مركز القاهرة يدعو لعقد "المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان: آفاق المستقبل"

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسان by

بدعوة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وبضيافة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان انعقد “المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان: آفاق المستقبل” في الدار البيضاء بالمغرب خلال الفترة 23-25 أبريل/نيسان 1999، للبحث في مسئوليات ومهام الحركة خلال المرحلة المقبلة، على ضوء مسيرة 50 عاما منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وبعد مراجعة المواثيق والعهود والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان، ونتائج المؤتمرات المنعقدة لتعزيز منظومة الحماية الدولية لحقوق الإنسان، على المستويين العالمي والإقليمي، وعلى رأسها المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان في فيينا 1993.
وبعد استعراض نتائج المؤتمرات والاجتماعات والمشاورات السابقة بين المنظمات والفعاليات العربية لحقوق الإنسان، وما أسفرت عنه من توصيات ونتائج.
وبعد الإطلاع على التقارير الدورية والإسهامات النظرية ودلائل العمل والوثائق الأخرى الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الموثوق بمصداقيتها والعاملة على المستوى الوطني والإقليمي العربي والدولي.
وبعد الإطلاع على ورقة العمل العامة للمؤتمر، وعلى أوراق العمل التي أعدت حول محاور المؤتمر الخمسة عشر، وعلى المناقشات المكتوبة التي دارت حولها على مدار الشهرين الماضيين بين أعضاء المؤتمر.
وبعد مناقشات مسهبة في إطار مجموعات العمل التي انقسم إليها المؤتمر، والمناقشات في الجلسات العامة للمؤتمر ككل.
قرر المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان إصدار هذه الوثيقة باسم “مهام الحركة العربية لحقوق الإنسان” لتكون دليل عمل تهتدي به مختلف الفعاليات العربية المناضلة من أجل احترام حقوق الإنسان في العالم العربي.
أولا: الظروف الدولية:
تقديرا للأثر البالغ الذي تفرزه التطورات الدولية على أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، ناقش المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان الظروف الراهنة المؤثرة على الحماية الدولية لحقوق الإنسان.
ويلاحظ المؤتمر أن السمة الرئيسية للظروف الدولية الراهنة هي استمرار عجز المجتمع الدولي عن اغتنام فرص التحولات الإيجابية الجديدة لإنشاء وتعزيز أنظمة ومؤسسات فعالة لترجمة المسئولية المشتركة للإنسانية في مجالات عديدة، وعلى رأسها المسئولية عن حماية وتأكيد احترام حقوق الإنسان.
أ- ويلاحظ المؤتمر بعض هذه العوامل الإيجابية الناشئة عن نهاية الحرب الباردة، وانتشار موجة التحول الديمقراطي في مناطق جديدة من العالم وخاصة أوربا الشرقية، والثورة العلمية والتكنولوجية الراهنة والتي تفتح آفاقا هامة للتقدم، والإدراك المتزايد للحاجة لمزيد من التعاون الدولي في مختلف الميادين، والاهتمام الواضح بتعزيز التنوع المبدع للثقافات على المستوى العالمي، ورغبة جماعات ومناطق إقليمية جديدة في المشاركة بشكل أكبر في الاستجابة الفعالة للتحديات التي تواجه البشرية.
ب- ويلاحظ المؤتمر أن هذه التحولات الإيجابية في المناخ العام للعلاقات الدولية قد انعكست على بزوغ عوامل إيجابية خاصة بالعمل من أجل تعزيز النضال من أجل حقوق الإنسان. وكما عبر مؤتمر فيينا عام 1993 والمؤتمرات العالمية الأخرى ذات الصلة، وخاصة المؤتمر الدولي للسكان بالقاهرة 1994 ومؤتمر القمة الاجتماعية في كوبنهاجن 1995 والمؤتمر العالمي للمرأة ببكين 1995، فمن الواجب توظيف هذه العوامل الجديدة لتعظيم القناعة بحتمية احترام جميع النظم السياسية في العالم لحقوق الإنسان، وتعزيز نظام الحماية الدولية لحقوق الإنسان المعمول به في إطار منظومة الأمم المتحدة، وخاصة من خلال فرض رقابة أقوى على انتهاكات الدول الأعضاء، ومتابعة أوثق لهذه الانتهاكات، وحماية أقوى للحقوق الفردية والجماعية، بما في ذلك تطوير الآليات القائمة مثلما حدث مؤخرا، باعتماد البروتوكول الاختيارى لاتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، أو إنشاء أنظمة جديدة للحماية، خاصة المحكمة الجنائية الدولية والمفوض السامي الخاص لحقوق الإنسان.
ويعلن المؤتمر تأييده التام لما تم إنجازه في هذا المضمار، على طريق تحسين بيئة تطبيق الالتزامات الخاصة بحقوق الإنسان في إطار منظومة الأمم المتحدة، وتحسين الإطار الرقابي والحمائي المعمول به في إطار المنظمة الدولية. ويشيد في هذا السياق بتجربة الأمم المتحدة في الانفتاح على المنظمات غير الحكومية في كافة الميادين، الأمر الذى انعكس بشكل إيجابي على هذه الميادين. ويطالب المؤتمر بتعميم هذا الانفتاح على بقية مؤسسات المجتمع الدولى. كما يطالب بإعمال هذا التوجه من جانب المؤسسات الإقليمية العربية.
ج- ويلاحظ المؤتمر أيضا أن بعض التطورات السياسية الدولية كانت إيجابية على وجه العموم، وأدت إلى تخفيف القلق من أوجه معينة للمخاطر التي تواجه حقوق الإنسان. فعلى عكس المخاوف من أن تؤدي عملية العولمة إلى فرض ثقافة ما لذاتها وسطوتها على بقية الثقافات، أكد المجتمع الدولي عموماً على إصراره على الدفاع عن التنوع الثقافي ومبادئ المساواة بين كل الثقافات وحقها المتكافئ في التعبير عن نفسها، و على ضمان أفضل الظروف للتعايش بين الثقافات في الأطر الديموقراطية. ويلاحظ المؤتمر استمرار ونمو الوعي العالمي بضرورة القضاء على خطاب الكراهية والعنف وما يسفر عنه من حروب وعمليات تطهير عرقى وتأكيد المسئولية الدولية في حماية الأقليات العرقية و الدينية و اللغوية.
كما أن هناك تحسناً ملموساً أحيانا في أداء بعض المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة، ونشير هنا بصفة خاصة إلى الإعلان حول الحقوق الأساسية في العمل الذي أصدرته منظمة العمل الدولية في مؤتمرها العام 1998، وإقرار المؤتمر العالمى لحقوق الإنسان بفيينا لحقوق المرأة كجزء متكامل من منظومة حقوق الإنسان، وإصدار الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.
كما يلاحظ المؤتمر أن حقوق المرأة قد أصبحت تجد أطرا دولية أفضل للمتابعة، وقبولا أوسع نطاقا من ذي قبل على المستوى العالمي، وأصبحت هذه الحقوق تعالج في إطار التضامن الكوكبي بين المناضلين من أجل تعزيزها.
د- ومع ذلك، فإن المؤتمر لا يسعه سوى أن يلاحظ بقلق أن المجتمع الدولي لم ينجح حتى الآن في حشد تلك العوامل الإيجابية الجديدة لتجاوز السقوف المفروضة على احترام حقوق الإنسان والتقدم صوب مستقبل نوعي جديد للحماية الدولية لحقوق الإنسان.
ويترجم هذا الفشل بوضوح في مظاهر متعددة. فتأسيس آليات جديدة للرقابة والمتابعة والحماية -مثل المفوض السامي الخاص لحقوق الإنسان- لم يرتبط بقوة دفع نوعية كبرى لنظام الحماية الدولية. ولا يزال هذا النظام بعيداً للغاية عن القدرة على التطبيق الكامل والفوري للآليات الميثاقية والتعاهدية وفرض احترامها من قبل حكومات الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. كما ثبت أن هذه الآليات ليست كافية لضمان وقف انتهاكات جسيمة من قبل دول كثيرة أطراف في هذه الاتفاقيات.
هـ – وفي نفس الوقت، فإن المؤتمر يلاحظ بكل أسف أنه على عكس كل التوقعات المتفائلة في بداية عقد التسعينات، فإنه يجري تهميش دور الأمم المتحدة في الشئون الدولية، كما يتم إلحاقها بشكل متزايد بآليات العمل الانفرادية الخاصة بدولة عظمى معينة هى الولايات المتحدة الأمريكية، أو بتحالف من الدول الكبرى، بما يؤدي إلى تعطيل آليات الشرعية الدولية، أو إساءة استخدامها.
كما يلاحظ بقدر كبير من القلق أنه في إطار الظروف التي تخمد الآمال في انتعاش دور الأمم المتحدة، لم تتحرك بالسرعة الكافية المشاورات والإجراءات الرامية لإصلاح هذه الهيئة الأممية، وبصفة خاصة لجعلها أكثر تمثيلا لجميع شعوب العالم، وأقل ارتهانا بإرادة الدول العظمى والكبرى ذات امتياز حق النقض (الفيتو) بمجلس الأمن.
و- ويشير المؤتمر إلى المخاطر الجمة الماثلة في تأخر إصلاحات جوهرية للنظام الدولي، وهو ما قد يؤدي إلى تضاعف قوة طائفة من المخاطر والاعتبارات السلبية، وإفلات فرص نادرة في التاريخ العالمي لإنشاء نظام عالمي جديد وعادل فعلاً.
وقد أصبحت هذه المخاطر أكثر استفحالاً مما سبق، وعلى رأسها خطر الصدامات والصراعات العرقية والقومية والدينية،وما يترتب عليها من فظائع وجرائم ضد الإنسانية، كما يحدث اليوم في كوسوفا وما حدث بالأمس في البوسنة والهرسك، والبلقان و العراق و رواندا و بوروندى، ومناطق أخرى من العالم.
وعلى ضوء هذه المؤشرات المتضاربة يؤكد المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان:
1- تصميمه على دعم النضال من أجل إحداث إصلاحات جوهرية في النظام الدولي، بالتركيز على منظومة الأمم المتحدة بهدف جعل هذه المؤسسة أكثر تمثيلا لشعوب العالم، وأكثر فعالية في التعبير عن المصالح والمسئوليات المشتركة للبشرية.
2- مطالبته لشعوب العالم بالتضامن معا للعمل من أجل التنمية والقضاء على الفقر ومن أجل الازدهار والتنوع الثقافي، وضمان حق تقرير المصير للشعوب المحرومة، والنضال ضد العنف والتطرف وخطاب الكراهية، والحيلولة دون تجدد حملات التطهير العرقي، ومنع جرائم الإبادة، وتأكيد الاحترام التام للقانون الدولي الإنساني وللقانون الدولي لحقوق الإنسان.
3- مطالبته باستمرار العمل على تحسين نظام الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار الأمم المتحدة، وتوظيف كل الآليات، بما في ذلك الآليات المستجدة في هذه المنظومة لضمان الاحترام الكامل ووفاء كافة الحكومات بالتزاماتها وفقا للمواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية.
4- ضرورة تعزيز الوعي بأهمية الترابط بين مصائر الشعوب والمصلحة المشتركة في التنمية واحترام حقوق الإنسان احتراماً كاملاً، وذلك من خلال النضال السلمي والتعاون الدولي في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة، بما في ذلك العمل على إنشاء آليات عمل دولية جديدة تعكس المسئولية المشتركة عن التنمية واقتلاع الفقر.

