مصر |منظمات حقوقية: إغلاق كل قنوات الحوار المجتمعي والتغيير السلمي يضع مصر على أعتاب منعطف خطير

In الوحدة الإعلامية, برنامج مصر ..خارطة الطريق, بيانات وتقارير, مواقف وبيانات by CIHRS

أرسلت 7منظمات مصرية حقوقية مستقلة مساء الثلاثاء 13 مارس الجاري، مذكرة للأمين العام للأمم المتحدة حول التدهور المخيف لحالة حقوق الإنسان في مصر، والذي  بات يهدد بوضع البلاد علي شفا منعطف تاريخي كبير، خاصة بعد الغلق العنيف لسبل التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات عامة، وما يتواكب مع ذلك من تصعيد جنوني لانتهاكات حقوق الإنسان، وذلك التجميد غير المعلن لكافة التزامات مصر بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فضلا عن العصف البيّن بمعظم الضمانات الدستورية للحقوق والحريات العامة علي صعيد التشريع والممارسة.

في المذكرة حذرت المنظمات من أنه ما لم يعاد الاعتبار لمبدأ التداول السلمي للسلطة في مصر، من خلال إعادة مسار العملية الانتخابية إلى نقطة البداية، والإفراج عن كافة المرشحين المحبوسين ومساعديهم، وتمكينهم وكل مواطن مصري من ممارسة الحق في الترشح لهذا المنصب العام دون ضغوط، فإن الأمور قد تتطور في مسارات مخيفة، وهو أمر من الضروري أن يمنحه الأمين العام عنايته الخاصة باعتباره وثيق الصلة بمسئوليات الأمم المتحدة عن حماية حقوق الإنسان وحفظ السلم والأمن الدوليين.

كانت المذكرة قد حددت ملامح التدهور النوعي في ملف حقوق الإنسان في أربعة محاور رئيسية، جاء على رأسها إغلاق الطريق السلمي لتداول السلطة من خلال انتخابات حقيقية، وليس استفتاء على تجديد البيعة لرئيس زج بكل منافسيه المحتملين في السجون. كما تطرقت الرسالة لما اعتبرته انهيار لمبدأ سيادة القانون، من خلال إصدار تشريعات تنتهك الدستور، فضلاً عن تسييس القضاء، وتخلي النيابة العامة عن وظيفتها الرئيسية ”كوكيل عن المجتمع“ لتصير وكيلا عن الأجهزة الأمنية. أما الملمح الثالث لهذا التدهور فركز على حملات الترهيب والانتقام من قيادات الأحزاب السياسية الشرعية وأعضائها. هذا الترهيب الذي امتد أيضا بحسب المحور الرابع للرسالة للمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ووسائل الإعلام المصرية التي باتت إما رهن التأميم أو تحت قيود أمنية تعسفية، فضلاً عن ترهيب الإعلاميين والمدونين والمحاولات المستمرة لإخراس الوسائل المتبقية للمواطن المصري لمعرفة ما يحدث في بلده والعالم، بما في ذلك حجب المواقع الالكترونية والإخبارية ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وحملات التشهير بوسائل الإعلام الدولية.

استعرضت الرسالة أيضًا بعض المؤشرات الرقمية الدالة على هذا التدهور النوعي، ومن بينهما الزيادة المفرطة في إصدار وتنفيذ عقوبة الإعدام، وارتفاع معدل حالات الاختفاء القسري والتعذيب في السجون والقتل خارج القانون، فضلا عن وجود نحو٦٠ ألف شخصًا سجين ومحتجز سياسي (أغلبيتهم الساحقة مسالمين علمانيين وإسلاميين) بعضهم بدون محاكمة أو بحبس احتياطي لسنوات، وبينهم صحفيين وحقوقيين وأكاديميين.

للاطلاع على المذكرة:

السيد الأمين العام للأمم المتحدة: أنطونيو غويترش
مقر الأمم المتحدة- نيويورك 10017
الولايات المتحدة الأمريكية

13 مارس 2018

الحكومة المصرية تغلق طريق التداول السلمي للسلطة وتجمد بشكل غير معلن التزاماتها الدولية لحقوق الإنسان

مذكرة من المنظمات المصرية الحقوقية المستقلة إلي الأمين العام للأمم المتحدة



السيد الأمين العام للأمم المتحدة،
تخشي المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة الموقعة على هذه المذكرة الموجزة من أن مستوي تدهور احترام حقوق الإنسان في مصر بات يهدد بوضع البلاد على شفا منعطف تاريخي كبير، خاصة بعد الغلق العنيف لسبل التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات عامة، وما يتواكب مع ذلك من تصاعد لانتهاكات حقوق الإنسان على كافة الأوجه، بحيث بات من المشكوك فيه أن حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي قد اتخذت قرارًا غير معلن بتجميد التزاماتها تجاه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. يعزز هذه المخاوف واقع أن حكومة السيسي قد جمدت عمليًا الضمانات الدستورية للحقوق والحريات العامة على صعيد التشريع والممارسة، بعد أن اعتبر الرئيس أن هذه الضمانات غير واقعية، مثلما سبق وأعلن أن حقوق الإنسان لا تناسب مصر، بل المجتمعات الغربية.


