادة فكر التحريم في الثقافة الدينية السائدة؟.
وأضاف عما إذا كانت المشكلة هى فيما يقال عن أن العرب يتسمون بالكسل وخمود الهمة نتيجة العيش في الصحراء الواسعة؟ أم هى الكبت الجنسي وما يسببه من انفلات وفساد في القيم؟ أم هى في سيادة الثقافة الأبوية؟ أم هى مشكلة سيكولوجية متجذرة خاصة بالعربي، وأنه يحلم بالآخرة ولا يفكر في الدنيا الزائلة ولذلك يخشى الابتكار.
وفي ورقته لخص الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي حديثه في التأكيد على أن البحث عن الأسباب لا يمثل –في ظنه- نقطة بداية صحيحة للخروج من أزمة التخلف، معتبرا أن الأفضل هو في تحديد ما يمكن عمله بشكل فوري للخروج من أزمة التخلف السائدة في العالمين العربي والإسلامي، مع التأكيد على أن الأسباب السابق ذكرها هى أسباب صحيحة، لكنه أشار إلى أن الكسل لا تتسم به الشعوب العربية وحدها وأن جمود الدين هو في الأساس يأتي بواسطة السلطة الدينية إلى جانب سيادة النفاق والعجز عن الإبداع.
واعتبر الكاتب الصحفي رضا هلال مساعد رئيس تحرير الأهرام أن سؤال لماذا تخلف العرب؟ ينطلق من إشكالية الوعي بالغرب وأن السؤال الأصح الذي كان يجب طرحه هو: لماذا تقدم الغرب؟ مؤكدا على أن العالم العربي كان ممكنا أن يكون سعيدا بتخلفه لو لم يتقدم الغرب! وأشار إلى أن هناك ثلاث قضايا يمكن طرحها للبحث للإجابة على هذا السؤال وهذه القضايا الثلاث هى: المعتقد الديني والتنظيم السياسي والعلاقة بالغرب.
وفيما يتعلق بالقضية الأولى أوضح هلال أنه يعني تحديدا به الإسلام، مشيرا إلى أن هناك كثيرا من الحداثيين والليبراليين والاشتراكيين يرون أن الإسلام عقبة أمام التقدم وأنه –هلال- لا يتفق معهم في هذا مشيرا إلى سؤال طرحه عدد من المستشرقين من قبل وهو: لماذا كان المجتمع الإسلامي رائدا في فترة سابقة إذا كنا نلوم الإسلام الآن؟
أكد هلال أن المشكلة ليست في الإسلام وإنما هى في بعض المسلمين في تحديد العلاقة بين الدين والدنيا، مشيرا إلى أن الله في الفقه هو مصدر التشريع وشرعية السلطة، لكن الدولة الإسلامية لم تكن بأي شكل دولة دينية بمعنى الكهانة التي عرفت في الغرب.
اعتبر هلال أن إلغاء الخلافة كان خطوة حاسمة في دار الإسلام نحو ما وصفه بـ “دنيوية السياسة”، مشيرا إلى أن هذه الدنيوية واجهت مشكلات عدة منها أنها كانت متأثرة بالتجربة العلمانية الفرنسية التي كانت معادية للدين لظرف تاريخي خاص بفرنسا، أما المشكلة الأخرى فهى أنها –الدنيوية- طرحت من أعلى بواسطة الدولة بعكس ما حدث في الغرب.
وانتقل هلال إلى القضية الثانية وهى دور التنظيم السياسي أو ما وصفه بطريقة الحكم، فأشار إلى أن الدولة الإسلامية كانت قائمة بشكل أساسي على التجارة والغزو وهو ما جعلها دولة صرف أو إنفاق في الأساس وليست دولة إنتاج، مشيرا إلى أن الشعوب العربية رحبت كثيرا بنظم استبدادية لكونها تقوم بالصرف والإنفاق ولا تعتمد على الإنتاج.
تناول هلال القضية الثالثة وهى العلاقة بالغرب فأكد بداية أنه لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الإمبريالي للغرب في المنطقة العربية وتركيزه في تعامله معها على مصالحه وخاصة البترول وإسرائيل.
وقال إن السياسة الأمريكية تنكرت كثيرا للقيم الليبرالية الأمريكية ووقفت ضد نظم وطنية مثل النظام الناصري ونظم ديمقراطية مثل حكم مصدق في إيران وساندت في نفس الوقت نظما استبدادية في مناطق عدة في العالم.. لكن هلال أكد أن الوجه الإمبريالي للغرب لا يجب أن يطمس الوجه الحضاري له، مشيرا إلى أن ما تعرفه المنطقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم التكنولوجي والعلمي قد استمدته من الغرب.
ختم هلال حديثه بالقول إن مسئوليتنا تتعلق بغياب الحرية وحرية العقل والمواطن والمرأة وهذا لا يمكن تبريره بتأويل سلفي للدين وعبادة دولة الصرف والاستبداد ولوم الغرب وإسرائيل ومقولة أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، مؤكدا أن تلك التبريرات جميعها تمثل أسباب تخلف العرب.