ثانيا: مشكلة التلاعب بحقوق الإنسان:
يلاحظ المؤتمر أن استمرار العجز عن تأسيس نظام جديد وفعال للدفاع والحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار الأمم المتحدة -بسبب تأخر وإعاقة عملية إدخال الإصلاحات المطلوبة والتي تضمن فعالية أكبر للأمم المتحدة في الشئون الدولية عموما- يؤدي إلى تفاقم مشكلة التوظيف الدعائي والسياسي لمبادئ حقوق الإنسان من جانب دول كبرى معينة، وذلك لدى تطبيق سياساتها الخارجية الخاصة على الصعيد العالمي.
وينبه المؤتمر إلى النتائج الوخيمة المترتبة على استغلال مبادئ حقوق الإنسان لتحقيق أهداف خاصة بالسياسة الخارجية للدول، وبالتغاضي عن الالتزام بالتطبيق الأمين والاحترام الكامل لمبادئ حقوق الإنسان في كافة الحالات والمستويات.
كما ينبه إلى حقيقة أن العالم العربي عانى بشدة ولا يزال يعاني من جراء التوظيف النفعي: السياسي والدعائي لحقوق الإنسان من جانب بعض القوى الكبرى. وهو ما يظهر في سياسة الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة التي أدت بالدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إلى التواطؤ على انتهاك إسرائيل للقانون الدولي، وللحقوق الأساسية للإنسان في الأراضي المحتلة، بل وسكوتها عن استمرار هذا الاحتلال وتعزيزه بالتوسع الاستيطاني كل يوم، بالتناقض الكامل مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
كما يلفت المؤتمر النظر إلى النتائج الوخيمة المترتبة على إساءة استخدام نظام العقوبات الدولية المنصوص عليها في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فبينما دافعت الولايات المتحدة عن إسرائيل، ورفضت دائما استخدام نظام العقوبات لردع انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، فإن الولايات المتحدة قد تجاوزت المدى في توظيف كل ترسانة العقوبات ضد دول عربية وخاصة العراق، بما ترتب عليه من معاناة هائلة للشعوب وليس الحكام. وعلى رأس الأوضاع المترتبة على التطبيق المستمر لنظام العقوبات ضد العراق، الصعود الصاروخي لمعدلات وفيات الأطفال، والبؤس والحرمان الاقتصادي للشعب العراقي بأسره، بما في ذلك فرض الحرمان على قطاعات واسعة تحتاج لحماية النظام الدولي وليس لعقوباته.
وقد شكلت فجوة المصداقية هذه أحد أهم عوائق نشر ثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي، والتأكيد على عالميتها و تجذرها، بين الأجيال الشابة بالذات. كما أن فجوة المصداقية هذه وفرت مناخا مثاليا لتلاعب الحكومات العربية بمبادئ السيادة، وبالعاطفة الوطنية من أجل الطعن في المبادئ السامية لحقوق الإنسان، وفي تكريس الاعتقاد بمثاليتها الصرفة، والقول بعدم قابليتها للتطبيق في العالم الواقعي.
على ضوء هذه الاعتبارات جميعا، فإن المؤتمر الدولي الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان يدعو:
1- جميع المناضلين من أجل حقوق الإنسان في العالم إلى المشاركة في التنبيه إلى مخاطر التوظيف النفعي والسياسي لمبادئ حقوق الإنسان في إطار السياسة الخارجية للدول الكبرى عموما، والتأكيد على أن مساءلة الدول والحكومات عن سياساتها التي قد تؤدي إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان يجب أن تقوم أساسا في إطار منظومة الأمم المتحدة كوعاء للشرعية الدولية.
2- الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار إعلان خاص باحترام حقوق الإنسان في العلاقات الدولية، بما يشمل حظر اللجوء لآليات عمل في مجال السياسة الخارجية للدول تؤدي لانتهاك حقوق الأفراد والشعوب، أو توظيف دعاية خاصة بحقوق معينة بما يؤدي لانتهاك حقوق أخرى.
3- المنظمات الدولية والعربية لحقوق الإنسان لتخصيص قسم خاص في تقاريرها الدورية لمتابعة اتساق السياسات الخارجية للدول الكبرى مع مبادئ حقوق الإنسان، والرقابة على سوء استخدام الدعاية الحقوقية، وفضح انتهاك الحقوق الجماعية للشعوب أو التلاعب بها في مؤسسات المجتمع الدولي.
4- لجنة مجلس الأمن المعنية بمراجعة نظام العقوبات وأسلوب تطبيقها، للاستماع لوجهات نظر المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، والمرأة، وبشئون الأطفال وغيرهم من الفئات المستضعفة، و إيلاء اهتمام خاص بدراسة النتائج اللا إنسانية المدمرة للتطبيق الممتد لهذه العقوبات لنحو عقد كامل من الزمن على الشعب العراقي. ويحث المؤتمر مجلس الأمن على إصدار قرار يدعو إلى الإنهاء الفوري لنظام العقوبات المفروضة على العراق، بدون تأخير أو فرض شروط، تأكيدا لأولوية المصالح الإنسانية على أي هدف سياسي آخر.
5- الرأي العام العربي إلى الرفض البات لتلاعب بعض الحكومات العربية بالعاطفة الوطنية ومبادئ السيادة في العلاقات الدولية، ويعتقد المؤتمر اعتقاداً جازماً بأن كل محاولة لإقامة تناقض مصطنع بين الوطنية من جانب، وحقوق الإنسان والحريات الديمقراطية من جانب آخر تنتهي بإهدارهما معا. ويدين المؤتمر هذه الدعاية الحكومية التي لا تستهدف إلا التحلل من الالتزام باحترام حقوق الإنسان وحمايتها، وتشويه المدافعين عن حقوق الإنسان.
6- الرأي العام العربي إلى رفض كل محاولة لاستخدام الخصوصية الحضارية أو الدينية للطعن في مبدأ عالمية حقوق الإنسان وفي هذا السياق يؤكد المؤتمر على أن الخصوصية الحقيقية التي يجب الاحتفاء بها -ليست تلك التي تبرر الانتقاص من الحقوق المعترف بها عالمياً أو انتهاكها، وإنما هي -تلك التي ترسخ شعور المواطن بالكرامة والمساواة، وتثرى ثقافته وحياته وتعزز مشاركته في إدارة شئون بلاده.

