هل يمكن للفن أن يسهم في تغيير مجتمعاتنا؟

في برنامج تعليم حقوق الانسان, تقارير متخصصة, مطبوعات المركز

دراسة جديدة لمركز القاهرة تستكشف دور الفن في تشكيل الخيال والتغيير الاجتماعي في المنطقة العربية

تستكشف دراسة جديدة أصدرها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وأعدتها الباحثة والفنانة الدكتورة فيروز كراوية؛ كيف يمكن للفن إعادة تشكيل نظرة المجتمعات لمفاهيم الحرية والكرامة والخوف والعدالة؟

تحت عنوان «الفنون وحقوق الإنسان: فلسفة التحرر المجتمعي الكامنة وراء دعم الفنانين» تبحث الدراسة مسألة اختزال الممارسة الفنية في أدوات للمناصرة أو التوعية أو نقل رسائل حقوقية جاهزة. وتستكشف الكيفية التي يشكّل ويؤثر بها الفن على الخيال والمشاعر والذاكرة والإدراك، وكيف يمكن لهذه التحولات، أن تعيد تعريف الآفاق التي تستطيع المجتمعات إدراكها وطرح الأسئلة حولها، وما يمكن أن تصبح عليه هذه المجتمعات في نهاية المطاف.

تأتي هذه الدراسة استكمالاً لجهود المركز الممتدة منذ فترة طويلة في بحث العلاقة بين الثقافة وحقوق الإنسان. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، سعى المركز إلى استكشاف السبل التي تعزز تجاوز قيم حقوق الإنسان الخطاب القانوني والسياسي لتصبح جزءً من النسيج الاجتماعي والثقافي في المنطقة العربية.

وبالإضافة إلى دراسة أمثلة من مصر ولبنان وتونس، تتناول الدراسة مشروع «تأثير» كدراسة حالة؛ وهو مبادرة إقليمية تجمع فنانين وصنّاع محتوى وفاعلين في مجال حقوق الإنسان لاستكشاف العلاقة بين الفن والتغيير الاجتماعي. ومن خلاله تجادل الدراسة بأن دعم الفنانين ينبغي ألا يقتصر على حماية حرية التعبير فحسب، بل ينبغي أن يمتد ليشمل تهيئة الظروف المعرفية والوجدانية والثقافية التي تتيح سبلاً جديدة لرؤية المجتمع، وتخيله، وطرح الأسئلة حوله. كما تبحث الدراسة قدرة الفنانين على خلق مساحات للتأمل، وتحدي السرديات السائدة، وتوسيع آفاق الخيال الجمعي.

هذه الدراسة موجهة بالأساس إلى الفنانين والباحثين والكُتّاب والفاعلين الثقافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من المهتمين بمستقبل المنطقة العربية، داعيًة إياهم للتفكير في سؤال أوسع؛ ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الفنون في تجديد الثقافة، والتعاطي مع الخطابات المناهضة للحقوق والحريات، وفتح مساحات جديدة للحوار العام؟

طالع التقرير كاملاً لاستكشاف الأسئلة التي يطرحها والنقاشات التي يسعى لتعزيزها.

«الفنون وحقوق الإنسان»

فلسفة التحرر المجتمعي الكامنة وراء دعم الفنانين

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

يوليو 2026

هذا التقرير
من إعداد: د. فيروز كراوية
تقديم: زياد عبد التواب ويوسف أحمد
ترجمة: رجب سعد
صورة الغلاف: طارق الغوراني

عن الكاتبة: فيروز كراوية مغنية، ومؤلفة أغاني، وكاتبة، وباحثة مصرية مستقلة، يربط عملها متعدد التخصصات بين الموسيقى، والأنثروبولوجيا الثقافية، والدراسات النقدية. منذ انطلاقتها الفنية عام 2006، أصدرت ستة ألبومات وأكثر من 120 أغنية منفردة، عبر مشاركات فنية تنوعت بين مجالات الموسيقى، والمسرح، والسينما. حصلت كراوية على درجة الماجستير في الأنثروبولوجيا الثقافية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة (2009)، إذ تناول بحثها السياقات السياسية والاجتماعية المحيطة بالسينما المصرية في العقد الأول من الألفية الثالثة. وبوصفها باحثة ثقافية، قادت عدة مشاريع تتمحور حول النوع الاجتماعي، وعلم موسيقى الشعوب (الإثنوميوزيكولوجي)، والثقافة الشعبية في مصر والمنطقة العربية. وألّفت كتابين هما: «مباني الفوضى» (2010)، و «كل ده كان ليه» (2022)؛ الذي يتناول التاريخ الثقافي للموسيقى المصرية السائدة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر. وفي عام 2024، نالت درجة الدكتوراه في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون (باريس 4)، بعدما حللت أطروحتها تطور فضاء الميمز الرقمي (Memosphere) في مصر بعد عام 2013، في إطار المشهد الاجتماعي والسياسي في مرحلة ما بعد الثورة.

مشروع تأثير

Image

تم تنفيذه بالشراكة بين

Image
Image
Image
Image

وبدعم من

ImageImage

الفن وحقوق الإنسان والمأزق الثقافي في المنطقة العربية

تقديم تمهيدي بقلم المُحررين

في التقرير البحثي «الفنون وحقوق الإنسان: فلسفة التحرر المجتمعي الكامنة وراء دعم الفنانين»، تسعى د. فيروز كراوية إلى استكشاف مسار غير تقليدي في عمل منظمات حقوق الإنسان؛ مسار تُمهده الفنون، والذاكرة، والوجدان، ويصنعه الخيال والتعبير الإبداعي.

هذا المسار لا يتعامل مع الفن بوصفه امتدادًا جماليًا للمناصرة، ولا يطالب الفنانين بتبسيط مفاهيم حقوق الإنسان. بل ينطلق من فرضية مغايرة مفادها؛ أن التعبير الفكري الأصيل المستقل عبر الفن قادر على بلوغ وعي الناس بطرق كثيرًا ما يعجز عنها الخطاب الحقوقي التقليدي. فمن خلال القصص، والصور، والعروض الأدائية، والأصوات، والمشاعر، والسخرية، والإزعاج، والغموض، وغيرها من جماليات التعبير الفني، يمكن للفن، بطرق شتى، أن يؤثر في العوالم الثقافية والوجدانية التي يستشعر الناس في كنفها معاني الحرية، والكرامة، والقمع، والخوف، والأمل.

التقرير يوضح أيضًا أن الفن ليس تحرريًا بطبيعته. فهو، شأنه شأن كل أشكال التأمل والتعبير، عُرضة لأن تأسره السلطة، والسوق، والإيديولوجيات ومنظومة المعتقدات. وتتوقف إمكاناته في صناعة التغيير على الظروف التي يتم فيها إنتاجه وتداوله وتلقيه ومناقشته. والأهم من ذلك، أنها تتوقف على الكيفية التي يحدد بها الفنانون مواقعهم في المجتمع.

