هل لديك كتاب لعلاء عبد الفتاح؟

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

كانت هذه توصية علاء عبد الفتاح الأخيرة لزوجته ـ ابنتي منال، في ختام زيارته في مكان «أسره» بسجن طرة. فعلاء يلتهم الكتب التهاما باللغتين العربية والإنجليزية، فضلا عن أنه ملم بالفرنسية، وهو يوشك على الانتهاء من رواية للمنسي قنديل، ولذا طلب من منال إرسال بقية الروايات الأخرى التي كانت مرشحة لجائزة «البوكر»، وشراء أي كتب جيدة يقترحها أصدقاؤه، خاصة أمه د.ليلى سويف أستاذة الجامعة، ودينامو حركة 9 مارس لاستقلال الجامعة.

أقترح على الأستاذ إبراهيم المعلم أن يهديه مجموعة من إصدارات الشروق الأدبية، حيث إنه من المتوقع أن من قاموا بإصدار القرار بأسر علاء، لن يطلقوه قريبا، بل على الأرجح سيواصلون الحفر تحت أقدامهم، ومواصلة المهزلة غير المسبوقة منذ مذبحة دنشواي، أي بتحويل الضحايا وأنصارهم إلى جناة، بوهم أن ذلك قد يساعد على محو الجناة الحقيقيين من ذاكرة الناس بشكل تدريجي.

لم أستطع إطالة النظر في عيون علاء، فلدى شعور عميق بالذنب، كان لدى يقين داخلي منذ عدة شهور، بأنهم سيختطفونه من بيننا، بصرف النظر عن المبرر ـ التهمة، ولكنني أشعر أنني لم أبذل ما يكفى من الجهد لتجنيبه هذا المصير المرجح، أي بإقناعه بالبقاء خارج مصر.

منذ المرة الأولى التي قرأت فيها مقاله الشجاع «أنا بقى مشكلتي مع الجيش»، في وقت كانت تتبارى فيه أبرز الأقلام ـ بحسن أو سوء نية ـ بتكرار التحذير الأمني «الجيش خط أحمر»، تيقنت أنهم لن يتركوه. وعندما جرت حملة التطهير الأمنية لميدان التحرير في آخر يوليو، علمت أنهم كانوا يبحثون عنه بالاسم متنقلين من خيمة إلى أخرى، ليس فقط بسبب هذا المقال، ولكن بسبب ديناميكيته الحركية وسط المعتصمين بالتحرير وأهالي الشهداء وجماعات سياسية متعددة المشارب، وقدراته اللامح دودة على التحريك والابتكار، التي كان أبرزها في ذلك الوقت «تويت ندوة». كان ذلك قبل أيام قلائل من عودته إلى عمله في جنوب أفريقيا مع منال، وكنت على نفس الطائرة مع زوجتي وبناتي الأصغر سنا في إجازة عائلية، كان يلح علاء ومنال علىّ للقيام بها. في مطار القاهرة وقفت أترقب ضابط الجوازات، متوقعا أن يتم منعه من السفر، ولكن لحسن حظ علاء لم يكن قد عاد العمل بالقوائم السوداء بعد، وفق ما أبلغ ضباط الجوازات الصديق عمرو الشوبكى عندما تم احتجازه بمطار القاهرة مؤخرا، بعد إعادة العمل بها.

في جنوب أفريقيا تحدثت أكثر من مرة مع علاء ومنال حول ضرورة إرجاء عودتهما، ولكنني لم أفلح في إقناعهما، رغم قناعتهما النسبية بوجاهة مبرراتي. كانت هناك أيضا عوامل أخرى، منها أن منال تفضل أن تلد خالد (من خالد سعيد) في مصر، بين أحضان الأهل، ولكن الميلاد المرتقب خلال أيام سيحدث على الأرجح في غياب الشخص الأهم، أبو خالد.