ثالثا: السلام وحقوق الشعوب و الأقليات:
يؤكد المؤتمر على أن حقوق الشعب الفلسطيني تمثل بالنسبة للحركة العربية لحقوق الإنسان المعيار السليم لقياس انسجام المواقف الدولية وإخلاصها للمبادئ المجردة السامية لحقوق الإنسان، وللمعنى الحقيقي والأصيل للسلام كحق وكمناخ ضروري للتمتع بالحقوق الأساسية الأخرى.
ويعني ذلك أن الحركة العربية لحقوق الإنسان لا تقبل على الإطلاق أية أعذار أو حجج للنكوص عن الدفاع الكامل عن الحقوق الأساسية الجماعية والفردية للشعب الفلسطيني، وتعتبر أن احترام هذه الحقوق وتوجيه النقد النـزيه والشجاع للممارسات الإسرائيلية والأمريكية التي تنتهكها أحد أهم محكات التفاعل الدولي للحركة.
وعلى ضوء هذا الاعتبار، تؤكد الحركة العربية لحقوق الإنسان على:
1- دعم خطة الأمم المتحدة بتخصيص عام 2000 سنة لثقافة السلام، وذلك شريطة أن تأخذ الهيئة الأممية في اعتبارها ضرورة التمييز بين السلام العادل الذي ينهض على احترام الحقوق الأساسية ومعاني العدالة والكرامة الأصيلة للشعوب من ناحية، و”السلام” الجائر الذي يعني في الحقيقة مجرد فرض الإذعان والاستسلام على الشعوب، وينطوي على إهدار خطير للحقوق الأساسية الجماعية والفردية لها.
ويعبر المؤتمر عن خشيته من أن تصبح الدعوة حسنة النية لنشر ثقافة سلام لا تأخذ في اعتبارها حقوق الإنسان، نوعا من نشر ثقافة القهر والقبول الذليل بالأمر الواقع، وهو ما يتناقض تناقضا تاماً مع الكرامة كأساس جوهري لعالمية الحقوق كما تنص ديباجة الإعلان العالمي.
2- إن السلام المقبول من جانب الحركة العربية لحقوق الإنسان هو ذلك الذي يقوم على اعتبارات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويشمل جميع الأطراف في المنطقة، ويؤمن العدالة والاحترام الواجب لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في مقاومة الاحتلال والظلم.
كما أن السلام العادل والدائم والشامل المطلوب بناءه في منطقتنا من العالم يجب أن يضمن انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة في الخامس من يونيو عام 1967، ويحقق الحد الأدنى من الحقوق الجماعية للشعب الفلسطيني. وهو ما يشمل:
(أ)حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي وإنشاء دولته المستقلة على ترابه الوطني المحتل وعاصمتها القدس.
(ب(حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض وفقا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 191و192و194 وما تلاها من قرارات في هذا الصدد.
(ج(الوقف الفوري لسياسة ابتلاع الأراضي الفلسطينية المحتلة بإقامة مستوطنات إسرائيلية فيها والتوسع في القائم منها، خلافا لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن.
وينطوي معنى السلام المطلوب أيضا على الإقلاع التام عن الدعاية التحقيرية للعرب وحضارتهم، ووضع حد نهائي لسياسات وممارسات العنف، وإنهاء كافة أشكال التمييز العنصري، وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل، وإلغاء الطابع العنصري الصهيوني التوسعي لإسرائيل.
(د(انسحاب إسرائيل الفوري ودون قيد أو شرط من جنوب لبنان المحتل، وذلك وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 425، ومن الجولان وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 242 ووقف كافة أعمال العنف ضد الشعب اللبناني.
3- ضرورة قيام الأطراف المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 والخاصة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب بالوفاء بالتزاماتها القانونية بموجب المادة الأولى منها، وذلك بإلزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بتطبيق أحكام الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبار هذا التطبيق يمثل الحد الأدنى لحماية وسلامة المدنيين الفلسطينيين و ممتلكاتهم، خاصة في ظل المرحلة الانتقالية. و في هذا الصدد فان المؤتمر:
أ- يؤكد ضرورة عقد مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة في موعده في 15 يوليو 1999 وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في فبراير 1999، بهدف البحث في الإجراءات الكفيلة بتطبيق أحكام الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ب -يطالب الأطراف السامية المتعاقدة بالتصدي الحازم للانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة للاتفاقية كالتعذيب و المعاملة السيئة و أخذ الرهائن و التي تشكل جرائم حرب، و كذلك الانتهاكات الأخرى لاسيما سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة بما فيها القدس.
ج – يثمن المؤتمر موقف الاتحاد الأوروبي الرافض للاعتراف بموقف إسرائيل تجاه القدس، ويشيد بقرار المفوضية الأوروبية بالتوصية بعدم استيراد البضائع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية، ويدعو المؤتمر كافة الدول لتبني مواقف مماثلة في مختلف المجالات.
د – يدعو المنظمات الدولية و العربية و خاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان للانضمام إلى حملة تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة و التي تهدف إلى الضغط و التأثير على مواقف الأطراف السامية المتعاقدة للوفاء بالتزاماتها القانونية.
4- التزام كافة الدول العربية بقرارات الجامعة العربية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، وخاصة فيما يتعلق بضمان الحق في العمل والتعليم للمقيمين منهم على أراضيها، وحرية التنقل والسفر والعودة إلى مكان إقامتهم. كما يطالب المؤتمر بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين الفلسطينيين في الدول العربية، كما يدعو السلطة الوطنية الفلسطينية لاحترام حقوق الإنسان ومبادئ الفصل بين السلطات، ويطالبها بإلغاء محكم أمن الدولة والإفراج عن المعتقلين السياسيين. ويعبر المؤتمر عن إيمانه الكامل بأن احترام حقوق الإنسان والحقوق الديمقراطية، وعلى رأسها المساواة التامة في الكرامة والمواطنة وفي التمتع بالحقوق هو المدخل السليم للحيلولة دون تفجر مشاكل الأقليات في العالم العربي، وأن احترام حقوق الأقليات، خاصة الحقوق الثقافية و اللغوية و حرية العقيدة، هو الطريق المناسب لقطع الطريق على تفجر أعمال العنف الداخلي وعدم الاستقرار، التي قد تؤدي إلى رفع مطالب الانفصال، بما يفاقم من المشكلات القائمة. ويعرب المؤتمر عن تعاطفه التام مع نضال الأقليات وكل القوى الديمقراطية لنيل الحقوق المنصوص عليها في إعلان الأمم المتحدة بخصوص حقوق الأقليات، دون إجحاف بالحق في السلام والتنمية لكل المواطنين.
وفي هذا السياق يؤكد المؤتمر على:
1- إدانته الشديدة لكافة أعمال القهر والطغيان وشن الحرب التي مورست وتمارس ضد بعض الأقليات في العالم العربي، وخاصة أعمال الإبادة الجماعية والتهجير القسري والاسترقاق، ويؤكد أن الحركة العربية لحقوق الإنسان ستتعامل معها بوصفها جرائم ضد الإنسانية.
2- مساندة الجهود الرامية للاعتراف بما للشعب الكردي من حقوق جماعية أصيلة، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، والتفاوض لنيل مكانة سياسية وحقوق واسعة للحكم الذاتي في جميع الدول التي يتواجد فيها، وذلك على قيد المساواة، ودون ارتهان نيل هذا الحق في دولة معينة بنيله فعلاً في دول أخرى، على أن يستمر النضال لنيل هذا الحق في جميع الحالات.
ويدعو المؤتمر حكومات العراق وتركيا وإيران للاعتراف الفوري بحق الشعب الكردي في الحكم الذاتي الموسع والتمتع بحقوقه الثقافية وكافة الحقوق الأخرى المنصوص عليها في إعلان الأمم المتحدة بخصوص حقوق الأقليات، والتفاوض بحسن نية وعلى أساس من قاعدة الاحترام المتبادل لتقنين هذه الحقوق. كما يدعو المؤتمر الأمم المتحدة لعقد مؤتمر خاص بحضور كافة الأطراف ذات الصلة للتوصل إلى حل متكامل و شامل للمعاناة الممتدة للشعب الكردي و تمكينه من مزاولة حقوقه القومية.
3- ضرورة بذل جهود مخلصة لتمكين مواطني جنوب السودان من نيل حقوقهم الخاصة، بما في ذلك حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم، في إطار صيغة تفاوضية ودستورية تؤدي إلى وضع نهاية دائمة للحرب الأهلية في السودان، وتمهد لوضع دستور جديد وتأمين حق المشاركة المتساوية في إدارة شئون هذا البلد.

رابعا: الحالة العامة للعالم العربي:
تعرض المؤتمر للحالة العامة للعالم العربي، والتي تؤثر على أوضاع حقوق الإنسان فيه. ولاحظ أن هناك ثلاث خصائص رئيسية للأوضاع السياسية على المستوى العربي العام.
الأولى هى أن العلاقات السياسية بين الأقطار العربية قد واصلت انكماشها وتأزمها الملحوظ منذ أزمة الخليج الثانية على الأقل. لقد أحبطت كل الآمال في أن يتمكن العالم العربي من استيعاب الدروس العميقة لهذه الأزمة، من خلال إعادة بناء النظام العربي أو تأسيس نظام عربي جديد يستجيب للحاجات الأساسية للشعوب العربية ويمكنها من مواجهة الامتحان السياسي والحضاري الصعب الذي تواجهه، ويضيف إلى الرصيد الهائل من مشاعر الانتماء المتبادل بين هذه الشعوب. وعلى العكس من ذلك فقد فاقم عقد التسعينات أزمة الثقة والمصداقية التي تعاني منها مؤسسات النظام العربي.
الثانية وبفضل الحقيقة الأولى، فإنه يلاحظ أن مشاركة العرب في صنع مصيرهم قد أخذت بدورها في الانكماش، وأصبحت عملية تقرير المصير السياسي والاقتصادي للعالم العربي تتم إلى حد كبير جدا خارج المجتمع السياسي العربي والمؤسسات العربية. ويضاعف من أهمية هذا الاعتبار أن عقد التسعينيات قد شهد توسع رقعة الدمار الذي أصاب المجتمعات العربية. فإضافة إلى الكويت ثم العراق، امتد الدمار ليطال السودان والصومال، ثم الجزائر واليمن وليبيا لأسباب مختلفة. ويلفت ذلك كله النظر إلى مدى جسامة الخلل في العلاقات الداخلية والخارجية للمجتمعات العربية.
الثالثة: أكد العالم العربي خلال عقد التسعينات “خصوصيته” كاستثناء من الموجة العامة للتحول الديمقراطي التي امتدت في العالم منذ نهاية عقد الثمانينيات. وعلى عكس كل التوقعات والآمال العريضة، يمكن القول بأن الحساب الختامي والصافي للتحولات الخاصة بالأوضاع السياسية والحقوقية الداخلية في العالم العربي كانت سلبية في عمومها، ليس فقط بالمقارنة مع بقية مناطق العالم، وإنما أيضا بالمقارنة بعقد الثمانينات في العالم العربي نفسه.
ويتفق أعضاء المؤتمر على أن تلك الحالة العامة للعالم العربي تبرز أشد أسباب ودرجات القلق بالنسبة للمصير الجماعي للعالم العربي ككل. كما يتفق أعضاء المؤتمر على وجوب التصميم على بذل كل الجهود الممكنة لتجاوز الأوضاع المتردية للعالم العربي، وبدء عصر جديد للإنسان في العالم العربي.
ويقرر المؤتمر الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان أن الإصلاحات الضرورية للأوضاع العربية العامة هى أمر أبعد وأوسع نطاقا من حدود التفويض الخاص بالحركة، وأنها تستلزم حشد وتعبئة قوى واعتبارات سياسية بأكثر من القوى والاعتبارات الحقوقية والإنسانية الصرفة.
ومع ذلك، فإن المؤتمر يدرك تماما التأثيرات المتبادلة بين الاعتبارات السياسية والاعتبارات الحقوقية، واستحالة الفصل بينهما، وأن النضالات الحقوقية ستكون خاسرة إذا ما خسر المجتمع السياسي العربي مصيره السياسي، أو استمرت انفجاراته الداخلية العنيفة وحروبه الأهلية الممتدة. كما أن المؤتمر يدرك أيضا أن الإصلاحات الحقوقية هى جزء جوهري من الإصلاح السياسي للوضع العربي العام.
وترتيبا على ذلك يعلن المؤتمر:
1- مطالبة كل قوى المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في الدول العربية ببدء مصالحات مبدئية فورية بدون انتظار لمصالحات رسمية بين الحكومات العربية، والضغط معا من أجل إصلاح وتحديث مؤسسات الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك.
2- الحث على إجراء إصلاحات جوهرية في البناء التشريعي لمؤسسات العمل العربي المشترك، وعلى رأسها الجامعة العربية، أخذا في الاعتبار الضرورة الملحة لتكريس معنى كرامة المواطن العربي وحقوقه غير القابلة للتصرف، وكذا مشاركته ورقابته على هذه المؤسسات في إطار من الانفتاح على منظمات المجتمع المدني العربي.
وفي هذا الإطار يحث المؤتمر جامعة الدول العربية لمراجعة كافة الاتفاقيات الصادرة عنها ذات الصلة بحقوق الإنسان، خاصة الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لضمان اتساقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما يدعو المؤتمر إلى إلغاء الوثيقة التي تحمل اسم “الميثاق العربي لحقوق الإنسان” والصادرة عام 1994، حيث إنها تقنن انتهاكات أساسية وتحط بقدر الإنسان في العالم العربي، من خلال الإفراط في الاستثناءات والامتيازات الممنوحة للسلطة الإدارية والتعسفية. ويطالب المؤتمر بوضع اتفاقية عربية جديدة لحقوق الإنسان تتوافق مع معايير الأداء المقبولة عالميا، وذلك بالتعاون والتشاور مع المنظمات العربية غير الحكومية لحقوق الإنسان. ويقرر المؤتمر تشكيل مجموعة عمل لإعداد مشروع لهذه الاتفاقية.