ومن ثم، يأتي هذا التقرير في إطار تأمل أوسع داخل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان حول العلاقة بين حقوق الإنسان والثقافة في المنطقة العربية. فعلى مدى عقود، ظل المركز يطرح سؤالاً؛ كيف يمكن أن تتجاوز قيم حقوق الإنسان الأوساط القانونية، والدبلوماسية، والحقوقية، لتغدو ذات معنى مجتمعي في منطقتنا تحديدًا؟

فالأساليب والخطابات الحقوقية التقليدية غالبًا ما تكون ردّ فعل بطبيعتها، في حين أن القوى التي نواجها لا تعمل عبر القوانين والمؤسسات فحسب، بل عبر التحكم في المشاعر والخوف والذاكرة والهوية أيضًا. فكيف لنا أن نتواصل مع جماهير أوسع، بمن فيهم المثقفون، والفنانون، والكُتّاب، والمعلمون، والفاعلون الثقافيون، ممن قد لا يستخدمون بالضرورة لغة حقوق الإنسان، لكنهم يُسهمون في بلورة المخيلة الرمزية والأخلاقية للمجتمع؟

منذ السنوات الأولى لمركز القاهرة، كان هذا السؤال حاضرًا بقوة.

فكثيرًا ما تساءل محمد السيد سعيد، أحد المؤسسين المشاركين للمركز، حول سبل تجديد الثقافة عبر مناهج وآليات التعليم ومن خلال المجتمع المدني والنقاش العام والنضالات من أجل الحقوق، حتى تغدو المواطنة والديمقراطية واقعًا ممكنًا في المنطقة العربية. وكان تأسيس المركز، في جزءٍ منه، يهدف إلى الإسهام في البحث الطويل والشاق عن إجابة لهذا السؤال.

رفض سعيد الحتمية الثقافية،

إذ لم يكن يؤمن بأن الثقافة السياسية في المنطقة العربية تتسم بالجمود، ولا بأن السلطوية قدر محتوم لا فكاك منه في المجتمعات العربية. بل على العكس، جادل سعيد بأن الثقافة السياسية في المنطقة العربية قد خضعت في مرحلة ما لتحولات جزئية متفاوتة نحو قدر أكبر من قبول وإدراج الديمقراطية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك في قلب خطابات المعارضة؛ سواء كانت إسلامية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية.
غير أنه حذّر في الوقت نفسه من أن هذه التحولات عرضة للانتكاس، فالنزعات السلطوية القوية داخل التشكيلات السياسية والثقافية المهيمنة تستطيع بسهولة تقويض هذا التحول الثقافي.

ولقد برزت أهمية رؤية سعيد في النضالات من أجل التحول الديمقراطي والكرامة الإنسانية التي تصاعدت بعد وفاته، فبلغت ذروتها خلال موجات الانتفاضات العربية بين عامي 2011 و2019، مثلما برزت في الوقت نفسه في الانتكاسة التي أعقبتها. فقد أشار بهي الدين حسن، المؤسس المشارك الآخر للمركز، عام 2024، إلى أن المنطقة العربية لا تزال حبيسة لحظة ممتدة من الركود السياسي والاجتماعي، تتخلف فيها عن سائر المناطق لأسباب تاريخية وسياسية ومؤسسية بعينها.

الفن ليس تحرريًا بطبيعته. فهو، شأنه شأن كل أشكال التأمل والتعبير، عُرضة لأن تأسره السلطة، والسوق، والإيديولوجيات ومنظومة المعتقدات. وتتوقف إمكاناته في صناعة التغيير على الظروف التي يتم فيها إنتاجه وتداوله وتلقيه ومناقشته

ولطالما أصرّ سعيد على نقطة دقيقة لكنها جوهرية وهي؛ أن الثقافة أحد أسباب الفشل الذي يعتري المنطقة العربية، لكنها في الوقت نفسه ميدان للمواجهة والتنازع؛ حيث تتواجه السلطوية والتعصب الديني والقومية والنظام الأبوي والحقوق والديمقراطية والمواطنة والتعددية والتنوير مع بعضها البعض. فالثقافة يمكن أن تكون ميدانًا للإذعان والخوف، لكنها يمكن أن تغدو أيضًا ميدانًا للتحرر والتجديد. ولهذا السبب، أعطى سعيد للثقافة أولوية في عمله.

من هذا المنطلق، بحث وشجع المركز كل مسار للتجديد الثقافي. لكن اكتشاف هذا المسار لا يمكن أن يُسنَد ببساطة إلى منظمات حقوق الإنسان، ولا يمكن أن يتم ابتكاره بمجرد استحضار إرادة المثقفين أو النخب السياسية أو مؤسسات الدولة. فالمفكر السوري برهان غليون يرى أن الثقافة ليست مرآةً بليدة للمجتمع، ولا هي عالمًا مستقلاً يطفو فوقه. بل إنها تتشكّل عبر التوتر؛ بين الفرد والجماعة، والوعي والواقع، والماضي والمستقبل، والجغرافيا والمساحات، والتراث والتغيير.

فالثقافة عنده تغدو مُنتِجة حين تمنح المجتمع سُبلًا لإدارة هذه التوترات على نحو خلّاق؛ وتغدو مَرَضية حين تُجمّد هذه التوترات في هويات متصلبة أو تقمع الاختلافات.

وبالبناء على رؤية غليون، قد نفهم أن التجديد الثقافي ينبثق تاريخيًا من تفاعل القوى المجتمعية، والظروف المادية، والرموز الموروثة، والممارسات اليومية، وإعادة التأويل الإبداعية. وهو ما لا يمكن بلوغه بشكل حقيقي دون حريات مدنية، ومشاركة سياسية، وحرية تعبير، وتعددية مؤسسية. فغالبًا ما تبوء محاولات فرض التغيير الثقافي من أعلى بالفشل، مُنتجةً الاغتراب بدلًا من التجديد. فالثقافة، بعبارة أخرى، ليست مجرد تراث أو هوية. إنها نتاج تفاعلات حية داخل المجتمع.

والفنانون والمثقفون، شأنهم شأن سائر الأفراد والجماعات، تُشكّلهم المجتمعات التي يعيشون فيها، والتعليم الذي يتلقونه، والمسلمات التي تبنوها، والالتزامات السياسية، والأيديولوجيات الدينية أو غير الدينية التي يعتنقونها. وهم غير مطالبين بأن يكونوا على الحياد، لكن بعضهم قد لا يسمح لهذه الالتزامات أن تُمثّل عقبة أمام استقلالية المعرفة، والنقد، والخيال. فلطالما حاجج سعيد بأن المثقف حين يصبح مجرد تقني أفكار، أو داعية، أو خادم للسلطة، أو مسير لشئونها، يفقد الموقع النقدي الذي يُضفي على العمل الفكري معناه. ومن ثم، فإن إسهام المثقفين، بمن فيهم الفنانون، في التجديد قد يتعاظم بفضل قدرتهم على فحص المنظومات الموروثة، ومساءلة القواعد الحاكمة للماضي والحاضر، وتخيّل بدائل قادرة على تحسين الأوضاع القائمة.

ومن هذا المنطلق، لا يجب أن يقتصر التفكير في أدوارهم على الدفاع عن منظومة المعتقدات والمسلمات أو مهاجمتها، ولا على إنتاج أيديولوجيات بديلة. بل إنهم، عبر مساعدة المجتمع على استيعاب منظوماته الرمزية والمعيارية، يمكن أن يُسهموا في تحرير الثقافة من سجون الهوية إلى ميادين للتجديد.