تتمتع ابنتي الأصغر «إلزا» (هذا هو الاسم الذي منحها إياه صديق عمري محمد السيد سعيد، تيمنا بديوان «عيون إلزا» للشاعر الفرنسي المعروف أراجون) بحساسية سياسية لا تتناسب مع عمرها (خمس سنوات ونصف السنة). عندما صدر القرار بحبس علاء 15 يوما على ذمة التحقيق، قالت بوضوح قاطع، إن «علاء قد أخطأ بنقده الجيش علنا، كان يجب أن يكتفي بنقده في السر فقط»! ثم تحولت لتحذر أمها من أنني قد ألقى مصير علاء، إذا لم أتبع نصيحتها!، برغم أنها لا تتورع أحيانا بمشاركة أختها الأكبر عن الهتاف علنا في النادي بسقوط حكم العسكر!

خصصت المدرسة إحدى الحصص الخالية، لكي يتحدث الأطفال عن كيف قضوا إجازاتهم الصيفية، وعندما جاء الدور على ابنتي الأكبر (7 سنوات) ـ وهى شغوفة للغاية أيضا بعلاء ـ حدثتهم عن إجازتها في جنوب أفريقيا مع منال وعلاء، وعن الحيوانات العديدة التي رأتها لأول مرة في حديقة مفتوحة. ثم تحولت لتحدثهم عما يحدث مع علاء الآن، لتنهال أسئلة الأطفال حول «ما هي الجريمة التي ارتكبها علاء»؟، «ولماذا يحكم الجيش مصر؟»، «وهل هذا يحدث في بلاد العالم الأخرى»؟

بعد أن قرأت زوجتي القصص المسلية لطفلتينا قبل النوم، وبدأتا يستسلمان للنعاس، استعدت زوجتي لمغادرة غرفتهما، ولكن إلزا المهمومة دوما بعلاء، هبت فجأة لتسأل، «كيف استطاعت منال إدخال البطاطين لعلاء في السجن، بينما هي لم تقابله»؟! لم تكن المهمة سهلة مع إلزا التي لم يسترخ عقلها، رغم استسلام جسدها للنوم، فهي لم تستوعب أنه يمكن لأسر المحبوسين أن يرسلوا إلى ذويهم في غير وقت الزيارة، ملابس أو أغطية أو طعام، يُعرف في السجن باسم «الطبلية». بالمناسبة استولى «مجهولون» آخرون على «الطبلية» قبل أن تصل إلى علاء في سجن الاستئناف!

خلال ساعة استغرقتها زيارة علاء، لم أشعر لحظة واحدة أن علاء سجينا ـ أسيرا، وحتى عند نهاية الزيارة وتوديعه، لينصرف كل في طريقه، كان يبدو لي الأمر كما لو كنا نودع بعضنا البعض في نهاية أحد اللقاءات العائلية في شقتي أو شقته. كان علاء مفعما بروح المرح والود، حتى أنني لم أكن متأكدا من منا في طريقه للسجن، ومن إلى خارجه! كم بدت قامته شامخة، وكم بدت قامة سجانيه في الحضيض.

لا أعنى بسجانيه الضباط المسئولين في السجن، فقد تعاملوا باحترام ومهنية، حتى وهم يقومون بمراجعة الخطابات التي أعطاها علاء لزوجته أمامهم، منه ومن مسجونين آخرين يطمئنون من خلالها ذويهم. وعندما علم العقيد أحمد أنني أدير مركزا لحقوق الإنسان، سألني عما إذا كنت مقتنعا برواية أن الشرطة قد بادرت بفتح السجون أثناء الثورة؟ اعتذرت له بأن تقصى الأوضاع في السجون لا يدخل في اختصاص مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ولكنني أوضحت أنه من خلال اللقاءات التي أتيحت لي مع ضباط شرطة ومسئولين بوزارة الداخلية، واطلاعي على تقارير المنظمات المصرية المتخصصة في هذا المجال، لدى قناعة بأن ذلك حدث بالفعل في سجن أو أكثر، وأنه في المقابل، تعرض سجن أو أكثر لعملية اقتحام مسلحة مخططة من خارجه. وأشرت إلى أن إحدى المنظمات المصرية أصدرت تقريرا عن عملية قتل جماعي في سجن واحد على الأقل، وأن وزارة الداخلية قد وعدت بالتحقيق، ولكنها لم تعلن شيئا. علق ضابط آخر كان موجودا أثناء الزيارة، بأن وزارة الداخلية لا تهتم بالدفاع عن ضباطها. قالها بأسى دون اصطناع، وبدا على وجوه الضباط الآخرين ملامح تدل على تبنيهم لهذه الإدانة الجماعية.