أبرز ملامح هذا التدهور النوعي:

١-إغلاق طريق التداول السلمي للسلطة: فبعد أن فشل الرئيس السيسي في تعديل الدستور بما يسمح له بمد فترة رئاسته عامين إضافيين، وبالتالي تأجيل الانتخابات الرئاسية، عمد إلي محاربة كل مرشح يشكل تحديًا جديًا لفرصته في الفوز بفترة رئاسة ثانية، مستخدمًا في ذلك السلطات الاستثنائية التي كدسها لنفسه بالمخالفة للدستور والقانون. فوضع الفريق أحمد شفيق (رئيس وزراء سابق وقائد سابق للقوات الجوية) رهن الإقامة الجبرية حتى تراجع عن الترشح. كما سجن الفريق سامي عنان (رئيس سابق لأركان القوات المسلحة) بعد أن رفض التراجع عن الترشح. واستصدر للسبب نفسه حكمًا بالسجن علي العقيد بالجيش أحمد قنصوة.  فيما مارس ضغوطاً وتهديدات علي مرشحين آخرين، حتى اضطر أحدهما للتراجع وانسحب الثاني. كما جرت محاولة دامية للاعتداء علي حياة المستشار هشام جنينة نائب عنان في حملته الانتخابية، ثم ألقي القبض عليه بعد أن اتهم أجهزة أمنية بمحاولة اغتياله وهو في طريقه لتقديم طعن قانوني علي منع عنان من الترشح. جدير بالذكر أن جنينة كان يشغل منصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات. وفي محاولة لإقناع الرأي العام بأن الانتخابات التي ستبدأ في ١٨ مارس الجاري ليست مجرد استفتاء علي تمديد مدة الرئيس السيسي في الحكم ٤ سنوات إضافية، سمح الرئيس بان يترشح أمامه في الدقيقة الأخيرة قبل إغلاق باب الترشح أحد أبرز أنصاره. وتخشي المنظمات الموقعة من أن هذه الممارسات تشكل دعما نوعيًا كبيرًا لدعاوى العنف السياسي والتطرف الديني والإرهاب، علي النحو الذي حذرت منه في بيان مشترك في ٢٠ ديسمبر الماضي.

٢- انهيار سيادة القانون: علي مدار السنوات الأربعة الماضية، صارت الأولوية الرئيسية لحكومة السيسي هي محاربة أي فرصة لنمو بديل سياسي لها علمانيًا أم إسلاميًا، متسترة في ذلك خلف شعار"مكافحة الإرهاب،" الأمر الذي سهل لها إضفاء مشروعية زائفة علي سياسات وممارسات منافية للقانون والدستور والتزامات مصر الدولية، وإصدار تشريعات تنتهك الدستور وتلك الالتزامات، فضلاً عن تسييس القضاء، للحد الذي دفع خبراء الأمم المتحدة لوصف بعض أحكامه بأنها ”تسخر من العدالة! كما تتنكر النيابة العامة لوظيفتها الرئيسية "كوكيل عن المجتمع" لتصير وكيلاً عن الأجهزة الأمنية، ينخرط في حالة حرب مع المجتمع، فيلاحق يوميا فنانيه وصحفييه وأكاديمييه وسياسييه وحقوقييه، ومغرديه علي وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بلغ الأمر بالنائب العام أن يصدر منذ أيام في بيان رسمي توجيهًا لوكلاء النيابة بتعقب ما أسماهم"قوي الشر"وضبط ما ينشرونه في الصحف ووسائل الإعلام المرئي والمسموع والتواصل الاجتماعي. وهو تعبير لا وجود له في القانون أو الدستور، بل يكرره الرئيس السيسي في خطبه التي يحرض فيها ضد خصومه من غير الإرهابيين. للأسف، إنها دعوة علنية من أحد أكبر المسئولين -المفترض أنهم رعاة مبدأ سيادة القانون في مصر- إلي تجاوز كل النظم واللوائح والأعراف القانونية والتزامات مصر الدولية.