التجديد الثقافي ينبثق تاريخيًا من تفاعل القوى المجتمعية، والظروف المادية، والرموز الموروثة، والممارسات اليومية، وإعادة التأويل الإبداعية. وهو ما لا يمكن بلوغه بشكل حقيقي دون حريات مدنية، ومشاركة سياسية، وحرية تعبير، وتعددية مؤسسية

وبالنسبة لمنظمة حقوقية كمركز القاهرة، فإن العمل مع المثقفين، والفنانين، والفاعلين الثقافيين يتطلب حساسية خاصة. فهدفنا ليس، ولا ينبغي أن يكون «انتاج المثقف الملتزم»، بل الإسهام مع آخرين في توفير مساحات يمكن للمثقفين والفنانين أن ينخرطوا فيها بحرية مع واقعهم الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والاقتصادي. غير أننا نقر بضرورة الانخراط على نحو أعمق في البيئة الاجتماعية والثقافية سواء التي تجد فيها قيم حقوق الإنسان صدى أو التي تتغاضى عنها. ففي السياقات السلطوية، تشمل هذه البيئة دعاية الدولة، وآليات الرقابة، والمنظومات الإعلامية، والخطابات الدينية، والقومية، والصناعات الثقافية، والأعراف الاجتماعية، والمخاوف اليومية. ولعل بعدما أصبحت قيم حقوق الإنسان محل تنازع وانحسار على الصعيد العالمي، أضحى الأمر أكثر إثارة للفزع.

يحظى الفنانون والفاعلون الثقافيون بموقع فريد يؤهلهم للانخراط في هذا الميدان. وانخراطهم قد يكون عبر المواجهة المباشرة، أو ربما يكتنفه بعض الغموض، عبر الرمزية، والسخرية، والجمال، والذاكرة، والإزعاج، والرقّة، والخيال. فهم جزء من مجتمع أوسع من الفاعلين الفكريين والثقافيين الذين يُشكّلون عقول الأجيال ومخيلاتها. ففي كتابه «الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان»، الصادر عن مركز القاهرة عام 2001، تناول الشاعر والكاتب حلمي سالم تجليات حقوق الإنسان في الشعر العربي الحديث، من خلال قراءات موضوعاتية وفنية لشعراء عرب. إذ تتبّع سالم كيف اشتبك المبدعون العرب مع أسئلة الحرية والقمع والعدالة والكرامة والأمن. وبالنسبة لسالم، كثير من الشعراء العرب قد فهموا الحداثة بوصفها حق الفنان، بل وواجبه، في الاعتماد على العقل بدلًا من التقليد الموروث، وإنتاج فن يُعبّر عن الفردية بدلًا من استنساخ العقيدة الجماعية.

ومن ثم، لم تكن الحداثة مجرد حقبة تاريخية أو مفهوم مستورد بالنسبة لهم. بل ممارسة للاكتشاف والتجريب والمجازفة الإبداعية، في مواجهة المحظورات الاجتماعية أو «تابوهات» الدين والسياسة والجنس.

واليوم يستحيل أن نظن أن «حقبة الفنون» قد انتهت، ولعلها لن تنتهي أبدًا. فبصرف النظر عن التحولات التكنولوجية أو الوسائط الرقمية أو بزوغ العوالم الافتراضية، يظل الفن متميزًا على نحو فريد بين المنتجات الإنسانية، لأنه يخلق شكلًا من أشكال الحضور عبر التلاقي بين العمل الفني والجمهور. ومن ثم، فإن مسار الفن متشابك مع مسار الإنسانية والحضارة، ويواجه التحديات ذاتها المتمثلة في الحداثة والتراث

ولطالما كان التوتر بين الحداثة والتراث سمة ثابتة من سمات الحياة الفكرية والفنية في المنطقة العربية. فكثيرًا ما اقترنت الصراعات السياسية في المنطقة العربية بصراعات حول الثقافة والأيديولوجيا والدين والقانون والمعرفة والتنظيم الاجتماعي وحقوق الإنسان. وقد وصف حلمي سالم هذا التوتر بأنه صراع الفنان ضد «حراس المحرمات وكابحي حرية التعبير».

إن التزام مركز القاهرة الراسخ إزاء التجديد الثقافي والسجالات حول الهوية كان نواة مشروع «تأثير»، الذي يديره ائتلاف فريد مؤلف بين أربع منظمات؛

يأتي تفرده من تعاون متناغم نادر بين منظمة متخصصة في البحوث والمناصرة في مجال حقوق الإنسان، وأخرى تُعنى بالتشبيك بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، وثالثة تعمل في حقل التعليم الشعبي، ورابعة مكرّسة لفن الفيديو. فالانخراط في مثل هذه الشراكة يتطلب رؤية، واستمرارها لسنوات يتطلب التزامًا.

دعم الفنانين ينبغي أن يتجاوز حماية حرية التعبير أو إنتاج محتوى للمناصرة، إلى تعزيز تحولات معرفية ووجدانية أعمق في المجتمع

ومن خلال التدريب، والتوجيه، والإنتاج الفني، والتنقل، والتشبيك، دعم مشروع «تأثير» مجموعة من المشاركين المهتمين بموضوعات كالنظام الأبوي والرقابة والنقد والسلطوية. وبدلًا من اختزال الفن في رسائل المناصرة، سعى المشروع إلى حماية الاستقلالية الإبداعية، وتعميق التأمل النقدي، وتنمية أشكال من التضامن العابر للحدود. ومن منطلق فهمه للتوترات المحيطة بدور المثقفين والفنانين في المجتمع، لم يكن هدف مشروع «تأثير» مطالبة الفنانين بـ «توضيح» مفاهيم حقوق الإنسان أو تحويلهم إلى مُلقنين اختزاليين. بل سعى إلى توفير مساحات يمكن فيها للفنانين وصُنّاع المحتوى والفاعلين الحقوقيين أن يتعلموا بعضهم من بعض، وأن يُسائلوا السرديات المهيمنة، ويستكشفوا بشكل جماعي كيف يمكن للممارسة الفنية أن تتحدى السلطوية والتطرف والنظام الأبوي والإقصاء والخوف.

ومن مدينة مارسيليا الفرنسية كانت نقطة البداية للمشروع؛ الذي انطلقت مرحلته التجريبية بدعم سخي من الوكالة الفرنسية للتنمية. هذا الدعم يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الطويل والمعقّد الذي اضطلعت به فرنسا، عبر التاريخ الحديث؛ تارة بوصفها قوة استعمارية في المنطقة العربية وخارجها، وأخرى كموقع للفكر المناهض للاستعمار، والنضال الفكري والسياسي، والتجريب الفني، من أجل تحرّر الشعوب المستعمَرة بما في ذلك الشعوب العربية، حيث تبلورت في فضاءات فرنسية النقاشات، وأشكال التضامن، واللقاءات الفنية، والتنظيم المناهض للاستعمار. واليوم، من خلال دعمها لمشروع «تأثير»، ساهمت الوكالة الفرنسية للتنمية في إتاحة فضاء لجمع فنانين وفاعلين ثقافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان من ضفتي المتوسط؛ حيث يمكن تقديم تصورات ورؤى سياسية واجتماعية وفنية مغايرة؛ تتقاطع وتتفاعل وتتطور.

وفي هذا التقرير البحثي، تُقدّم د. فيروز كراوية إسهامًا حيويًا في هذا النقاش. فالتقرير يبحث العلاقة بين الفن وحقوق الإنسان والتحرر المجتمعي في المنطقة العربية، مع التركيز على مصر، ولبنان، وتونس. كما يستعين بدراسة حالة عملية لبرنامج فن مفاهيمي (مشروع تأثير) يعمل عند نقطة التقاطع بين الممارسة الفنية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.

