مصر: تعليق مركز القاهرة على التعديلات المقترحة على قانون الهيئات القضائية

In Uncategorized @ar, برنامج مصر ..خارطة الطريق, مواقف وبيانات by CIHRS

مشروع قانون السيطرة على الهيئات القضائية

مركز القاهرة: التعديلات المقترحة جريمة دستورية لا تسقط بالتقادم هي التدخل في شئون العدالة

بيان صحفي

يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن رفضه التام لمقترحات لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بالبرلمان بشأن تعديل قواعد اختيار رؤساء الهيئات القضائية؛ والمتضمنة تعديل المادة 35 من قانون هيئة النيابة الإدارية، والمادة 16 من قانون هيئة قضايا الدولة، والمادة 44 من قانون السلطة القضائية، والمادة 83 من قانون مجلس الدولة، باعتبارها تكرس لسيطرة رئيس الجمهورية على الهيئات القضائية على نحو ينتقص من استقلالها ويهدر مبدأ الفصل بين السلطات، ويعد تدخل في شئون العدالة وهي جريمة لا تسقط بالتقادم بحسب الدستور.

تسند التعديلات لرئيس الجمهورية سلطة اختيار وتعيين رؤساء كل من هيئة قضايا الدولة، هيئة النيابة الإدارية، مجلس الدولة، محكمة النقض، وذلك بعد تقديم المجلس الأعلى لكل هيئة لثلاث أسماء مرشحة لمنصب رئيس الهيئة، يختار رئيس الجمهورية بينهم. وفي حال عدم تقديم المجلس الأعلى لأسماء المرشحين الثلاثة لرئيس الجمهورية قبل 60 يوم من موعد اختيار رئيس الهيئة، يحق لرئيس الجمهورية اختيار وتعيين رئيس الهيئة من بين أقدم سبعة نواب لرئيس الهيئة الحالي، دون الرجوع للمجلس الأعلى للهيئة.

تشكل هذه المقترحات مخالفة صريحة لعشرة نصوص دستورية شددت صراحة على استقلال السلطة القضائية، والذي من أهم ضماناته عدم تدخل السلطة التنفيذية في تسير أمور الهيئات القضائية أو اختيار رؤسائها، ومن ثم يحصر القانون- في وضعه الحالي- معايير اختيارهم في  مبدأ الأقدمية، على نحو يغلق الباب أمام أية تنازلات أو سبل لتملق تلك المناصب داخل الهيئة، ويضمن للمتقاضين غياب أية شبه انحياز من جانب السلطة القضائية لصالح السلطة التنفيذية أو غيرها، لاسيما أنها قد تكون طرف “خصم” في بعض النزاعات المنظورة أمام القضاء.

كانت المحكمة الدستورية العليا قد أوردت في حكمها رقم 162 لسنة 19 قضائية أن “استقلال السلطة القضائية أمر لازم لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم”.

ومن الجدير بالذكر أن النصوص التي استندت إليها لجنة الشئون الدستورية والتشريعية في البرلمان لتمرير هذه التعديلات، لا تتعارض فحسب مع الدستور الحالي الذي أقسم النواب على احترامه، وإنما تخالف أيضا التزامات مصر الدولية بموجب المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تعتبر أن استقلالية وحياد المحاكم تتضمن عدم تدخل أي سلطة في طريقة تعيين القضاة، والمؤهلات المطلوبة لتعيينهم، ومدة ولايتهم، والشروط التي تنظم ترقيتهم ونقلهم وإنهاء خدمتهم، باعتبار أن الاستقلال الفعلي للسلطة القضائية يعني استقلالها  عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وفي هذا الصدد يعرب مركز القاهرة عن بالغ استيائه من مسلك البرلمان الحالي في التعدي المتعمد على نصوص الدستور وضماناته، على نحو يزيد من إحكام سيطرة السلطة التنفيذية على المجال العام عبر تقنين تدخلها المخالف للدستور في عمل كافة المؤسسات، إذ وافق البرلمان- على سبيل المثال لا الحصر- على قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، بالإضافة إلى الموافقة على قرار بقانون يمنح لرئيس الجمهورية السلطة المطلقة في اختيار وتعيين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وأيضًا القانون رقم 92 لسنة 2016 بشأن التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام الذي يخول لرئيس الجمهورية كامل الحرية في اختيار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وإثنان من أعضائه، فضلًا عن اختيار المجلس الأعلى للصحافة وثلاثة من أعضاءه.

بل والأخطر هو مصادرة البرلمان لحقوق وحريات حتى أعضائه المعترضين على هذا المسلك المنحاز للسلطة التنفيذية، ومعاقبتهم على التعبير عن رأيهم أو تعمد تجاهل اعتراضاتهم، ولعل ما حدث مؤخرا مع النائب هيثم الحريري وتحويله للجنة القيم دليلاً دامغًا على ذلك، والذي كان جزء من اعتراضه يتعلق بالطريقة التي تمت بها مناقشة التعديلات المشار لها بشأن تعيين رؤساء الهيئات القضائية، إذ أقر النائب في لقاء مع أحدى الفضائيات أن مناقشة القانون تمت داخل اللجنة الدستورية والتشريعية وفوجئ أعضاء البرلمان بعرضه على المجلس في جلسة عامة دون أن يدرج على أجندة أعماله، فضلا عن أن تقرير اللجنة لم يدرج به رأي مجلس الدولة، ولا رأي نادي القضاة، ولم يرسل من الأساس للسلطة القضائية بالمخالفة للدستور.

إن استقلال السلطة القضائية هو ركن جوهري من أركان الديمقراطية وسيادة القانون والحكم الرشيد يتعين تدعيمه على المستويين المؤسسي والفردي، وينوط بالبرلمان بصفته السلطة التشريعية أن يحفظ للسلطة القضائية استقلاليتها ولا يهدرها، وأن يكون أمينا على مبدأ الفصل بين السلطات الدستوري، ورادعا لكل متعديًا عليه.

 

This post is also available in: English