مركز القاهرة: القانون وسيلة للهروب من إخفاق الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب، ويشكل خطورة على ما تبقى من حقوق وحريات المواطنين و كرامة الدستور

أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان صباح اليوم 3 ديسمبر تعليقًا قانونيًا حول القانون المقترح بشان الكيانات الإرهابية، والذي وافق عليه مجلس الوزراء برئاسة إبراهيم محلب في 26 نوفمبر 2014، والمقدم من لجنة الإصلاح التشريعي التي أقرته في 24 من الشهر نفسه، مطالبًا رئيس الجمهورية بعدم إقراره، وانتظار البرلمان لمناقشته ومراجعته بشكل دقيق.

اعتبر مركز القاهرة أن القانون المقترح، والمحال لرئيس الجمهورية للإقرار والنشر، يشكل اعتداءً على الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا، بالإضافة إلى مخالفته لالتزامات مصر الدولية بموجب الاتفاقيات التي صدقت عليها، متشككًا في ادعاءات الحكومة أن هذا القانون داعمًا لجهود الدولة في إطار مكافحة الإرهاب، ومؤكدًا أنه إذا أرادت الدولة إصدار قانون خاص بالكيانات الإرهابية فعليها ألا تضحي بالدستور وأن يكون القانون متوافق مع المعايير الدولية.

التعليق الذي جاء في 8 صفحات، شدد في مقدمته على كارثية العمليات الإرهابية التي تنفذ بشكل شبه يومي في شمال سيناء والمحافظات المختلفة، إلا أنه يرى أن الحكومة تستخدم الحرب على الإرهاب كذريعة لتمرير قوانين تعصف بالحقوق والحريات أو في أفضل الأحوال وسيلة للهروب من مسئولية الإخفاقات المستمرة للأجهزة الأمنية في التصدي للهجمات الإرهابية وحماية المواطنين، والجنود من الشرطة والقوات المسلحة، وذلك بالتذرع بوجود فراغ تشريعي يعوق ملاحقة ومحاسبة الجناة، بالرغم من انحصار رؤى الحكومات المتعاقبة –منذ 1981 وحتى الآن– في إجراء تعديلات تشريعية أو سن قوانين جديدة ذات طابع قمعي بحجة مكافحة الإرهاب، بينما لم تحقق تقدم يذكر. مشيرًا إلى عدم فاعلية استراتيجيات الحكومة لمحاربة الإرهاب، فقد سبق واعتبرت الدولة عدد من التنظيمات القائمة كيانات إرهابية مثل جماعة أنصار بيت المقدس، إلا أن هذا لم يوقف العمليات الإرهابية المتكررة.

خمسة محاور رئيسية ركز عليها التعليق القانوني تمثل الأسباب الرئيسية لرفض مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لمشروع القانون، أولها التعريف الفضفاض غير المنضبط الذي قدمه القانون للكيانات الإرهابية، والتي لا تتناسب نهائيا مع خطورة التهمة وطبيعة الآثار المترتبة على إدراج الكيان أو الأفراد كإرهابيين، فكيف يمكن تفسير عبارات مثل “الإخلال بالنظام العام“، “الإضرار بالوحدة الوطنية، “سلامة المجتمع وأمنه“، “إيذاء الأفراد“،”إلحاق الضرر بالبيئة“. وكيف يمكن أن تثبت الأدلة أن نشاطًا معينًا نال من سلامة المجتمع، أو أضر بالسلام الاجتماعي، أو أن منظمة أو جماعة الغرض من إنشائها إلحاق الضرر بالبيئة أو بالموارد الطبيعية أو بالآثار أو بالأموال أو المباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة؟ فكل هذه العبارات المعيبة سيتم تفسيرها وفقًا لمن يملك سلطة التفسير، دون الاستناد إلى معيار قانوني واضح، الأمر الذي يفتح الباب –وفقًا للتعليق– لقمع الأصوات المعارضة أو الخصوم السياسيين ودعاة الإصلاح والتغيير من المجتمع المدني، على نحو يخالف الدستور وأحكام المحكمة الدستورية التي أوصت بتعريف منضبط للنصوص العقابية لمنع توظيفها أو إساءة استخدامها.