وينطلق التقرير من أن دعم الفنانين ينبغي أن يتجاوز حماية حرية التعبير أو إنتاج محتوى للمناصرة، إلى تعزيز تحولات معرفية ووجدانية أعمق في المجتمع. ويُحدّد التقرير التحرر المعرفي والتحفيز الوجداني، والفن كمشاع أو مجال عام، والفن بوصفه حوارًا ومجتمعًا، باعتبارها الأبعاد الرئيسية التي يمكن للممارسة الفنية أن تُسهم من خلالها في تغيير اجتماعي أوسع.

يحمل اختيار د. فيروز كراوية لإعداد هذا التقرير دلالة في حد ذاته. فبوصفها فنانة، ومغنية، ومؤلفة أغانٍ، وطبيبة، وأكاديمية، وباحثة ثقافية، تشغل كراوية على وجه الدقة نقطة التقاطع التي يسعى التقرير إلى استكشافها؛ حيث تتلاقى الممارسة الفنية مع التفكير النقدي والمخيلة الاجتماعية. كما يمثّل عملها إسهامًا بالغ الأهمية يمكّن التقرير من تجاوز قراءة الفن من منظور حقوقي، ويتيح النظر إلى الفنانين كمُنتِجين للمعرفة والنقد والفرص ومشكلين للوجدان.

في وقت تزداد فيه السرديات السلطوية والمناهضة للحقوق تعقيدًا، يجب أن تكون الحركات الحقوقية أكثر إعمالًا للخيال والإبداع.

ولدى العمل على هذا التقرير، طلبنا من الباحثة ألّا تُركّز في المقام الأول على الوضعية الهشة للفنانين. فنحن كمنظمة، نُقرّ تمامًا بالقيود الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية والسياسية وتلك المتصلة بالحروب التي يخضع لها المشهد الفني في المنطقة العربية. كما نُدرك أن عدة منظمات حقوقية وثقافية كفؤة تعمل بالفعل جاهدةً على توثيق هذه القيود. لكن هدف هذا التقرير يتجاوز توثيق هذه القيود، إلى الإسهام في فتح نقاش نحن في أمسّ الحاجة إليه في منطقتنا حول دور الفن في الثقافة والمجتمع. والمقصود من العرض الموجز في هذا التقرير للانتهاكات العديدة التي يواجها المجتمع الفني هو التذكير بشكل صريح بأن الفن، شأنه شأن الفكر والحرية والحقوق، وسائر جوانب الحياة الجوهرية، لا يزال تحت مقصلة الأنظمة السلطوية. فالفنانون، بوصفهم مواطنين في مجتمعاتنا، مُعرَّضون للمخاطر ذاتها التي يواجها غيرهم ممن يتجاسرون على ممارسة حقوقهم الإنسانية الأساسية، أو على مجرد الانخراط– بوصفهم «آخر» – في المجال العام، بل وفي المجال الخاص أحيانًا.

وإذ نُقرّ بالثمن الباهظ الذي يدفعه عدد لا يُحصى من الفنانين وعائلاتهم في مختلف أنحاء المنطقة، هدفنا هنا هو أن نستكشف معهم مساحات جديدة للتجديد الثقافي.

ففي وقت تزداد فيه السرديات السلطوية والمناهضة للحقوق تعقيدًا، يجب أن تكون الحركات الحقوقية أكثر إعمالًا للخيال والإبداع. ويعني ذلك إدراك أن القانون وحده عاجز عن تغيير المجتمعات ما لم يكن بمقدور الناس أن يتخيلوا أنفسهم والآخرين على نحو مغاير. والفن وسيلة لخلق هذه الإمكانية. فهو قادر على فتح مساحات يمكن فيها تسمية الخوف، وكسر الصمت، ومساءلة الفرضيات الموروثة، وتغدو فيها أشكال جديدة من التضامن قابلة للتخيُّل.

هذا التقرير بمثابة دعوة لأخذ هذه الإمكانية على محمل الجد.

يوسف أحمد
مدير برنامج نشر ثقافة حقوق الإنسان بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

زياد عبد التواب
مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

أولاً: مقدمة

على مدار القرن الماضي، كان للأطر الحقوقية – التي تتبناها غالبًا منظمات المجتمع المدني – دورًا بالغ الأهمية في دعم الحقوق الثقافية من خلال تعاطيها مع الفن كوسيط قادر على دفع التغيير الاجتماعي وتشكيله. ركز هذا التعاطي على المناصرة وحماية حرية الإبداع الفني بوصفهما حقوقًا أساسية. ومع ذلك، نجم عن هذا النهج توترات متكررة، لا سيما فيما يتعلق بـإخضاع الفن لمفاهيم حقوق الإنسان، وإلزامه بتقديم هذه المفاهيم في قوالب شبه تلقينية. فتجازف مثل هذه المقاربات بإنتاج أعمال فنية ذات نزعة توجيهية مسترشدة برؤى نمطية؛ مما يُفضي إلى تقويض استقلالية الإبداع الفني.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما في سياق ما بعد 2011، باتت العلاقة بين الفن وحقوق الإنسان معقدة بشكل متزايد. ولم تعد الثنائية الصارمة التي تفصل بين الفن بوصفه مجالاً مستقلاً والفن بوصفه أداة للتغيير الاجتماعي قادرة على الإحاطة بما تشهده الساحة من حقائق بشكل ملائم. بل إن التحولات العميقة التي طالت النظم السياسية، والبنى الاجتماعية، والإنتاج الثقافي تستدعي إعادة التفكير في الأسس التي تتعاطى من خلالها الجهات الفاعلة الحقوقية مع المبدعين في المجال الفني. على نحو يطرح تساؤلات جوهرية حول الاحتياجات الراهنة لمجتمعات ما بعد 2011، والتوجهات الثقافية التي تُشكّل الإنتاج الفني، والشواغل والقيود المتغيرة التي تواجه الفنانين في مختلف أنحاء المنطقة.

يدرس هذا المشروع البحثي كيف يمكن لبرامج الفن المفاهيمية أن تُسهم في تطوير منهج تأسيسي يجمع بين جهود الحركات الحقوقية وبين الفاعلين الثقافيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ ومن خلال التركيز على مصر ولبنان وتونس كدراسات حالة، يسعى المشروع إلى صياغة إطار مفاهيمي يتجاوز نماذج التعاطي المهيمنة على مدى العقدين الماضيين. ويستند اختيار هذه البلدان الثلاثة أولاً إلى تأثير كل منها على المنتوج الثقافي في المنطقة على مدى القرنين الماضيين، مما يجعلها حالات ملائمة لاستقصاء الممارسات الثقافية والفنية القائمة في ظل بنى قانونية ومؤسسية وتعليمية راسخة وقديمة نسبيًا. ثانيًا، على الرغم من الأزمات السياسية الفوضوية والمحفوفة بالمخاطر التي تعصف بالعديد من البلدان الأخرى في المنطقة، والتي غالبًا ما تعرقل استمرارية واستدامة النشاط الفني، لا تزال هذه البلدان الثلاثة تحافظ على ممارسات فنية متماسكة نسبيًا تمضي وفق مسار منتظم. ويظل هذا التماسك قائمًا حتى وإن تفاوت انتشار هذه الممارسات في مختلف أرجائها، جراء عوامل من قبيل الحرب في لبنان أو محدودية التنمية الثقافية في صعيد مصر وريف تونس على سبيل المثال.