خامسا: الظروف الاستثنائية في عدد من الدول العربية:
واستعرض المؤتمر المآسي الإنسانية والنتائج الوخيمة التي ترتبت على الأزمات الدولية والداخلية العاصفة والممتدة لعدد من الأقطار العربية،وعلى رأسها الصومال والعراق واليمن والسودان وليبيا والجزائر. ويلاحظ المؤتمر أن الظروف القهرية وأساليب الحكم الاستبدادية والسياسات القاسية والتعسفية الممتدة مثلت الخلفية والسبب الرئيسي وراء استفحال الأزمات الخاصة بهذه الأقطار. غير أنه يؤكد أيضا أن السياسات التي اتبعتها الدول الكبرى والعظمى والظروف الدولية الخارجية والعربية السلبية كان لها أيضا دور بارز في تفاقم هذه الأزمات.
ويطالب المؤتمر مؤسسات النظام العربي بإنهاء موقفها السلبي حيال تلك الأوضاع المأساوية التي تمر بها تلك الأقطار العربية، وتخصيص دورات وبرامج وموارد كافية للمساهمة في وضع نهاية حاسمة لتلك الأزمات، تأكيدا لمبادئ الأخوة العربية والاعتماد على الذات وتقرير المصير السياسي والاجتماعي الجماعي للدول العربية.
وإضافة لهذا الإحياء الضروري للتضامن السياسي والاجتماعي العربي، يدعو المؤتمر إلي:
1- بالنسبة لحالة العراق:
أ) الوقف الفوري لنظام العقوبات المفروضة على العراق منذ أغسطس عام 1990، دون قيد أو شرط.
ب) بدء إصلاحات سياسية جوهرية تقود إلى دستور ونظام ديمقراطي في العراق، يحقق المساواة بين المواطنين و يلغى الطائفية السياسية و يأخذ بعين الاعتبار التكوينات المتعددة كأساس للوحدة الوطنية و فقا لمبدأ المواطنة المتساوية، و يقنن الحقوق الأساسية للإنسان، بما في ذلك حق الأكراد في تقرير مصيرهم.
ج) حث الحكومة العراقية على القيام بمبادرات إيجابية لعقد مصالحة عربية، بما في ذلك إطلاق سراح الأسرى الكويتيين.
2- بالنسبة لحالة السودان، فإن المؤتمر يطالب بعقد مفاوضات جادة وفورية لإنهاء الأوضاع الاستثنائية في السودان والتي ترتبت على الانقلاب العسكري في 1989، كما يدعو المؤتمر إلى عقد مؤتمر دستوري شامل يضمن العودة للديمقراطية والسلام في السودان بمشاركة كافة القوى السياسية والمدنية، وتمكين مواطني جنوب السودان من حقهم في الحكم الذاتي الكامل وتقرير المصير.
3- بالنسبة للصومال، فإن المؤتمر يأسف للتجاهل والسلبية التي تسم المواقف العربية والدولية حيال الأوضاع في الصومال، ويؤكد على الحاجة إلى موقف عربي فعال يساعد على استعادة الدولة والنظام العام في الصومال، وإنهاء الأوضاع الفوضوية، وكل صور العنف والانقسام في الصومال، وبدء عملية دستورية وسياسية تقود إلى انتخاب حكومة جديدة لكل الصومال انتخابا حرا مباشرا.
4- بالنسبة للجزائر، إذ يؤكد المؤتمر إدانته الكاملة لكل جرائم و انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بواسطة الجماعات المسلحة، فانه يعتبر أن السلطات تتحمل مسئولية أساسية في أزمة حقوق الإنسان التي عرفها هذا البلد منذ 1992. و إذ يأسف المؤتمر للانتكاسة الجديدة التي أصابت المسار الانتخابي في الجزائر و التى تتمثل في الظروف التي دعت مرشحي الانتخابات الرئاسية الأخيرة للانسحاب مما قد يزيد من تعقيد الحالة السياسية للبلاد، فإنه يؤكد على الحاجة إلى تعزيز الإصلاحات السياسية التي بدأت عام 1989، بما يفسح الطريق أمام مشاركة جميع القوى التى تنبذ العنف في العملية السياسية، وإلقاء السلاح والالتزام الكامل بإنهاء كل صور العنف، والعمل على خلق مناخ جديد للحوار الوطني من خلال تدابير إصلاحية وتشريعية تشمل العفو العام عن المعتقلين بدون محاكمة، و إعادة محاكمة من حوكم منهم في إطار القوانين الاستثنائية. كما يعبر المؤتمر عن انشغاله العميق بظاهرة الاختفاء القسري لآلاف الجزائريين و يطالب بإلحاح بإعادتهم إلى أسرهم، و إظهار الحقيقة حول ظروف و ملابسات اختفائهم و تمكين العدالة من الوصول إلى المسئولين عن جرائم الاختفاء و التعذيب و القتل، وتوسيع ميدان حرية التعبير والتنظيم والتجمع والحقوق الأساسية الأخرى، ويطالب المؤتمر بسياسة جديدة ضد العنف ترتكز على حل كل المليشيات المسلحة و تأهيل ضحايا العنف و تعويضهم. كما يطالب المؤتمر بضمانات أقوى لنـزاهة الانتخابات تضمن القبول التام بمصداقيتها وشرعيتها من الشعب الجزائري نفسه ومن العالم الخارجي.