٣- قمع الأحزاب السياسية الشرعية: في إطار التصعيد القمعي الذي أدي لغلق باب التداول السلمي للسلطة، جرت حملة قمع وترهيب للأحزاب السياسية الشرعية والشخصيات العامة البارزة التي عبرت عن انتقادها العلني لتلك الممارسات، ودعت لمقاطعة الانتخابات الرئاسية. فقد ألقي القبض علي عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب"مصر القوية"ونائبه محمد القصاص، وجري اتهامهما بالإرهاب، وهي التهمة التقليدية الموجهة لعشرات الألوف من المصريين المسالمين، علمانيين وإسلاميين ويساريين، بل وأقباط. كما جرت حملة إرهاب أمني مباشر وإعلامي لقيادات"الحركة المدنية الديمقراطية."[1]

٤- حملة ضارية علي وسائل الإعلام الدولية: بعد أن رفضت حكومة الرئيس السيسي فتح مكتب لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مصر، وأجبرت المنظمات الحقوقية الدولية علي إغلاق مكاتبها في مصر، وقمعت المنظمات الحقوقية المصرية،[2] وأممت فعليًا وسائل الإعلام المصرية أو وضعتها تحت قيود أمنية تعسفية، بدأت تشن مؤخرًا حملة ضغط عنيف لإخراس الوسائل المتبقية للمواطن المصري لمعرفة ماذا يحدث في بلده والعالم، أي وسائل التواصل الاجتماعي،[3] ووسائل الإعلام الدولية، وخاصة بي بي سي ونيويورك تايمز.

٥- مؤشرات ذات دلالة:  شهدت السنوات الأربعة المنصرمة مؤشرات مخيفة تتعلق بتدهور حالة حقوق الإنسان وتنامي ممارسات العنف الجسدي والتعديات على الحقوق الأساسية. إذ نلاحظ زيادة مفرطة في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام:، وصلت لحد تنفيذ 26حكم إعدام في مدة 60 يوم، ينتظر 29 آخرين تنفيذ الحكم، فضلا عن محاكمات جارية بحق 38 طفلا في اتهامات تصل عقوبتها للإعدام. ويتحول القتل خارج نطاق القانون لنمط ومنهج مكرر لدى أجهزة الأمن، حيث تم توثيق عشرات الحالات بينهم أطفال.  هذا بالإضافة إلى شيوع ممارسات التعذيب بشكل منهجي في مقار الاحتجاز، على النحو الذي يؤكده تقرير لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة.  في السياق نفسه رصدت حملة أوقفوا الاختفاء القسري منذ 30 يونيو 2013 وحتى منتصف أغسطس 2016، 912 حالة على الأقل للاختفاء القسري، بينهم 15 مفقودا لم يعرف مصيرهم حتى الآن. وفي تقريرها السنوي الأخير، قالت الحملة أن 378 حالة على الأقل تعرضت للاختفاء القسري في الفترة بين أغسطس 2016 وحتى أغسطس 2017، كما تشير التقديرات إلى أن ٦٠ ألف شخص سجين ومحتجز سياسي (أغلبيتهم الساحقة مسالمين علمانيين وإسلاميين) بعضهم بدون محاكمة أو بحبس احتياطي لسنوات، وبينهم صحفيين وحقوقيين وأكاديميين.

أخيرا، تخشي المنظمات الحقوقية المستقلة الموقعة من أنه ما لم يعاد الاعتبار لمبدأ التداول السلمي للسلطة في مصر، من خلال إعادة مسار العملية الانتخابية إلي نقطة البداية، والإفراج عن كافة المرشحين المحبوسين ومساعديهم، وتمكينهم وكل مواطن مصري من ممارسة الحق في الترشح لهذا المنصب العام دون ضغوط، فإن الأمور قد تتطور في مسارات من نوع آخر يصعب إعادتها لنقطة البداية. وهو أمر من الضروري أن يمنحه الأمين العام عنايته الخاصة باعتباره وثيق الصلة بمسئوليات الأمم المتحدة عن حماية حقوق الإنسان وحفظ السلم والأمن الدوليين.

المنظمات الموقعة:

  • مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
  • بلادي جزيرة الإنسانية
  • مبادرة الحرية
  • كوميتي فور جستس
  • المؤسسة العربية للحقوق المدنية والسياسية " نضال"
  • مركز عدالة للحقوق والحريات
  • الجبهة المصرية لحقوق الإنسان

[1]إطار جبهوي لعدد من الأحزاب العلمانية والشخصيات العامة.
[2]تم منع 29 حقوقيًا من السفر، ومنع 10 حقوقيين و7 منظمات حقوقية من التصرف في أموالهم، والتحقيق مع عشرات العاملين بتلك المنظمات في قضية خاصة بتجريم المنظمات الحقوقية (المعروفة إعلاميا بالتمويل الأجنبي)، وحبس اثنين من مديري المنظمات الحقوقية (إبراهيم متولي وعزت غٌنيم) وتهديد آخرين بالقتل.
[3]بلغ عدد المواقع المحجوبة حتى الآن 490 موقع، أغلبهم مواقع إخبارية، فضلا عن حجب خدمات مثل الـ VPN، نظر لأن المصريين يلجئوا إليها للوصول للمواقع المحجوبة.

This post is also available in: English