من الناحية المنهجية، تعتمد الدراسة على البحث المكتبي والتحليل النقدي للخطاب، يُكمّلهما بحث إثنوغرافي نوعي ومقابلات مُعمّقة مع فنانين وفاعلين ثقافيين مستقلين، لا سيما المشاركين والمنسقين في مشروع «تأثير» (2023-2026)، الذي يقوده ائتلاف يضم الشبكة الأورو-متوسطية في فرنسا، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة Instants vidéo numériques et poétiques، ورابطة Ligue de l’enseignement des Bouches-du-Rhône.

وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تساهم العينة المستهدفة في المقابلات المباشرة ودراسات الإثنوغرافية النوعية، في تقديم خبرات وبيانات ورؤى قاعدية حول المزايا وأوجه القصور الفعلية المتعلقة ببرامج الفن المفاهيمية.

مثل هذه الإسهامات تهدف إلى دعم تطوير برامج جديدة تأخذ في الحسبان مناهج فكرية متنوعة، وتعزز ممارسات فنية واعية مجتمعيًا، وتبلور منظورًا قائمًا على الحقوق يمكن دمجه على نحو فعّال في المشاريع الفنية.

كيف يمكن لبرامج الفن المفاهيمية أن تُسهم في تطوير منهج تأسيسي يجمع بين جهود الحركات الحقوقية وبين الفاعلين الثقافيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

لقد أفرزت مرحلة ما بعد 2011 مسارات متباينة، غير أنها متقاطعة، في مختلف أنحاء المنطقة. فبينما انزلقت بعض البلدان إلى أتون حروب أهلية وحالة من عدم الاستقرار طويل الأمد، شهدت بلدان أخرى أشكالاً متفاوتة من العودة إلى الحكم السلطوي، لا سيما منذ عام 2014. وفي هذه السياقات، سعت السلطات الحاكمة إلى إعادة فرض سيطرتها على مشهد إعلامي وثقافي يتسم بتشظٍ متزايد وديناميكية عالية. ففي مصر، على سبيل المثال، شهدت فترة ما بعد 2014 بناء كتلة إعلامية موالية للدولة من خلال الاستحواذ الممنهج على وسائل الإعلام الخاصة من قِبَل كيانات مدعومة من الدولة ورجال أعمال مؤيدين للنظام.

وقد تزامنت هذه المرحلة، التي غالبًا ما يُشار إليها باسم مرحلة «عودة الدولة»،

مع توسيع آليات الرقابة، بما في ذلك تعزيز مؤسسات مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وحجب مئات المواقع الإلكترونية، وقمع الصحفيين والمدونين والمنتجين والفاعلين الثقافيين بموجب أطر فضفاضة لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2018.

ومنذ عام 2014، أدى تحجيم النشاط الحيوي داخل المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية إلى مأسسة القمع وعنف الدولة. وبدأ يُنظر بازدراء إلى النشاط الرقمي ودور منصات التواصل الاجتماعي. واستهدفت الهجمات المضادة على الإعلام الرقمي النشطاء الرقميين، وتم حجب الوصول إلى ما يقرب من ستمائة موقع إلكتروني،

معظمها يتبع مؤسسات إعلامية.

وعلى نحو مماثل، شهدت تونس عملية متسارعة من إعادة الهيكلة السلطوية منذ انتخاب الرئيس قيس سعيد عام 2019. وقد فرض تعليق عمل البرلمان عام 2021 وما أعقبه من إصدار المراسيم بقوانين – لا سيما المرسوم رقم 14 لسنة 2022 – قيودًا واسعة النطاق على حرية التعبير من خلال أحكام فضفاضة تُجرّم نشر المعلومات التي تُعتبر ضارة بالاقتصاد أو النظام العام.

كما أثارت مراسيم وتطورات أخرى في المشهد السياسي التونسي مخاوف جدية بشأن حرية تكوين الجمعيات، وحرية التعبير، وضمانات المحاكمة العادلة، والبيئة الأوسع للمجتمع المدني والإنتاج الثقافي.

أما في لبنان، فتتخذ القيود شكلاً مختلفًا، لكنه لا يقل وطأة. فمنذ عام 2011، واجهت البلاد التأثيرات المركبة للشلل السياسي، والتوترات الطائفية التي فاقمها الصراع السوري، والانهيار الاقتصادي الحاد.

ورغم أهمية الحركة الاحتجاجية عام 2019، إلا أنها أخفقت في إحداث إصلاح هيكلي، وأعقبها إفقار سريع، وتفكك مؤسسي، وانهيار لهياكل التمويل الثقافي.
وأدى انفجار مرفأ بيروت إلى تسريع وتيرة تفكك الدولة وتآكل الثقة الشعبية، في حين دفعت الحروب الإسرائيلية على لبنان بعد السابع من أكتوبر 2023 البلاد نحو حالة من عدم الاستقرار الحاد تٌنذر بانهيار سياسي شامل. وبالنسبة للفنانين والمنتجين الثقافيين، أسفرت هذه الظروف عن تزايد حالة الهشاشة، والاعتماد على التمويل الدولي، فضلاً عن موجات كبيرة من الهجرة وفقدان الكفاءات والمهارات.

يواجه الفاعلون الثقافيون ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحقوق الثقافية تحديات متشابكة؛ تشمل تقلص مساحات الحيز المدني، وتكثيف أنظمة الرقابة، والأطر القانونية المقيدة، وتهميش الحقوق الثقافية ضمن الأجندات الحقوقية الأوسع.

وعبر هذه السياقات الثلاثة، يواجه الفاعلون الثقافيون ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحقوق الثقافية تحديات متشابكة؛ تشمل تقلص مساحات الحيز المدني، وتكثيف أنظمة الرقابة، والأطر القانونية المقيدة، وتهميش الحقوق الثقافية ضمن الأجندات الحقوقية الأوسع. وغالبًا ما يكون التواصل بين مؤسسات الدولة والفاعلين الشباب في المجال الثقافي غائبًا أو عدائيًا، في حين تظل البنية التحتية المؤسسية الداعمة للإنتاج الفني المستقل واهنة.

في إطار هذه الخلفية، يجادل هذا البحث بأن التدخلات الاستراتيجية الرامية إلى إحداث تغيير مجتمعي جوهري يجب أن تتعاطى مع الثقافة باعتبارها شكلاً من أشكال «اللُحمّة الاجتماعية». ويجب أن يتجاوز دعم الفنانين مجرد حماية حرية التعبير أو إنتاج محتوى بهدف المناصرة، ليتجه نحو تعزيز تحولات معرفية ووجدانية أعمق.

إن تمكين الفنانين من «إعادة تخيل الممكن» يتطلب معالجة القيود المُستبطنة التي شكلتها السرديات الثقافية المهيمنة – سواء كانت مفروضة من الدولة أو متجذرة اجتماعيًا – وتهيئة الظروف لما يمكن وصفه بـ «التحرر المعرفي».

ولهذه الغاية، يهدف البحث إلى استكشاف الإمكانات غير المستغلة داخل البرامج التعاونية والتفاعلية التي تجمع بين جهود ومساعي الفنانين وبين المنظمات الحقوقية، مع التركيز على تعزيز الدفاع الفني عن حقوق الإنسان ودعم «التحرر المعرفي» للفنانين عبر الانتقال من النظرية إلى الإبداع المشترك.