سادسا: حالة حقوق الإنسان في العالم العربي:
لاحظ المؤتمر أنه باستثناءات قليلة، فإن حالة حقوق الإنسان في العالم العربي ككل قد ساءت وواصلت تدهورها الملحوظ طوال عقد التسعينيات. فإضافة إلى الأقطار العربية التي تعاني أوضاعا كارثية وحروبا أهلية، حدث ركود وتراجع جزئي للعملية السياسية التي كان يؤمل أن تفضي بنا إلى نظام ديمقراطي في عدد من الأقطار العربية. وفي بعض الحالات شكل هذا التراجع نكسة لحقوق الإنسان أكثر فداحة من أن تحسب بصورة كمية، لأنها في حقيقة الأمر عودة إلى أوضاع مخالفة كيفياً للديمقراطية. ويأسف المؤتمر بصفة خاصة لأن هذا التراجع كان ملحوظا بالنسبة لمصر والأردن واليمن وتونس، وهى البلدان التي كانت قد أحرزت تقدما نسبيا في حقوق الإنسان. ويأسف المؤتمر لأن يشير إلى أن تونس تتجه الآن بشكل متسارع نحو نمط الدولة البوليسية، التى تقوم على كتم حريات الرأى و الصحافة والتعبير، و مطاردة كل صوت ناقد باستخدام الأساليب القانونية و غير القانونية، بما في ذلك أعمال الاغتيال المعنوى و تهميش حركة حقوق الإنسان و اضطهاد المدافعين عنها، و توظيف القضاء المسلوب الإرادة و الاستقلالية في استصدار أحكام عديمة النزاهة.
وبكل أسف، فإن الممارسات الفعلية قد أحبطت الآمال الكبرى التي تعلقت بالثورة الوطنية الفلسطينية، فيما يتعلق بإقامة سلطة ديمقراطية تُحقق مشاركة كل المواطنين، وتؤسس نظاماً لاحترام الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها احترام استقلال القضاء ونزاهته، وتمكينه من مد الحماية القضائية والقانونية لحقوق وحريات المواطنين.
ويعبر المؤتمر عن ارتياحه للتقدم النسبي المحرز في الأوضاع العامة لحقوق الإنسان في المغرب خلال العقد الأخير.
ويلاحظ المؤتمر أنه باستثناء قطر والكويت في منطقة الخليج العربي، فإن دول تلك المنطقة لم تشهد تحسناً يُذكر في إدراك الحكومات لقضية حقوق الإنسان، وضرورة إحداث التعديلات والإصلاحات التشريعية والسياسية المناسبة لاحترامها، أو التوقيع والتصديق على المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان. وبكل أسف لا تزال هذه الدول تفتقر إلى نظام قانوني وقضائي حديث، يمكن للمواطن اللجوء إليه للحصول على العدالة، وتُستخدم الحكومات الدين الإسلامي للمصادرة على المطالب الخاصة بإصلاح النظام القانوني والقضائي وعصرنته بما يستجيب للحاجة لحماية الحقوق والحريات الفردية والعامة.
ويشير المؤتمر في هذا الصدد إلى سيادة أوضاع لا تمت بصلة للعصر الحديث، مثل حرمان سكان بعض دول الخليج من حق المواطنة رغم وجودهم بأراضي هذه الدول لأجيال عديدة، و إلى التمييز واسع النطاق بين السكان حسب طوائفهم الدينية، و إلى حرمان العمال العرب و الأجانب من أهليتهم القانونية الكاملة في ظل ما يسمى بنظام الكفيل. و يشير المؤتمر في هذا الإطار إلى رفض دول عربية عديدة التوقيع و التصديق على الاتفاقية الدولية بشأن حماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم، وإلى رفض هذه الدول إعداد اتفاقية عربية لحماية حقوق العمال المهاجرين العرب وأسرهم.
ويلاحظ المؤتمر بأسف أنه لم يحدث تحسن ملموس في الأقطار العربية الأخرى التي لم تشهد أي تطور سياسي أو دستوري لتحقيق التعددية، واستمرت مشروعية النظام السياسي فيها، قائمة على حكم الحزب الواحد والعنف “الثوري”/ الدموي في أغلب الأحوال. فقد استمرت حالة العراق نموذجاً متطرفاً للطغيان وانعدام حكم القانون والإفراط في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعدامات الجماعية، وغيرها من مظاهر القسوة اللاإنسانية. وبينما أطلقت الحكومة السورية سراح بعض المعتقلين السياسيين، إلا أن النظام القانوني لم يطرأ عليه أي تحسُن يُذكر. كما استمرت حالة انعدام حكم القانون في ليبيا، وساءت عموماً بعض مظاهر انتهاك حقوق الإنسان.
وفي جميع الحالات، استمرت مظاهر كبرى لممارسة انتهاك حقوق الإنسان على نحو واسع النطاق، وكجزء من السياسة الرسمية للدولة في جميع الدول العربية. وبكل أسف، فإنه لا يوجد سوى عدد محدود منها يستطيع فيها المواطن الحصول على العدالة وإلغاء قرارات إدارية صادرة ضده عن طريق اللجوء إلى القضاء النـزيه والمستقل عن السلطة التنفيذية. فالواقع أن الفصل بين السلطات يكاد يكون غير معروف في الدول العربية إلا استثناءً، ولا يتمتع القضاء بالحد الأدنى الضروري من ضمانات الاستقلال والأداء النزيه المنصوص عليها في إعلان هافانا، وغيره من الإعلانات إلا في عدد من البلدان لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وفي الحالات التي كان قد تم فيها تحسن في الإطار التشريعي لتوفير ضمانات أفضل للحقوق والحريات العامة خلال عقد الثمانينيات، نجد اتجاها واضحا في غالبية الأقطار العربية نحو العودة للحد التشريعي من ضمانات الحقوق، وإفراطا في التشريعات المقيدة للحريات، أو التي تسهل للسلطات الإدارية تقييد استقلال القضاء وحريات المجتمع المدني، وربما تزوير إرادة الناخبين.
ولا تكاد تكون هناك حياة برلمانية تقوم على سلطات حقيقية تشمل إعلان عدم الثقة بالحكومة سوى استثناءً، ولم يحدث أن قام أي برلمان أو جهة تمثيلية في أي بلد عربي بإجراء تحقيق في انتهاك خطير لحقوق الإنسان ومساءلة السلطة التنفيذية حول هذه الانتهاكات بما يؤدي إلى إلقاء اللوم عليها أو عزل الحكومة أو أي مسئول تنفيذي بجهاز الدولة الإداري بسبب قيامه بتوجيه الأوامر لإنتهاك حقوق الإنسان.
وهكذا، وفي غياب حياة برلمانية حقيقية، ودستور يوفر ضمانات كافية للممارسة الديمقراطية، وفي غياب جهاز قضائي فعال ومستقل يستطيع أن ينتصف للمظلومين، وتحصين الحريات العامة والحقوق الأساسية بضمانات مادية كافية، في غياب ذلك كله تنتشر بصورة مخيفة كافة أشكال انتهاك حقوق الإنسان في الأقطار العربية.
وبينما شهد عقد الثمانينات تحركا ملموسا في اتجاه التوقيع والتصديق من جانب حكومات أقطار عربية عديدة على الاتفاقيات والعهود الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان، فإن عقد التسعينات قد شهد توقف هذه الظاهرة تقريبا.
ويفسر البعض هذا التراجع في الإطار التشريعي والفعلي المتعلق بالحقوق الأساسية أو غيابها، بتفاقم الصراع بين الحركات الإسلامية المتشددة والمسلحة التي يمارس بعضها العنف الإرهابي من ناحية وسلطات الدولة من ناحية أخرى. بينما يعتقد آخرون أن السبب ربما يعود إلى تطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة بالتعاون مع المؤسسات المصرفية الدولية، تعصف بضمانات مهمة، كان قد تم تقنينها في السابق لتوفير حقوق اقتصادية واجتماعية أساسية، وخاصة الحق في العمل. وهناك رأي آخر يفسر ذلك بالميول العميقة المعادية للديمقراطية لدى النخب العربية الحاكمة.
ويعتقد المؤتمر أنه ينبغي أن تدرس بعناية مختلف الأسباب التي ساهمت في التدهور الملحوظ لأوضاع حقوق الإنسان. ولكنه يعتقد أيضا أنه لا يجوز تبرير التراجع عن العملية السياسية التعددية، أو عن الضمانات التشريعية الأساسية لحماية حقوق الإنسان بأية ذرائع على الإطلاق، وأن خنق الحريات والعصف بضمانات حقوق الإنسان ليس طريقا للدفاع عن الأمن والاستقرار، وإنما الأمر على العكس تماما، أي أن احترام هذه الحقوق هو الطريق الصحيح والسليم للأمن والاستقرار والسلام الأهلي.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات، يؤكد المؤتمر على ما يلي :
1- تصميم الحركة العربية لحقوق الإنسان على النضال من أجل فتح فصل جديد في تاريخ العالم العربي، يتحقق فيه للمواطن أفضل ضمانات الحرية والكرامة، وينهى صورة العالم العربي كمنطقة يسودها الطغيان والتعسف والقسوة، ويصعب فيها إقامة حكم القانون.
2- مطالبة كافة جماعات الإسلام السياسي المسلحة بنبذ العنف والتوقف عن ممارسته لأهداف التغيير السياسي الداخلي. ويؤكد المؤتمر على التزامه الكامل بالدفاع عن حق هذه الجماعات بالتساوي مع غيرها في الدعوة لأفكارها بصورة سلمية، متى توقفت عن ممارسة العنف والتحريض عليه.
3- مطالبة الحكومات العربية بتقنين حق التجمع والتنظيم السلمي لكافة الجماعات والقوى الفكرية والسياسية، بما في ذلك جماعات الإسلام السياسي غير المسلحة، وذلك في إطار قانون ودستور ديمقراطي.
سابعا: التزامات ومهام الحركة العربية لحقوق الإنسان:
وتأكيدا لهذه المطالب والمعاني، وخاصة ما ورد في البند (1) من القسم السابق، اهتم المؤتمر بمعالجة التزامات ومهام الحركة العربية لحقوق الإنسان بقدر من التفصيل، كما يلي:

1- تعزيز النضال من أجل الديمقراطية
يدرك المؤتمر أن حركة حقوق الإنسان هى حركة اجتماعية مدنية ضمن أهدافها جعل الممارسة السياسية أكثر أخلاقية وأشد التزاما بمعايير الكرامة والحقوق الأساسية، وأشد تمسكا بمبدأ النضال السلمي ونبذ العنف.
وبينما تنبذ الحركة العربية لحقوق الإنسان أية محاولة للزج بها في صيغة سياسية ضيقة، أو إضفاء طابع سياسي مباشر عليها، فهى أيضا تنبذ أي ادعاء بأنها بديل للأحزاب السياسية. ويؤكد المؤتمر أن ضعف الأحزاب السياسية العربية يضاعف من سهولة انتهاك حقوق الإنسان والعصف بهذه الحقوق وبالمنظمات المدافعة عنها.
ويدرك المؤتمر إدراكا عميقا أن الطابع اللا سياسي لحركة حقوق الإنسان لا يجب أن يعميها عن حقيقة أن ثمة فارقا نوعيا حاسما لعائد النضال الحقوقي بين النظم الديمقراطية وتلك غير الديمقراطية. ولو جاز الحديث عن استراتيجية عامة للحركة العربية لحقوق الإنسان، فإنها ترتكز قبل كل شئ على تشجيع النضال من أجل التحول إلى الديمقراطية، وتأمين الظروف المواتية لتطبيق دستور ديمقراطي وهيكل قانوني ديمقراطي بكل نزاهة وصرامة.
أ( وبناء على ذلك، فإن الحركة العربية لحقوق الإنسان -وهى تدافع بقوة عن استقلالها عن الأحزاب السياسية، باعتبار أن ذلك يمثل ضمانة لحماية حريات كل الاطراف- تدعو إلى خلق مناخ من الحوار المتصل بين منظمات حقوق الإنسان وكافة الأحزاب السياسية السلمية للتعاون فيما من شأنه تعزيز التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان.
ب) وقد يستلزم هذا الحوار في حالات معينة، وضع ميثاق حد أدنى لضمانات احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية يلزم كافة الفعاليات الحقوقية والحزبية، ويأخذ في اعتباره خصوصية الواقع السياسي والاجتماعي في كل منطقة أو بلد عربي على حدة.
ج) كما أن المؤتمر لا يستبعد أيضا البحث في إمكانية إقامة تحالف عريض من أجل الديمقراطية، يضم فعاليات مدنية أساسية مثل النقابات العمالية والمهنية والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة، وبعض الأحزاب والشخصيات السياسية والفعاليات العامة الأخرى.

2- أولويات مشتركة للدفاع والحماية
وبينما يجب وضع أجندة العمل الحقوقي في كل قطر عربي على ضوء ظروفه الخاصة، فإن المؤتمر يتفق على وضع خطوط عامة أساسية مشتركة تمثل أولويات مقبولة للحركة العربية لحقوق الإنسان ككل في مجال الدفاع والحماية. هذه الخطوط المشتركة تضم:
‌أ) الأولوية الحاسمة لوضع نهاية باتة لممارسة التعذيب بكل صوره، والالتزام بالمساءلة القانونية لمرتكبيه.
‌ب) إلغاء إعلان الأحكام العرفية وتطبيق قوانين الطوارئ في الأقطار العربية التي تعيش تحت وطأة هذه الحالة منذ سنوات طويلة. والتأكيد في هذا الإطار على ضرورة احترام حريات التعبير والتجمع والتنظيم وغيرها من الحقوق والحريات الأساسية.
‌ج) وقف ممارسة الاعتقال الإداري، والبدء بإطلاق سراح كافة سجناء الرأي والمعتقلين دون تهمة أو محاكمة.
‌د) عدم الاعتراف بأن المحاكم الاستثنائية -التي تنتفي منها الضمانات الأساسية للاستقلال والمهنية والنـزاهة- تشكل “محاكم” بالمعنى المعترف به دوليا، أو جزءا من الجهاز القضائي. والنضال من أجل تشريع وحماية ضمانات استقلال القضاء من كل عبث أو تدخل إداري.
‌ه) البدء فورا في العمل على إدخال إصلاحات تشريعية أساسية، مع وقف العمل بالقوانين الاستثنائية تمهيدا للتحول إلى الديمقراطية وحمايتها من خلال بنية تشريعية موائمة ومتكاملة.
ويدرك المؤتمر أن ثمة مهاما أكثر إلحاحا بالنسبة لبعض الحالات العربية الاستثنائية المشار إليها في أقسام سابقة، وعلى رأس هذه المهام والأولويات إحلال السلام وعقد المفاوضات والمؤتمرات وانتهاج الصيغ الدستورية الضرورية لضمان استتباب السلام والعدالة، بما ينطوي على حلول مقبولة للمشكلات المتفجرة، سواء بين الأغلبية والأقلية، أو بين الحكومة القائمة وبقية أطراف المجتمع السياسي والمدني.
وتتضمن أولويات بعض المنظمات بالطبع، إنهاء ممارسة الإعدام التعسفي خارج القانون، أو من خلال أوامر إدارية وسياسية، أو بأحكام محاكم تفتقر لضمانات الاستقلال والمهنية والنـزاهة. وفي حالات أخرى، فإن العودة إلى الحياة الطبيعة تعني إنهاء الحكم العسكري وانتخاب حكومة مدنية على هدي من القوانين الديمقراطية.
و) تعد الحركة العربية لحقوق الإنسان نفسها مسئولة مسئولية شاملة عن الدفاع عن حقوق الإنسان في الأقطار العربية التي لا توجد بها منظمات حقوقية، أو حيثما يغيب حكم القانون، ويتسم النظام السياسي بالاستبداد المطلق أو بالفوضى.

