هل العرب أدنى من شعوب العالم ؟!

In البرنامج الدولى لحماية حقوق الانسانby

يصادف اليوم العاشر من ديسمبر مناسبة مرور 55 عاما على صدور أول وثيقة دولية تعني بحقوق الإنسان، وهى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي صدر بمساهمة عربية وإسلامية متميزة في أعماله التحضيرية، ودون اعتراض دولة عربية واحدة عليه.
تبرهن التجربة التاريخية للعالم العربي على أن عدم تمتع شعوب العالم العربي بالحقوق المدنية والسياسية كان مدخلا رئيسيا لحجب الحد الأدنى من ضمانات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية سلب من الشعوب القدرة على الدفاع المنهجى عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو حتى القدرة على الدعوة لها. ففي غياب الحق في التجمع والتنظيم السياسي والنقابي والأهلي المستقل، وفى ظروف تتسم بضعف أو إلغاء ضمانات وحريات الرأي والتعبير والاجتماع السلمي والإضراب، يصعب بناء القدرة على الدفاع عن الحقوق الأخرى، ويغيب التوازن بين المجتمع والدولة، وبين الفقراء والأغنياء وبين الطبقات المالكة والطبقات العاملة. كما أن غياب الحقوق المدنية والسياسية مثل المدخل والشرط الجوهري للاعتداء المتواصل على الحقوق الجماعية للأقليات العرقية والدينية، بما في ذلك شن حروب إبادة ومذابح وتهجير جماعي قسري إلى داخل بعض الدول العربية وخارجها. كما كان عدم التمتع بالحقوق المدنية والسياسية في العالم العربي عائقا أيضا حتى أمام حركة التضامن الشعبي مع حقوق الشعب الفلسطيني، وحركة الاحتجاج ضد المخططات الدولية المعادية له، أو ضد الحرب على العراق، أو أمام الانخراط في الحركة العالمية ضد الآثار السلبية للعولمة.
وأخيرا، فإن هذا الحرمان القاسي من هذه الحقوق، والاعتداء الوحشي المتواصل لفترة طويلة عليها، كان سببا مباشرا في استمرار وتفاقم الأوضاع غير الآدمية التي عاشها أكثر من شعب عربي وخاصة الشعب العراقي. وفى مثل تلك الأوضاع يشعر كثيرون باليأس التام من إمكانية التغيير من الداخل.
وتدل التجربة التاريخية لعدد من الشعوب النامية والفقيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، على أن فقر هذه المجتمعات لم يكن حائلا دون إحراز إنجاز جيد في مجال الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان. وعلى نقيض ذلك فإن تمتع عدد من الدول العربية بمستوى مرموق عالميا من الثراء والوفرة لم ينعكس على مستوى احترام الحقوق المدنية والسياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الثراء المادي الهائل لبعض هذه الدول لم يساعدها كثيرا سوى في الوصول إلى مكانة متواضعة في التقارير الدولية المعنية بالتنمية البشرية، وتسجيل مؤشرات مرتفعة في الفساد. ويقع أغلب الدول العربية في أدنى سلم التصنيف الدولي لاحترام حقوق الإنسان، فهذه التقارير لا تصنف دولة عربية واحدة باعتبارها حرة، أو تصدر عنها صحافة حرة! وبينما تشكل الدول العربية أقل من 10% من عدد دول العالم، فإنها تشكل نحو 30% من عدد الدول غير الحرة فيه، وترتفع النسبة إلى 35% فيما يتعلق بالدول الأكثر استبدادا!
رغم أن جيوش الاستعمار قد رحلت منذ نحو نصف قرن -باستثناء فلسطين ومؤخرا العراق- فإنها تركت خلفها العقلية الاستعمارية التحقيرية للشعوب، والقائلة بأن هذه الشعوب غير مؤهلة للتحضر والتمدين وحكم نفسها بنفسها، وأن أديانها تحول دونها ودون التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون في الدول الاستعمارية!، ولكن بلسان عربي يبيع لنا أفكارا استعمارية غربية قديمة في غلاف عربي وطني براق!.
لقد برهنت التجربة التاريخية للشعوب في العالم العربي، بعد أكثر من نصف قرن من اغتصاب فلسطين، على أن التحلل من مقتضيات النظام الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، لم يؤد للتقدم خطوة واحدة للأمام باتجاه تحرير فلسطين، بل قاد بالأحرى إلى ضياع ما كان قد تبقى منها، واحتلال أجزاء أخرى لفترات متفاوتة من مصر والأردن وسوريا ولبنان. كما تم احتلال العراق، فضلا عن تأبيد تخلف العالم العربي اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعلميا، وسقوط عدد من الدول العربية ضحية لحروب داخلية وأهلية أو صراعات دموية مسلحة مزمنة أو مؤقتة (السودان، الجزائر، اليمن، لبنان، العراق) سقط خلالها عدة ملايين من القتلى، فضلا عن ملايين أخرى من المختفين والمشردين واللاجئين، والمهجرين قسرا خارج بلادهم، والجرحى والمقعدين. بينما استضافت سجون العالم العربي خلال نحو نصف قرن عدة ملايين، أغلبهم من المحسوبين على جماعات وتيارات سياسية هى من أشد أعداء إسرائيل والاستعمار القديم والجديد، ولقى عدد هائل منهم حتفه في السجون من جراء التعذيب، أو اختفى تماما ولم يعثر له على أثر، أو اغتيل أو دفن في مقابر جماعية أو أعدم بدون محاكمة أو بمحاكمات هزلية لا تنطبق عليها أدنى المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. وفي النهاية أدى ذلك كله –إلى جانب عوامل أخرى- إلى تقديم العرب للعالم باعتبارهم أكثر البشر جهالة وتخلفا ولا عقلانية، وبالتالي تسهيل مهمة المعادين للعرب على أسس عنصرية في العالم.
لكل ذلك، من الضروري النظر إلى مهام تعزيز حقوق الإنسان باعتبارها مصلحة قومية عليا. وقد تكفي نظرة سريعة على حزمة من أبرز التقارير الدولية الصادرة في الأعوام الأخيرة في شتى المجالات، لكي ندرك أن مجموعة الدول الأكثر تقدماً وإنتاجية وتعليماً وعلماً، والأقل فساداً، هى الدول الأكثر احتراما لحقوق الإنسان في العالم، والأكثر تمتعا باستقلالية سياسية في قرارها الوطني.


هذا الموضوع متاح ايضاً بـ: English