في نهاية المطاف، يسعى هذا البحث إلى تجاوز المقاربات الذرائعية للفن داخل دوائر المناصرة الحقوقية، وذلك من خلال اقتراح نموذج شامل يعترف بالفنانين كفاعلين أساسيين في التحول الفكري والاجتماعي. ويُشكل الاستثمار في المخيلة الفنية، والحماية القانونية، والدعم النفسي حجر الأساس لاستراتيجية شاملة تهدف إلى إحداث تحولات وجدانية ومعرفية في الخطاب العام بالمنطقة. وتُفهم هذه التحولات بوصفها خطوة ضرورية نحو عمليات أوسع من التحرير المجتمعي، وإعادة تشكيل الفكر العام، والسعي نحو الحريات الاجتماعية والتحول الديمقراطي.

ثانيًا: الإطار النظري

يقع هذا البحث عند نقطة التقاطع بين دراسات السياسات الثقافية، وعلم الاجتماع السياسي، والنظرية النقدية. ويستند إلى أعمال كل من جورج يوديس، وجاك رانسيير، وإليونورا بلفيوري، وجينتاري روكشينايتي، وكيم ويست لتطوير إطار مُركّب الأبعاد لفهم العلاقة بين الفن، وحقوق الإنسان، والتحرر المجتمعي. ويكمن في صميم هذا الإطار توتر جوهري؛ التعايش بين الفن بوصفه موردًا يتم حشده ضمن أنظمة الحوكمة وعلاقات السلطة والمؤسسات من جهة، والفن بوصفه مساحة للاشتباك النقدي والتحول التحرري للمجتمع من جهة أخرى.

يُقدم مفهوم «ذرائعية الثقافة» للبروفيسور جورج يوديس مدخلًا نقديًا لفهم الظروف المعاصرة للإنتاج الفني.

ويُجادل يوديس بأن الفن والثقافة باتا يُحشدان بشكل متزايد كمورد ضمن أنظمة أوسع للحوكمة، ويتشابكان مع سياسات أشمل، ويسهمان في التماسك الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي. ومن ثم، تصبح الممارسات الفنية مُضمّنة داخل شبكات مؤسسية تصوغها هياكل التمويل، وأطر السياسات، والأجندات التنموية.

ولا يقتصر منطق توظيف الفن كأداة، كما يشير يوديس، على الجهات الفاعلة الحكومية، بل يمتد ليشمل منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المؤسسات الحقوقية، التي غالبًا ما تتعاطى مع الفن كوسيط للمناصرة وإحداث التغيير الاجتماعي. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تتم صياغة الإنتاج الفني وفقًا لأهداف «خارجة» عن العملية الإبداعية؛ مما يُسفر عن مخرجات نمطية ذات نزعة توجيهية، تتوافق مع أولويات الجهات المانحة.

وتشير أستاذة دراسات السياسات الثقافية، إليونورا بلفيوري، إلى أن التركيز على «الأثر الاجتماعي» للفنون لا يفتقر للاستقرار من الناحية المفاهيمية فحسب، بل هو مشروط أيضًا بالسياق التاريخي.

تُعقّد المقاربات النظرية المُقابلة الثنائية بين الاستقلالية وتوظيف الفن كأداة. إذ تُشير إلى أن الممارسات الفنية تقع دائمًا ضمن أطر مؤسسية تُعزز إمكانياتها وتُقيّدها في آنٍ واحد

لقد تأرجحت الادعاءات حول قدرة الفن على المشاركة في التغيير عبر الزمن، لتتراوح بين الإصلاح الأخلاقي والتربية، وصولًا إلى السيطرة السياسية والهندسة الاجتماعية. وتُسلّط بلفيوري الضوء على أن أطر السياسات المعاصرة غالبًا ما تختزل تعقيد المسعى الفني في نتائج قابلة للقياس، وهو ما يٌشكّل ضغطًا لتبرير تقديم العمل الفني وفقًا لمعايير اجتماعية مُحددة سلفًا، مثل الاندماج، أو النمو الاقتصادي، أو التنمية المجتمعية.

بينما يكشف نقد بلفيوري أن المطالبة بأثر قابل للقياس للفن تُجازف بتسطيح الطبيعة متعددة الأوجه للتجربة الفنية، وإعادة إنتاج فهم قاصر للفن بوصفه «مهمة مجتمعية». وتُعد هذه الرؤية بالغة الأهمية لمساءلة المقاربات الحقوقية التي تعتمد على الفن كأداة للمناصرة دون التعاطي الكامل مع أبعاده المعرفية والوجدانية.

ويشهد التوتر بين استقلالية الفن وتوظيفه كأداة مزيدًا من التفصيل في دراسات السياسات الثقافية. إذ تصوغ المتخصصة في العلاقات العامة والدولية، جينتاري روكشينايتي، السياسة الثقافية مفاهيميًا بأنها لا تقتصر على كونها مجموعة من الأدوات الإدارية فحسب، بل تعتبرها مجالًا أيديولوجيًا يُشكّل بفاعلية معنى الفن وقيمته ووظيفته في المجتمع.

وضمن هذا المجال، غالبًا ما يُشار إلى «مبدأ المسافة الفاصلة» (arm’s length principle) كآلية لحماية حرية الإبداع الفني من خلال الحفاظ على مسافة بين السلطة السياسية، والجهات الفاعلة الثقافية، ومُنتجي الفن. ومع ذلك، وكما يُبين تحليل روكشينايتي، فإن هذا المبدأ غالبًا ما يتعرض للتقويض في الممارسة العملية بفعل أهداف السياسات المتعارضة. فأطر السياسات الثقافية تُعزز حرية الإبداع الفني، وفي الوقت ذاته تحدد للفن دورًا في تحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع، من قبيل التنمية المستدامة والاندماج الاجتماعي. تخلق هذه الوظيفة المزدوجة خللًا متأصلًا، إذ يمكن للمنطق الذرائعي أن يوجّه بشكل مُبطّن معايير التمويل، وعمليات التقييم، والمخرجات الفنية.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لطالما كان التأكيد على دور الفنون في الإصلاح الأخلاقي والتنمية الاجتماعية نقطة التقاء بين القوى السلطوية كالقوميين المتشددين والإسلاميين المتحمسين.

وقد رأى حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أن الفن ميدان ثقافي مهم يمكن أن يكون مفيدًا للإسلام. وشدد على استخدام مصطلح «الفن الهادف» كأداة لصياغة المجتمع وغرس المُثل الأخلاقية والسلوكية. وفي عهد جمال عبد الناصر، وُظّف المصطلح ذاته لتشجيع الإنتاج الواقعي في تلك الحقبة من أجل «رفع وعي الشعب وإصلاح المجتمع».

يُشير التحرر المعرفي إلى العملية التي يعيد من خلالها الأفراد والجماعات تقييم السرديات المهيمنة، والمحظورات السائدة، والحدود المُتصورة للمخيلة الاجتماعية من منظور نقدي.