3- النضال من أجل نيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
يؤمن المؤتمر إيمانا عميقا بالتكامل بين حقوق الإنسان المدنية والسياسية، وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، وبالاعتماد المتبادل بين هذه الحقوق، وعدم قابليتها للتجزؤ أو المبادلة. ولذلك يؤكد المؤتمر على:
أ- أن ضمان الحق في المشاركة، هو العمود الفقري لإعمال الحق في التنمية، بما يتضمنه ذلك من توفير المقومات اللازمة للرقابة الشعبية على الموارد العامة للدولة وسبل إنفاقها.
ب- ضرورة إشراك المواطنين في كافة مراحل عملية وضع ميزانية الدولة، مع تخصيص مبالغ منصفة من تلك الميزانية للقطاعات ذات التأثير المباشر والحاسم على تمتع الأفراد بحقوقهم، وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والبيئة.
ج- ضرورة التزام الحكومات بأن ما تتخذه من إجراءات وسياسات، بغض النظر عن الموارد المتوافرة في أي بلد من البلدان، تساهم وتؤدي حتما إلى الإعمال التدريجي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية.
د- التزام الحكومات بضرورة مراعاة التوازن في توجيه مواردها إلى مختلف أقاليم الدولة بصرف النظر عن حجم الموارد المتاحة في كل بلد على حدة. إن هذا هو أحد العوامل الحيوية في التمتع المتساوي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في التنمية، فضلا عن أن تجربة المجتمعات العربية تبرهن على أن عدم التكافؤ الاقتصادي بين أقاليم الدولة الواحدة -لأسباب اقتصادية أو سياسية أو عرقية- يساعد على خلق بيئة مواتية للتطرف والعنف، الأمر الذي يصيب حقوق الإنسان الأساسية الأخرى بأضرار جسيمة (نموذج مصر والعراق والسودان ولبنان)
هـ- ضرورة أن تراعي الدول في علاقاتها بالمجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولي عدم الموافقة على شروط المقرضين أو المانحين، إذا ما تعارضت مع حقوق المواطنين الأساسية أو كان لها تأثير سلبي عليها. ويوصى المؤتمر بأن تجرى مناقشة مثل هذه الاتفاقيات في البرلمانات في جلسات علنية، تدعى للمشاركة في مداولاتها منظمات المجتمع المدنى المعنية.
و- التزام الدول والمؤسسات المالية الدولية المانحة بعدم فرض أي من الشروط والسياسات التي تتناقض ومعايير حقوق الإنسان، أو تؤدي لخلق بيئة مواتية لانتهاكها في الدول المتلقية للقروض أو المنح.
س- أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحق في التنمية، تقتضي جهدا أكبر وتأصيلا أكثر عمقا في عمل وتفكير المنظمات العربية لحقوق الإنسان، ليس بوصفها عملا خيريا أو منح تقدم للمواطنين، بل باعتبارها حقوقا أساسية للإنسان تستوجب النضال الفاعل والمؤثر لضمان الحماية القانونية لها ولاحترامها وتعزيزها في المجتمع. كما يلاحظ المؤتمر أن دور منظمات حقوق الإنسان في حماية عدد من الحقوق المدنية والسياسية –كالحق في المشاركة في إدارة الشئون العامة، وفي تشكيل النقابات، وفي تكوين المنظمات الأهلية وفي حريات الرأى والتعبير، فضلا عن الدفاع عن المضطهدين بسبب مطالبتهم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية- هو إسهام حيوي في تفعيل النضال من أجل هذه المجموعة من الحقوق.

4- النضال من أ‏جل تعميق قيم حقوق الإنسان في الثقافة العربية والإسلامية
إذ يجمع أعضاء المؤتمر:
• على عالمية مبادئ حقوق الإنسان، باعتبارها ثمرة تفاعل الحضارات والثقافات الكبرى عبر التاريخ، بما في ذلك الثقافة العربية والحضارة الإسلامية.
• وعلى أن هذه المبادئ قد ساهم أجدادنا وآباؤنا عبر التاريخ في صياغة مفرداتها الأولى، من خلال نضالاتهم من أجل الحرية والعدالة والكرامة، وضد الظلم وعدم الإنصاف.
• وعلى وجود خصوصية ثقافية لكل مجتمع، بما في ذلك كل مجتمع غربي أو عربى على حدة، وعلى أن هذه الثقافة في حالة تحول دائم بفضل التفاعل بين الثقافات المكونة لها، والأدوار التى تلعبها الجماعات والقوى الجديدة.
• على أن هذه الخصوصية لا تحول دون التطبيق الشامل لمبادئ حقوق الإنسان، وإنما يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحديد الأولويات ومداخل التطبيق وصياغة الخطاب الحقوقي المحلي، كما يجب إيلاء الخصوصية الثقافية والسياسية والاجتماعية عناية خاصة في مقررات تعليم حقوق الإنسان. بناء على ذلك يدعو المؤتمر:
أ- كافة الدول العربية التي لم تصدق على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، إلى التصديق الفوري عليها دون تحفظ، وإسقاط -من صدق منها- أي تحفظات سابقة عليها.
ب- الأكاديميين والباحثين والفقهاء في العالم العربي إلى العمل على الكشف عن جذور حقوق الإنسان في الثقافة العربية، والاجتهاد لإبراز مساهمة الحضارة الإسلامية في إرساء قيم حقوق الإنسان، وإزالة التعارض المصطنع بين بعض مبادئ حقوق الإنسان وبعض التفسيرات السلفية التي تجاوزها العصر.
ج- دول منظمة المؤتمر الإسلامي إلى مراجعة إعلانها الصادر عام 1990 حول حقوق الإنسان في الإسلام، لما ينطوي عليه من إساءة للإسلام وإهدار لحقوق الإنسان.
د- إلى الاشتباك الفكري مع القائلين في الشمال والجنوب بصراع الحضارات، وبحتمية الصدام بين الإسلام والغرب. ففضلا عن خطأ هذه النظرية، فإن ذيوعها على نطاق واسع في الحرب الإعلامية، أدى ويؤدي إلى نتائج كارثية على وضعية حقوق الإنسان وخاصة في المجتمعات الأوروبية والإسلامية، ومفاقمة التوترات الاجتماعية والعرقية والدينية فيهما، وخاصة بعد أن صارت غطاءً أيديولوجيا في كليهما لتعبئة قوى التطرف والتعصب، وإذكاء كراهية الآخر، ثم أخيرا كمظلة لمذابح التطهير العرقي والاغتصاب الجماعي والتهجير القسري في البوسنة وكوسوفا.
هـ- كافة المفكرين والساسة العرب إلى الترفع عن الزج بالدين في علاقة صراعية مع حقوق الإنسان، وإلى اعتبار الحقوق المنصوص عليها في الشرعية العالمية حدا أدنى يجب البناء عليه، وليس الانتقاص منه أو الدعوة إلى انتهاكه باسم الخصوصية أو بأى تبرير آخر.

5- النضال من أجل الاعتراف بحقوق المرأة كجزء أصيل من منظومة حقوق الإنسان
يعي المؤتمر أن العالم العربي ليس استثناءً وحيدا من موجة التطور الديمقراطي فحسب، فهو أيضا يشكل استثناءً شبه وحيد من موجة الاعتراف العالمية بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل وتشجيعها على احتلال مواقع متقدمة في المجالات العامة. ورغم أن معظم الدساتير العربية تعترف بالمساواة بين المواطنين دون تمييز علي أساس الجنس، إلا أن نصف الدول العربية لم تصدق بعد علي اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي يحتفل العالم هذا العام بمرور عشرين عاما علي صدورها، أما الدول التي صدقت علي الاتفاقية فوضعت تحفظات تتناقض و جوهر الاتفاقية. كما أن الواقع الحياتي المعاش للنساء في البلدان العربية مازال يعاني من شيوع نظرة تتعامل مع المرأة باعتبارها إنسانا من الدرجة الثانية، لا يحق لها التمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها الرجل. إننا نحتاج إلى ما يشبه الثورة في هذا الصدد، تقوم بتصحيح الأوضاع والاختلالات التي تنشأ عن الثورة المضادة التي سادت عالمنا العربي في العقود الثلاثة الماضية، والتي أساءت استخدام وتوظيف الدين والفقه الإسلامي، والعادات والتقاليد، إضافة لما أنتجته التحولات الاقتصادية من ضغوط مضادة لمصالح المرأة.
ومن أبرز مظاهر هذه الأوضاع:
• انتشار “ثقافة” تعتمد إقصاء النساء، فتحصرهن في الفضاء الخاص مع المبالغة في تقييم أدوارهن كزوجات وأمهات على حساب وضعهن ككائنات إنسانية، مع ما للسلطة الرمزية والفعلية لهذه الثقافة من تأثيرات عميقة على الحياة اليومية للنساء. و للأسف تؤطر قوانين الأحوال الشخصية هذه الثقافة في معظم -إن لم نقل كل- بلدان العالم العربي، وهى قوانين لم يتغير معظمها منذ بدايات القرن العشرين بينما لم يبق بيننا وبين القرن الحادي والعشرين إلا بضعة شهور!. إن تلك الثقافة تتناقض مع إعطاء النساء بعض الحقوق في المجال العام كحق الانتخاب أو العمل، طالما أن حقوقهن داخل الأسرة مهدرة، بل إنها في الواقع العملي تعوق تمتع النساء بالحقوق التي حصلن عليها.
• أن مختلف أشكال العنف والإهانة التي تتعرض لها النساء داخل الأسرة، أو في أماكن العمل، أوفي الشارع العام، تستمد جذورها وأسباب صمودها، من التصورات التقليدية التي تحرم النساء من الأهلية الكاملة.
• أن الوضع الدوني للنساء ليس موروثا فحسب، بل إن السياسات الرسمية تعيد إنتاجه يوميا بشكل واضح أو ضمني بواسطة قوانين مكتوبة أو غير مكتوبة، وممارسات تطال مؤسسات قائمة كالعدالة والإعلام والتعليم.