إنها مرة أخرى مشكلة «الحقيقة» التي بح صوت منظمات حقوق الإنسان من المطالبة بالتحلي بالحد الأدنى من الشجاعة والمهنية للعمل على إظهارها، ليس فقط فيما يتعلق بما حدث في السجون أو أقسام الشرطة المحترقة، ولكن ما حدث أيضا للشهداء، وليس فقط خلال الأسبوع الأول للثورة، ولكن أيضا البحث لإظهار حقيقة الجرائم التي ارتكبت خلال العقود الثلاثة أو الستة السابقة.

نعود إلى علاء وسجانيه أو آسريه الحقيقيين، وليس «الموظفين» الذين يحرسونه.

لدينا في ماسبيرو جريمة متكاملة الأركان، والمتهم الأول فيها لا فكاك له من المسئولية حتى لو أثبتت تحقيقات أكثر هيئات التحقيق استقلالية ونزاهة (سواء كانت هيئة محلية أو دولية) أن الشرطة العسكرية لم تطلق النار على المتظاهرين، ولم تدهسهم بالمدرعات. فالوحدة العسكرية المسئولة عن تأمين المنطقة تظل مسئولة قانونا على الأقل عن عدم قيامها بواجبها في حماية المتظاهرين من الجهة التي يريد البعض لها أن تكون مجهولة، والتي ينسب إليها قتل المتظاهرين بالرصاص وربما دهسهم بالمدرعات أيضا.

وبالتالي فإن هذه الوحدة العسكرية وقائدها لن يفلتوا من الحساب يوما ما، إن لم يكن بواسطة محاكم مصرية، فمن المحتمل من خلال محكمة دولية، مثلما حدث في مذبحة رواندا الأكثر هولا من حيث عدد الضحايا، ولكنها تتشابه مع مذبحة ماسبيرو في بعض الجوانب، وعلى رأسها الدور الإجرامي للإعلام. علينا أن نتذكر في هذا السياق، أن المحكمة الجنائية الدولية، قد تعاملت مع المذيعة الرواندية التي قامت بالتحريض على القتل، باعتبارها شريكا مساويا في الجريمة، للذين أصدروا الأوامر بالقتل أو قاموا بإدارة المذبحة، وعوقبت المذيعة بنفس العقوبة، وهى الأقصى «السجن مدى الحياة»، فالمحاكم الدولية لا تقر عقوبة الإعدام.

هناك أمور قليلة جدا أنا على يقين منها، واحدة منها أن المسئولين عن هذه المذبحة أو الجرائم السابقة عليها لن يفلتوا من المحاسبة والعقاب، ولن يفيدهم على المدى المتوسط قبل البعيد، الدعم السياسي الأمريكي الأعمى للإدارة الحالية للمرحلة الانتقالية، ولن يحول دون هذه المحاسبة إغلاق كل منظمات حقوق الإنسان في مصر، أو إغلاق مصادر تمويلها، أو حملة التشهير اللات أخلاقية بها التي يقودها مجلس وزراء «الثورة»!

باستطاعة المشير محمد حسين طنطاوي أن يضع حدا لهذه المهزلة، بأن يبادر بتقديم اعتذار علني شجاع للشعب المصري كله ـ قبل أسر الشهداء ـ عن هذه المذبحة، وعن القتل الجماعي للمصريين، سواء قتلوا بنيران الشرطة العسكرية ومدرعاتها، أو بسبب تخاذلها عن قيامها بواجبها في حماية المتظاهرين. وأن يصدر قرارا بالإفراج عن المتهمين زورا في هذه المذبحة، ومحاسبة الذين أعدوا هذا الملف وقائمة المتهمين، الذين يتصدرهم الشهيد مينا دانيال! ربما يحول ذلك دون تحول مذبحة ماسبيرو في ذاكرة المصريين إلى «دنشواي أخرى».

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=07112011&id=834942e2-edf3-4042-9eb0-b9a90b44cd01