ويمكن تطويع التأكيد على الفن الهادف من أجل الإصلاح «الاجتماعي»، كما يدعي القوميون، ليصبح فنًا هادفًا من أجل الإصلاح «الأخلاقي» تحت الشعارات الإسلامية. ومن الناحية التاريخية، أصبح تناوب مهمة الفن بين الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي بمثابة تلوُّن «خطابي وفقًا للسياق» (Diaphasic)، أو تقنين معجمي في اللغة المنطوقة يدل على التوجه السياسي، سواء كان قوميًا أو إسلاميًا. ويُستخدم منطق توظيف الفن كأداة بهذا المعنى بكثافة في السياسات الثقافية الرسمية لفرض المزيد من القيود على مُنتجي الفن، تحت شعارات الإصلاح الاجتماعي أو الأخلاقي، كما يتجلى في قوانين الرقابة في مختلف بلدان المنطقة.

وتخضع هذه الوساطة المؤسسية لمزيد من التحليل النقدي على يد الباحث والناقد الثقافي كيم ويست، الذي يتحدى الافتراض القائل بأنه يمكن فهم حرية الإبداع الفني بوصفها مساحة منفصلة تمامًا عن التأثير السياسي أو المؤسسي.

وبدلًا من ذلك، يُجادل ويست بأنه ينبغي تصور استقلالية الفن بوصفها مشروعًا مستمرًا ومتنازعًا عليه، ومندمجًا ضمن سياسة ثقافية تحررية وعمليات ديمقراطية أوسع. فمفهوم الاستقلالية، بهذا المعنى، ليس معطى متاحًا، بل إنجاز منشود يجب التفاوض عليه باستمرار.

تُعقّد المقاربات النظرية المُقابلة الثنائية بين الاستقلالية وتوظيف الفن كأداة. إذ تُشير إلى أن الممارسات الفنية تقع دائمًا ضمن أطر مؤسسية تُعزز إمكانياتها وتُقيّدها في آنٍ واحد. وبالنسبة لهذا البحث، يعني ذلك أن السؤال لا يتمحور حول ما إذا كان الفن قادرًا على البقاء مستقلًا، بل حول الكيفية التي يمكن من خلالها تصميم أشكال الاشتباك للتعاطي مع هذه القيود، وإعادة التخيل المستمر للعمل الجماعي في الفن، من خلال البرامج الفنية الإبداعية وإسهامات منظمات المجتمع المدني.

وفي حين يُسلّط يوديس وباحثو السياسات الثقافية الضوء على الظروف البنيوية للإنتاج الفني، يُقدم المُنظِّر الثقافي جاك رانسيير تصورًا مفاهيميًا للفن والأفعال الجمالية بوصفها «تشكيلات للتجربة تخلق أنماطًا جديدة من الإدراك الحسي وتستحث أشكالًا مستحدثة من الذاتية السياسية».

ويضع مفهومه حول «توزيع المحسوس» (Distribution of the sensible) الفن كمجال يُنظّم ما يمكن إدراكه، والتفكير فيه، والتعبير عنه ضمن نظام اجتماعي مُعين. وبالنسبة لرانسيير، يكمن البعد السياسي للفن في قدرته على إنتاج «التنازع» (Dissensus) – أي إرباك الأطر الإدراكية المهيمنة، مما يجعل الحقائق والذوات البديلة واضحة للعيان.

الهدف لا يتمثل في حسم التوتر بين الاستقلالية وتوظيف الفن، بل في العمل من خلاله على نحو مُنتج، وتهيئة الظروف التي تتيح للممارسات الفنية الإسهام، من خلال تجاربها الفنية وفاعليتها، في عمليات أوسع للتحرر المجتمعي

ولا تعتمد هذه العملية على توجيه رسائل سياسية صريحة عبر أهداف ذرائعية؛ بل تعمل من خلال تحولات في الشكل، والوجدان، والمعنى؛ تتحدى التراتبيات الراسخة لما هو مرئي وما هو معقول. ومن خلال هذا التأكيد على تنوع الأدوات والأشكال الفنية، لا يقصر رانسيير القدرة التحررية للفن على الأبعاد السياسية أو الأبعاد ذات النزعة التوجيهية فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك ليتصور التجربة الفنية بوصفها ممارسة تحررية في حد ذاتها، ويقترح أن «أثرها الاجتماعي» يكمن في توسعها وانتشارها لتشمل مختلف القطاعات المجتمعية.

وإذا كانت القوة السياسية للفن تكمن في قدرته على إعادة تشكيل الإدراك بدلًا من نقل الرسائل، فلا يمكن إذن اختزال قيمته في نتائج قابلة للقياس أو أهداف مناصرة مُحددة سلفًا. وبدلًا من ذلك، تكمن إمكاناته التحويلية في قدرته على زعزعة آفاق الممكن، وإعادة التفكير فيها، وتوسيعها.

إن وضع هذه المقاربات في حوار مع بعضها البعض يُسلط الضوء على تناقض مركزي؛ الفن مُتضمَّن في أنظمة الحوكمة، وقادر على تجاوزها في آنٍ واحد. ويتناول البحث هذا التناقض من خلال اقتراح مفهوم «التحرر المعرفي» كإطار نظري وسيط. ويُشير التحرر المعرفي إلى العملية التي يعيد من خلالها الأفراد والجماعات تقييم السرديات المهيمنة، والمحظورات السائدة، والحدود المُتصورة للمخيلة الاجتماعية من منظور نقدي. ويتماشى هذا المفهوم مع فكرة «التنازع» لدى رانسيير في تأكيده على التحول الإدراكي داخل التجربة الفنية، مع البقاء منتبهًا – على خطى يوديس وباحثي السياسات الثقافية – للظروف المؤسسية التي تُشكّل الممارسة الفنية.

وبالتوازي مع ذلك، يطرح هذا البحث الاستفادة من مفهوم آخر هو «التحفيز الوجداني»، والمتعلق بقدرة الفن على توليد الصدى العاطفي، والتعاطف، والتماهي، مما يُؤثر بدوره على الوعي العام. وعلى النقيض من المقاربات التوظيفية التي تسعى إلى إحداث تغييرات أخلاقية وتعليمية مباشرة، يعمل التحفيز الوجداني من خلال عمليات غير مباشرة، غالبًا ما يتعذر التنبؤ بها، فيتعاطى مع الجمهور على مستوى تجربة الإنتاج الفني والتلقي، بدلاً من التلقين.

يحمل هذا الإطار النظري تداعيات مباشرة على تصميم برامج الفن المفاهيمية ضمن السياقات الحقوقية. إذ يمكن إعادة تخيل هذه البرامج بوصفها مساحات للإبداع الجماعي، والتجريب الفني، والتأمل النقدي في مختلف جوانب الاجتماع العربي. وبهذا المعنى، الهدف لا يتمثل في حسم التوتر بين الاستقلالية وتوظيف الفن، بل في العمل من خلاله على نحو مُنتج، وتهيئة الظروف التي تتيح للممارسات الفنية الإسهام، من خلال تجاربها الفنية وفاعليتها، في عمليات أوسع للتحرر المجتمعي.

ثالثًا: السياق والقيود المفروضة على النشاط الفني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلة ما بعد 2011

في عام 1967، وقّعت الدولتان المصرية والتونسية على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بينما وقّعت الدولة اللبنانية على العهد نفسه عام 1968. وصدّقت عليه كل من تونس ولبنان ومصر في الأعوام 1969، و1972، و1982 على التوالي. وكل دولة طرف في هذا العهد مُلزمة باتخاذ خطوات،

بمفردها وعن طريق التعاون الدولي، من أجل الإعمال الكامل للحقوق المعترف بها فيه، باستخدام كافة الوسائل المناسبة، بما في ذلك التدابير التشريعية. كما تتعهد الدول بضمان ممارسة هذه الحقوق دون تمييز على أساس العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر.