وبناء على ذلك يؤكد المؤتمر:
أ- أن تمتع النساء بحقوق الإنسان هو عملية متكاملة لابد أن تشمل جميع مناحي الحياة، داخل الأسرة وخارجها، وأنه ما لم يتم التصدي لانتهاك حقوق النساء داخل الأسرة فلن يمكن للنساء ممارسة الحقوق التي حصلن عليها في المجال العام.
ب- إن المساواة الحقيقية بين النساء والرجال، تتجاوز المساواة القانونية، إلى تغيير المفاهيم و التصدي للصور النمطية عن النساء، وبالتالي تقتضي مراجعة شاملة للقوانين والممارسات القانونية، وتقتضي بدرجة أكبر مراجعة و تطوير المناهج التعليمية في كافة المراحل، والمتابعة النقدية لمحتوي الرسائل الإعلامية.
ج- أن المطالبة بتمكين النساء علي المستوي القانوني ليس ترفا تنادي به نخبة من النساء، بل إن كل النساء بمختلف شرائحهن يطالبن به بأشكال مختلفة تشهد عليها أروقة المحاكم العربية كل يوم. كما أن الحركة العربية لحقوق الإنسان تعتبره جزءا لا يتجزأ من برنامج عملها من أجل الدفاع عن حقوق المواطنين في الدول العربية نساء و رجالا.
د- إن تجاوز العسف التاريخي بحقوق المرأة لابد و أن يقتضي خطوات إيجابية مؤقتة لتجاوزه، بما يساعد علي تخطي النساء – و المجتمع معهن – للحواجز التاريخية التي عاقتهن عن الإسهام بكامل طاقتهن في إعادة صياغة المجتمعات في الدول العربية بما يحقق تمتع كل المواطنين العرب بحقوق الإنسان في بلادهم.
وتشمل عمليات التمكين التي نطالب بها طائفة من التدابير المتناسقة في مختلف الميادين، منها:
1) مراجعة نقدية لكافة القوانين التي تمس حياة النساء و في المقدمة منها قوانين الأحوال الشخصية. علي أن تشارك في هذه المراجعة منظمات حقوق الإنسان بما في ذلك المنظمات المعنية بحقوق المرأة. وتطوير القوانين المدنية والجنائية بحيث يمكنها التصدي بحزم لكافة أشكال العنف ضد المرأة في المجالين العام والخاص.
2) حث الدول العربية التي لم تصدق بعد علي اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، علي التصديق عليها، وسحب التحفظات. وأن تقوم منظمات حقوق الإنسان و المنظمات المعنية بحقوق المرأة بتفنيد تلك التحفظات بالدراسات القانونية والاجتماعية والثقافية الضرورية. إن التصدي لثقافة التمييز هو تصدي لبؤر المحافظة ومقاومة التحديث. كما أن تبني مواقف شجاعة في فضح التستر وراء الدين لإضفاء المشروعية علي النظرة الدونية للنساء لا يسمح فحسب بتعميق النقاش حول المسألة الدينية في علاقتها بتفعيل حقوق الإنسان، بل يكتسي أيضا بعدا تربوياً بالنسبة للأجيال القادمة.
3) الرصد الدائم والمتابعة لتطبيق الحكومات العربية لتعهداتها الدولية في مجال العمل علي تمتع النساء بكافة حقوق الإنسان، لواجباتها في حماية هذه الحقوق من الانتهاك
4) النظر في إمكانية تخصيص نسب معينة من مقاعد البرلمان والمجالس التمثيلية والهيئات العامة للنساء –أي إعمال “التمييز الإيجابي” كإجراء مؤقت- وحتى تتكون أوعية مناسبة لعمل المرأة التطوعي، ويزداد الوعي بأهمية المساواة بين الجنسين والقضاء على كل صور التمييز.
5) بناء مؤسسات مدنية تفسح مجالا للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، عن طريق التدريب والرفاه الاجتماعي، وخاصة المساعدات التعويضية في حالات البطالة والعجز، والتضامن في حالات الطلاق والعوز والعنف المنـزلي.. الخ.

6- حقوق الطفل
يتعرض الأطفال في العالم العربي لألوان من المعاناة وأشكال عديدة من الانتهاك لحقوقهم كبشر أولا، وكأطفال ثانيا، غير أن أشد هذه الانتهاكات خطورة بلا شك، هى تلك الناجمة عن العقوبات الاقتصادية ضد العراق، وعن تفاقم النـزاعات المسلحة الداخلية في العالم العربي (حالة الجزائر واليمن والسودان) فضلا عن اتساع نطاق ظاهرة أطفال الشوارع وعمالة الأطفال.
إن الأطفال هم الطرف المهمش والمبعد في مسار حركية الفعل الاجتماعي وبعده الإنساني، إنه الطرف الأضعف حتى في علاقة الرجل بالمرأة، برغم أن الأطفال هم -بمعنى ما- البنية الإنسانية التحتية، مما يضع قضيتهم في المستوى الأجدر بالمعالجة، وبما يرتقي بمعاملتهم إلى الأفق المتضمن في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
وفي هذا السياق يدعو المؤتمر إلى ايلاء عناية قصوى للتوصيات التالية:
أ- تجريم ظاهرة استخدام الأطفال في الصراعات المسلحة و مساندة الجهود الدولية الرامية إلى رفع الحد الأدنى لسن التجنيد إلى 18 عاما، ويدعو المؤتمر جميع أطراف النزاعات المسلحة إلى الالتزام بهذا المبدأ.
ب- وضع استراتيجية عربية لمواجهة ظاهرة عمالة الأطفال وكافة أشكال الاستقلال الاقتصادي والجنسي لهم وحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التى من شأنها الإضرار بصحتهم أو أمنهم أو أخلاقياتهم.
ج- ضرورة التزام كافة المؤسسات المعنية بالتعامل مع الأحداث الجانحين بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة الأحداث (قواعد بكين)، وعلى وجه الخصوص احتجاز الأطفال في نفس أماكن الاحتجاز المخصصة للبالغين.
د- حظر تنفيذ عقوبة الإعدام في الجرائم التى يرتكبها أطفال أقل من 18 عاما إلى حين إلغاء عقوبة الإعدام بشكل شامل.
و- حث الحكومات العربية على رفع تحفظاتها على اتفاقية حقوق الطفل، مع مواءمة قوانينها مع مضمون وأهداف الاتفاقية ومساندة الجهود الدولية لإقرار البروتوكولات المكملة للاتفاقية.
هـ- إدراج حقوق الطفل ضمن المناهج الدراسية لكليات التربية ورياض الأطفال والكليات الأخرى التي يتعامل خريجوها مع الأطفال.
س- حث المنظمات غير الحكومية العربية على إعداد تقارير موازية حول وضع الأطفال، وتقديمها إلى اللجنة الدولية المعنية بحقوق الأطفال بمناسبة نظر اللجنة للتقارير المقدمة من الحكومات حول تطبيق أحكام الاتفاقية في بلدانها.

7- أولويات نشر ثقافة وتعليم حقوق الإنسان
إن المشاركين في المؤتمر إذ يدركون أن خط الدفاع الأول عن حقوق الإنسان، هو وعي المواطن ذاته بحقوقه، واستعداده للدفاع عنها، فإنهم يعتبرون أن مهام تعليم حقوق الإنسان والتربية عليها ونشر ثقافتها، ذات أولوية قصوى. بناء على ذلك، فإنهم يؤكدون على أن:
أ- الوصول إلى منابر ومؤسسات الإعلام والتربية والتعليم لنشر رسالة حقوق الإنسان، تمثل أولوية مركزية في هذا السياق، ومن الضروري العمل على تذليل كل المعوقات التي تحول دون ذلك.
ب- من الضروري طرق كل الأبواب الممكنة من أجل إقناع الحكومات بتسهيل دور منظمات تعليم حقوق الإنسان، بما في ذلك الانخراط في مشاريع مشتركة، حيثما يكون ذلك ممكنا، على ألا يكون ذلك على حساب استقلالية هذه المنظمات، أو بهدف توظيفها ضد منظمات حقوق الإنسان العاملة في مجال الحماية والرصد. ومن الضروري في هذا السياق التأكيد على أن المنظمات الأخيرة تلعب أيضا دورا حيويا غير مباشر في نشر ثقافة حقوق الإنسان، وذلك من خلال نداءاتها وتقاريرها المتواترة حول انتهاكات حقوق الإنسان.
ج- إضافة مادة حقوق الإنسان إلى مناهج التعليم النظامي لا يمثل المدخل الوحيد، إن المداخل غير المباشرة قد تكون أكثر فاعلية، مثل استئصال ما يتنافي مع قيم حقوق الإنسان من المناهج التعليمية الحالية، أو تخصيب المقررات المدرسية المتنوعة بقيم حقوق الإنسان. وفي كل الأحوال يجب العمل على الارتقاء بمنهجية التدريس حتى تكون قريبة من اهتمامات التلاميذ و حياتهم وتطلعاتهم.
د- التعاون مع منابر الإبداع الفني والجمعيات الأهلية العاملة في مجال التنمية، يمثل مجالا حيويا لنشر رسالة حقوق الإنسان على أوسع نطاق، وذلك نظراً لصلتها الوثيقة بالناس.
هـ- أهمية التركيز على فئات معينة بالنظر إلى دورها كوسيط حيوى في نشر ثقافة حقوق الإنسان مثل المعلمين والإعلاميين، أو لاشتباكها اليومي مع انتهاكات حقوق الإنسان مثل المشتغلون بسلك القضاء و المحاماة.
و- من الضروري العمل على وضع الخطط المناسبة بعيدة المدى للعمل مع رجال الدين في المسجد والكنيسة لتفعيل دورهم في هذا المضمار.
س- حيثما تنعدم أو تندر فرص الوصول إلى منابر الإعلام، فإن على منظمات حقوق الإنسان أن تسعى إلى التخطيط من أجل إنشاء منابر إعلامية خاصة بها، حتى لو خارج الحدود (صحف، قنوات إذاعية أو تليفزيونية) ويفضل أن يتم ذلك من خلال أطر للتنسيق الإقليمي.