استبداد وفساد
وبدأ الدكتور عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين حديثه بالإشارة إلى أننا مقبلون على حقبة استعمارية جديدة يمكن لها أن تستمر قرونا إذا لم نبدأ البداية الصحية لمعالجة تخلفنا بعد أن نعترف أننا فعلا متخلفون.
أشار العريان إلى أننا لسنا في حاجة إلى تبريرات ولا يمكن أن نلقي باللوم على حكام ولا على الغرب وإنما يجب أن نتسق مع إيماننا الإسلامي، مشيرا إلى أن الرسول والصحابة أنشأوا نهضة للعرب لم يحدث لها مثيل من قبل. وأكد أن غياب الحرية هو سبب تخلف العرب والمسلمين وأن نهضتهم الحقيقية يمكن أن تبدأ بها.
وأضاف قائلا إن الفكرة القومية حاولت أيضا بناء نهضة، لكنها كانت على أساس فكرة الوحدة والدولة المتسلطة وكانت نتائج ذلك معروفة للجمعي وآخرها ما يجري في العراق.
قال العريان نحن نريد أن نبني نهضة جديدة وسط مشروع للمقاومة، فنحن أمام هجمة استعمارية جديدة وقوة تريد أن تنفرد بالعالم وتهيمن عليه وتحتكر الرفاهية لنفسها وتقوم بتهميش الجميع. وأكد أن محاولات البحث عن حلول خارجية مثل العولمة والتغريب لن تستطيع أن تؤدي إلى نهضة الأمة العربية والإسلامية. وأضاف أنه قد آن الأوان لكل المفكرين الذين يبحثون عن سؤال النهضة أن يبحثوا في مشروع إسلامي يتسع للجميع وحتى لغير المسلمين وغير المتدينين، مشيرا إلى أن موقف الكنيسة الأخير والمشرف المناهض للحرب على العراق سيكون له أثره بالتأكيد في تغيير أفكار الكثيرين من المتشددين.
قال العريان نحن لا نستطيع أن نبدع نموذجا مصريا والإسلام لم يمنع تقدم ماليزيا وتركيا، وهو يستطيع أن ينهض بنا ويجعلنا نقاوم، مشيرا إلى أنه يمكن أن يكون هناك ولع بالغرب أو عداوة شديدة له، ولكن هناك بالتأكيد موقف وسط في التعامل مع الغرب على حقيقته والتحاور إذا ما استطعنا التحاور أو التدافع ولا مانع من الاتفاق أو الاختلاف.
رفض العريان التفرقة بين ما هو ديني وما هو إنساني وقال إنه لم يدعي أحد في تاريخ الإسلام أنه يحكم باسم الله ولم يعرف هذا التاريخ ما يسمى بدولة دينية أو حكم إلهي مطلق ولو أن أحدا قال بذلك فسيتم قتله.

غياب العلم والتعليم
وفي بداية حديثه انتقد الدكتور أحمد محيي الدين الأستاذ بكلية الطب بجامعة عين شمس عدم التطرق لتغييب العلم والتعليم كسبب من أسباب تخلف العرب والمسلمين، وأكد أن البحث العلمي قضية مهمة، لكنها لا توجد على أولويات النهضة في العالم العربي والإسلامي.
ودلل على ذلك بأرقام ذكرها تقرير البنك الدولي لعام 2000 ومنها أن معدلات الأمية في مصر بالنسبة للإناث 60% وللذكور 35% وهى في ماليزيا 15% للإناث و10% للذكور وفي كوريا الجنوبية 4% للإناث و1% للذكور وفي إسرائيل 7% للإناث و2% للذكور.
وأضاف أن نسبة القيد بالكليات العملية في مصر 2.9% من جملة المقيدين بالجامعات المصرية في حين أنها في سنغافورة 24% وفي كوريا الجنوبية 23% وفي إسرائيل 11%.
أما عدد الأفراد العلماء والمهندسين في مجالات البحوث والتطوير فهى في مصر 458 فرداً لكل مليون نسمة وفي كوريا الجنوبية 2362 وفي جنوب أفريقيا 938 ونسبة الإنفاق على البحث والتطوير 0.2% من جملة الناتج القومي في مصر. وفي كوريا الجنوبية 2.8% أما في إسرائيل 2.4% أي 12 ضعف النسبة في مصر.
وأشار إلى أن صادرات التقنية العالية في مصر 7% وجزء كبير منها على علاقته بالدواء، أما هذه النسبة في إسرائيل فيها 335 ومساهمة مصر في النشر العلمي في المجالات العلمية هى 0.2% وإسرائيل 2.4% وفي الهند 4%.
أكد الدكتور محيي الدين أن هناك قضية هامة يجب النظر إليها وهى كيفية إدارة مؤسسات البحث العملي وخاصة الجامعة، مشيرا إلى أنها تدار بطريقة شمولية حيث يضع لها وزير التعليم العالي الميزانية والسياسة، وهو في نفس الوقت عضو في الحكومة التي تعين خريجي هذه المؤسسات.
اعتبر محيي الدين أن المجتمع المصري مر منذ منتصف السبعينيات بما يمكن تسميته بفترة الفرص الضائعة مشيرا إلى أن الانشغال بالتناقض مع إسرائيل واعتباره تناقضا مع الولايات المتحدة كان سائدا في تلك الفترة إلى جانب دور الناشطين الإسلاميين على المستوى الفكري.
أضاف أن فكرة الخصوصية التي سادت مع الاتجاه القومي الناصري أدت إلى عدم إثارة قضية الديمقراطية إلى جانب أن الاتجاه الأصولي الإسلامي سادت لديه فكرة الجهاد وتداعياته العملية بدلا من فكرة التقدم والبحث والتفاعل مع الحضارات الأخرى.

 

This post is also available in: English