كما ينتقد التعليق القانوني في هذا الصدد اعتبار أي مجموعة أو منظمة أو جمعية كيان إرهابي وتوقيع الجزاءات التعسفية والعقوبات عليها، لمجرد الدعوة بأي وسيلة –حسب نص القانون– لوقف العمل بقانون معين، أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح، معتبرًا أن جملة “الدعوة بأي وسيلة” جملة مجردة تشمل أيضًا الوسائل السلمية كالبيانات أو التقارير أو الدعوة لتجمعات سلمية لوقف العمل أو تغيير قانون ما، ومن ثم يدخل في نطاقها منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية التي تدعو لإلغاء قانون التظاهر مثلا، أو التظاهرات–التي تنظمها مجموعات أو كيانات سياسية– للاعتراض على قرارات أو أحكام معينة. ويضيف التعليق أن المادة 1 من القانون المقترح اعتبرت الكيانات التي “تعطل المواصلات العامة والخاصة أو تمنع أو تعرقل سيرها” كيانات إرهابية، الأمر الذي ينطبق على كافة التظاهرات خصوصًا التظاهرات الكبيرة والأفعال الاحتجاجية حتى السلمية منها.

تطرق التعليق أيضًا للآلية التي وضعها القانون المقترح لاعتبار أي كيان “إرهابي”، والتي –حسب القانون المقترح– لا تشترط أن يكون ثبت فعلًا ارتكابه لجرائم محددة مبينة في القانون، بل يكفي أن تتهمه النيابة بذلك، ويصدر قرار وقتي من الدائرة المختصة بذلك، يدرجه ضمن قائمة الكيانات الإرهابية ويستتبع ذلك مجموعة من الإجراءات التعسفية والعقوبات المدرجة في المادة 9 من القانون، ويستمر ذلك لمدة تصل حتى 3 سنوات كحد أقصى لصدور حكم قضائي نهائي إما بإقرار ” إرهابية” هذا الكيان أو رفعه من قائمة الكيانات الإرهابية، بعدما يكون قد تم وقف أعماله ومصادرة أمواله وأموال أعضاءه، وحرمانهم من مباشرة حقوقهم السياسية لحين صدور الحكم.

وفي هذا الصدد يشدد التعليق على أن مقترح القانون يتيح المجال لإمكانية استخدامه في حل الأحزاب السياسية، وحرمان الخصوم السياسيين من مباشرة حقوقهم السياسية والمشاركة في الانتخابات، لفترة قد تصل لثلاث سنوات دون حكم قضائي نهائي وبات لمجرد انتمائهم لكيان صدر قرار وقتي باعتباره إرهابي، وذلك بالمخالفة لنص المادة الثانية من قانون مباشرة الحقوق السياسية، التي تقتضي صدور حكم قضائي نهائي لسلب المواطنين حقهم في المشاركة السياسية، والمادة 17 من قانون الأحزاب السياسية التي تشترط لحل الحزب صدور حكم من الدائرة الأولى من محكمة القضاء الإداري بناءً على طلب من رئيس لجنة شئون الأحزاب وموافقة أعضاء اللجنة.

في ختام التعليق طالب مركز القاهرة لجنة الإصلاح التشريعي والمشكّلة بغرض مراجعة القوانين لتتوافق مع الدستور واقتراح قوانين جديدة تحقق مقاصده –وذلك وفقا لقرار إنشائها– بأن تتوقف عن اقتراح القوانين التي تشكل اعتداءً على الدستور وعلى أحكام المحكمة الدستورية العليا، وأن تضطلع بأولى مسئوليتها وهي مراجعة القوانين الحالية لتتوافق مع الدستور، وتقديمها للبرلمان، صاحب الاختصاص الأصيل في إصدار التشريعات، مؤكدًا أن القانون الذي جاء في 11مادة، يشكل خطورة على ما تبقى من حقوق وحريات للمواطنين وعلى ما تبقى من كرامة الدستور. إذ يجعل الإدراج على قائمة الكيانات الإرهابية سيفًا مسلطًا على كيانات شرعية وسلمية مثل أحزاب المعارضة أو النقابات المستقلة أو المنظمات الحقوقية. الأمر الذي قد يساوي ما بين تنظيم إرهابي مثل تنظيم داعش وما بين أحد المجموعات الشبابية أو أحزاب المعارضة التي تتخذ السلمية نهجًا لعملها.

للاطلاع  على نص التعليق اضغط هنا

This post is also available in: English