8- المهام الخاصة بتنمية وترقية أداء الحركة العربية لحقوق الإنسان
إذ يلاحظ المؤتمر أن منظمات حقوق الإنسان لا تملك من وسائل لحماية حقوق الإنسان سوى تعبئة الرأي العام بشكل سلمي ومنظم بحيث يصبح قوة ضاغطة على الحكومات، من أجل “مواءمة” التشريع الوطني مع مبادئ حقوق الإنسان، ومن أجل فرض سيادة القانون المتسق مع هذه المبادئ، ومحاسبة كل من ينتهكه. وأنها في هذا السبيل لا تملك سوى اللجوء إلى إدارة الحوار مع الحكومات، ونواب البرلمان والأحزاب والنقابات وفعاليات المجتمع المدني، وتحريك القضايا أمام المحاكم العليا أو الدستورية، واستخدام منابر الإعلام المختلفة، وإحاطة المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بالتطورات سلبا وإيجابا،
فإن المؤتمر يؤكد أنه:
أ- حيثما تضيق قنوات الحوار أو تنعدم تماما، وتحاصر منافذ الوصول للرأي العام أو تحظر، ويصبح الجلادون بمأمن من المحاسبة أو في موقع القضاة، وتصير مشروعية الدفاع عن حقوق الإنسان ذاتها محل سؤال، وبالتالي تقل أو تنعدم فرص تحقيق العدالة والإنصاف في الأوطان، فإن تبدلا جوهريا يلحق بالأوزان النسبية لأساليب ووسائل عمل منظمات حقوق الإنسان، نتيجة للانتقال من استراتيجيات التفاوض والحوار إلى استراتيجيات تقوم على الفضح والمواجهة، التي تتخذ بشكل متزايد من المجتمع الدولي ساحة لها -بعد أن سدت أمامها منافذ مخاطبة وتحريك المجتمع المحلي- ومن إعمال العدالة الدولية هدفا لها.
ب- من الضروري الالتفات إلى أن عهدا جديدا للعدالة الجنائية الدولية يوشك على البزوغ، بفتح باب التصديق على الاتفاقية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، وبملاحقة المجتمع الدولي للجلاد بينوشيه. ربما لن يسجن بينوشيه، لكن السعي لتقديمه للمحاكمة ولتجريده من الحصانة، وربما إرغامه على المثول أمام محكمة -في دولة أخرى غير بلده (شيلي)- لا يعد عدالة للضحايا وأسرهم فحسب، لكنه أيضا يشكل رادعا قويا لكل الجلادين. إن هناك عددا من الجلادين العرب والإسرائيليين من مرتكبي جرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية مطلقو السراح، بعضهم لا يزال في السلطة، ومن الواجب العمل على أن تطولهم العدالة في أي مكان يتحركون إليه.
ومن أجل أن لا يفلت هؤلاء الأشخاص من العدالة، فإنه من الضروري على المدافعين عن حقوق الإنسان أن يطوروا مناهج جديدة لجمع المعلومات بحيث يمكن استخدامها كدليل أمام المحاكم. فلن يكفي تقديم تقارير منشورة عن التعذيب أو جرائم القتل، إذ يجب القيام ببحث جنائي جدي والوصول إلى الشهود وجمع وتقديم الأدلة إلى المحاكم، مع تعزيز التنسيق محلياً وإقليمياً ودوليا لضمان الفعالية.
ج- مع اتساع نطاق العولمة الاقتصادية، فإنه من الضروري لمنظمات حقوق الإنسان أن تقوم بتطوير آليات وأساليب عمل مناسبة على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي للرقابة على الاتفاقيات الثنائية والإقليمية والدولية التي تتوالى في هذا السياق، ومدى انعكاسها سلبا وإيجابا على الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. إن أحد أشكال الرد على الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية الجارية، هى تعميق البعد العولمي للعلاقات بين المنظمات غير الحكومية في العالم، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات في هذا المجال. وهناك الكثير مما يجب أن تتعلمه المنظمات العربية لحقوق الإنسان من شقيقاتها في آسيا وأمريكا اللاتينية.
د- من الضروري للمنظمات العربية لحقوق الإنسان أن تنشأ الآليات المناسبة لمتابعة التطور التكنولوجي المتسارع بشكل مذهل في العالم في كافة المجالات ذات الصلة، ودراسة انعكاساته الإيجابية والسلبية على حقوق الإنسان. الأمر الذي يتطلب جذب الكفاءات الفنية المتخصصة وإقامة علاقات أوثق مع العلماء، بما يسمح بهذه المتابعة وخاصة في مجالات نظم وتكنولوجيا وتبادل المعلومات، والطب الشرعي والنفسي والهندسة الوراثية.

9- حماية المدافعين عن حقوق الإنسان
إن المؤتمر إذ يعتبر أن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان مهمة مركزية للحركة العربية لحقوق الإنسان، فإنه يؤكد:
أ- أن هذه الحماية تشمل حقهم في الحصول على المعلومات وعقد الاجتماعات وحرية التعبير والاتصال مع كافة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية ذات الصلة، والحق في استخدام القانون الوطني والدولي والمؤسسات المحلية والإقليمية والدولية لتمثيل الضحايا، وللدفاع عن حقوق الإنسان المعترف بها عالميا، ولنشر ثقافة حقوق الإنسان وفي تعبئة الموارد اللازمة لذلك محليا وإقليميا ودوليا، وفي تقنين كل ذلك في القانون المحلي بما يتسق مع الإعلان العالمي الصادر العام الماضي. ويرفض المؤتمر بشكل مطلق التحفظات التى تقدمت بها 14 دولة عربية على هذا الإعلان.
ب- أن سلوك كل حكومة عربية على حدة إزاء المدافعين عن حقوق الإنسان، سيكون مؤشرا محددا لطبيعة تعامل حركة حقوق الإنسان معها سلبا وإيجابا على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. إن الحركة العربية لحقوق الإنسان لن تكافئ الحكومات التي تنجح في سحق حركة حقوق الإنسان أو في تهميشها، بالسكوت عن جرائمها، بل ستقوم بالدور الذي يمليه عليها واجبها إزاء الشعوب ومنظمات حقوق الإنسان المقموعة في بلادها، وستنشئ لذلك الغرض الآليات المناسبة لأداء هذه المهام بأقصى فعالية ممكنة، وبالتنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية غير الحكومية المعنية، ومع مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني.
ج- أنه من الضروري أن يلتزم المدافعون عن حقوق الإنسان ذاتيا:
• بالحيادية السياسية بين مختلف الأطراف. إن ذلك لا يعني بالطبع اتخاذ موقف الحياد بين الضحية والجلاد، ولكنه من المؤكد أنه لا يعني أيضا الدفاع عن أيديولوجية أو البرنامج السياسي للضحية، أيا كانت هويتها السياسية أو الإيديولوجية.
• بالمعايير المهنية المتعارف عليها في هذا الميدان.
• بتطبيق قواعد المحاسبة الديمقراطية المتعارف عليها في هياكل المؤسسات المدنية.
• بإعمال الشفافية الكاملة فيما يتعلق بمصادر التمويل وأوجه الإنفاق، وإصدار تقارير سنوية بذلك.
إن الالتزام بإعمال هذه المبادئ هو واجب يتسق مع جوهر مهمة الدفاع عن حقوق الإنسان، فضلا عن أنه يساعد على إنشاء عناصر شبكة حماية وقائية، ترتكز على قاعدة أن مبادئ حقوق الإنسان عالمية، ولكن استراتيجيات الدفاع عنها تستنبط محليا -بناء على طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية الخاصة التي تجري فيها هذه الانتهاكات، وطبيعة استجابة الرأي العام المحلي لكل من الانتهاكات ولنداءات الدفاع عن حقوق الإنسان- وتطبق بالتنسيق مع مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
إن هذا الالتزام الذاتي قد يستوجب إنشاء كيان يمثل المجتمع المدني في الرقابة على أداء منظمات حقوق الإنسان ومدى التزامها بهذه المعايير.

10- مهام التنسيق بين المنظمات العربية لحقوق الإنسان
إذ يدرك المشاركون في المؤتمر:
أ- أن عددا من أبرز التوصيات السابقة التي تضمنتها هذه الوثيقة البرنامجية، لا يمكن ضمان الحد الأدنى من الوفاء بها دون الارتقاء بعلاقات التنسيق الثنائي والجماعي بين فعاليات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم العربي إلى مستوى غير مسبوق،
ب- أن انعقاد هذا المؤتمر بحد ذاته هو تعبير عميق عن إدراك النقص الفادح في هذا المجال، وضرورة تجاوزه،
ج- أن الافتقار إلى آليات وهياكل التنسيق على الصعيد الوطني والإقليمي التي تتناسب مع جسامة التحديات التي تواجهها حركة حقوق الإنسان في العالم العربي، على النحو الذي أوضحته أقسام سابقة من هذه الوثيقة، يشكل عائقا أمام تعزيز فاعليتها والوفاء بالمهام الجسام الملقاة على عاتقها على كافة الأصعدة، خاصة في ضوء التشابه العميق في البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية التي يجري فيها انتهاك حقوق الإنسان في العالم العربي، وفي انعكاساتها على مهام الدفاع عن هذه الحقوق،
د- أن الحاجة قد أصبحت ملحة على صعيد حركة حقوق الإنسان في العالم ككل، لمراجعة هيكل العلاقات القائمة بين مكوناتها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، أخذا بعين الاعتبار التطورات الكمية والنوعية التي طرأت على حركة حقوق الإنسان في الجنوب، وسعيا إلى إنشاء آلية عالمية مبتكرة تقوم على التشاور الديناميكى المستمر، وتعزز مقومات علاقات الشراكة والتكافؤ بين مكونات الحركة، بما يساعد على تعزيز فاعلية الحركة عالميا وإقليميا ومحليا،
بناء على ذلك يقرر المؤتمر اعتبار أن مهام التنسيق بين منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي، وسبل تعزيز فعالية الحركة العربية لحقوق الإنسان، وابتكار الآليات والهياكل المناسبة لذلك، هى مهمة ذات أولوية قصوى