وتقتضي المادة 15 من العهد من الدول الأطراف الاعتراف بحق كل فرد في: (أ) أن يشارك في الحياة الثقافية؛ (ب) أن يتمتع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته؛ (ج) أن يفيد من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه. وعلى الدول أن تتخذ الخطوات اللازمة لصون العلم والثقافة وتطويرهما ونشرهما، وأن تحترم الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الإبداعي، وأن تُعزّز التعاون الدولي في الميدانين العلمي والثقافي.

ومع ذلك، يمكن تمييز الحقوق الثقافية على نحو أفضل من خلال الإشارات الضمنية والصريحة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من الصكوك الدولية والآليات الحقوقية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادتين 28 و29 من اتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي حول التعليم للجميع (1990)، وإعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات وطنية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، واتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقبلية في البلدان المستقلة (رقم 169 لسنة 1989).

ويتمحور مفهوم الحقوق الثقافية (كما هو منصوص عليه في المرجعيات سالفة الذكر) حول عدة مبادئ رئيسية: الحق في حرية التعبير، والبحث العلمي، والنشاط الإبداعي (بما يشمل الأشكال المادية وغير المادية للفن)؛ والنفاذ إلى المعلومات والاتصالات؛ والحق في الاستفادة من التقدم العلمي وتطبيقاته؛ والتعليم والتدريب. كما يُشدد على الحق في الحفاظ على الهوية والانتماء إلى مجتمعات متنوعة ومتطورة ذات قيم ثقافية مشتركة، والمشاركة في الحياة والممارسات الثقافية، وتطوير رؤى للعالم وأنماط حياة محددة. وعلاوة على ذلك، تشمل الحقوق الثقافية الوصول إلى التراث والتمتع به بجميع أشكاله – المادية، أو غير المادية، أو الطبيعية، أو الهجينة – فضلًا عن حماية المصالح المعنوية والمادية المرتبطة بالإبداعات العلمية أو الأدبية أو الفنية للفرد (فيما يتعلق بأنظمة الملكية الفكرية). وأخيرًا، يُبرز المفهوم أهمية الوصول إلى الأماكن العامة باعتباره جانبًا أساسيًا من الحق في الإسهام في الحياة الثقافية والمشاركة فيها، وكذلك الانخراط في الممارسات الثقافية.

ومن بين مختلف أنواع منظمات المجتمع المدني والحركات الحقوقية المصرية، لا يزال الحقل الفرعي للحقوق الثقافية يعاني من نقص ملحوظ في التمثيل. فعلى الرغم من تعقيد واتساع نطاق القضايا المتعلقة بالحقوق الثقافية، لا يوجد سوى عدد قليل من منظمات المجتمع المدني المتخصصة والمُكرّسة لرصد هذه الحقوق، ومناصرتها، والدفاع القانوني عنها. وبدلًا من ذلك، غالبًا ما تُهمّش الحقوق الثقافية ضمن أجندات أوسع تُعطي الأولوية للحقوق السياسية والاجتماعية. ويؤدي هذا الافتقار إلى المؤسسات المُكرّسة إلى بقاء الديناميكيات متعددة الأبعاد للمشهد الثقافي المتجدد دون معالجة إلى حد كبير. ولدعم مُنتجي الثقافة والفنانين الصاعدين، ثمة حاجة ماسة لتأسيس منظمات أكثر شمولًا ومواكبة للمستجدات تُركّز تحديدًا على الحقوق الثقافية.

وعلى امتداد تاريخها الحديث في مرحلة ما بعد الاستقلال، جعلت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دور سلطات الرقابة مركزيًا في مجالات الفنون والثقافة. ورغم التباينات في معايير الرقابة بين البلدان الثلاثة (مصر، وتونس، ولبنان)، والتي أبقت لبنان كنموذج مختلف يتسم بحريات اجتماعية وثقافية أوسع، فقد شهد لبنان مؤخرًا العديد من حالات قمع الحريات الفنية وحرية التعبير.

فعلى سبيل المثال، مُنعت أربع مسرحيات من العرض في بيروت في عام 2025 وذلك «لتناولها موضوعات شائكة مجتمعيًا مثل الدين، والمثلية الجنسية، والحرب الأهلية اللبنانية». وفي عام 2024، اتُخذت إجراءات قانونية ضد الممثلة الكوميدية شادن فقيه من قِبل أعلى المرجعيات الدينية السنية والشيعية في لبنان «بتهمة ازدراء الأديان والتحريض على الفتنة الطائفية».

أدى توحيد سياسات الرقابة تحت المظلة الواسعة لشبكات الإنتاج والتوزيع والتمويل المدعومة من الدولة في جميع أنحاء المنطقة إلى خلق واقع جديد أصبحت فيه الحقوق الثقافية مرتبطة بشكل متزايد بالفرص المتاحة عبر هذه الشبكات.

ووفقًا للمشاركين في المقابلات من لبنان، يظل الاقتراب من التابوهات الدينية والجنسية أحد أبرز الأسباب المهيمنة لفرض الرقابة على أي عمل فني. ويواجه صُناع الأفلام ومخرجو المسرح صعوبات جمة في الحصول على تصاريح للأعمال التي تتناول هذه الموضوعات تناولًا نقديًا، في حين يُفضّل بعض الفنانين تصوير أفلامهم دون تصاريح والبحث عن أماكن للعرض خارج لبنان.

وفي مصر، عُرفت الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية بأطرها التشريعية الصارمة والفضفاضة، مقترنة باستراتيجيات أمنية مُبهمة وبيروقراطية صممت لفرض رقابة مسبقة على الأعمال والأنشطة الفنية. وقد خلق هذا الإطار، المُتجذّر في الأيديولوجيات القومية والدينية المحافظة، متاهة من الخطوط الحمراء التي تحيط بتصوير السياسة والدين والجنس في الفن. وبالنسبة للأنظمة السياسية المتعاقبة، لطالما تم تقييد حرية الإبداع الفني من خلال تأطيرها كمسألة متعلقة بـ «الأمن القومي»، لا سيما في حالة الأشكال الفنية الشعبية واسعة الانتشار مثل السينما، والموسيقى، والمسرح، والعروض العامة الكبرى.

وفي تونس، تُشير تقارير عديدة إلى التحول الحاد من انفتاح ما بعد 2011 إلى تضييق سلطوي في السنوات الأخيرة، إذ شهدت البلاد انتكاسات جسيمة في حرية التعبير منذ عام 2022.

كما تسعى السلطة السياسية على نحو متزايد إلى صياغة الإعلام والخطاب العام، فيما يواجه الفنانون تدخلات رقابية متنامية وحملات اعتقالات وترهيب، ومزيدًا من الضغوط تدفعهم نحو ممارسة الرقابة الذاتية.
وفي مطلع عام 2026، صدر حكم غيابي بحق الكوميديان والممثل التونسي لطفي العبدلي بالسجن 18 شهرًا بسبب مسرحية تم عرضها قبل سنوات. ووصف العبدلي الحكم بأنه ذو دوافع سياسية، ويهدف إلى خنق الأصوات الناقدة. ووفقًا للتقارير، فإن العبدلي «كثّف خلال الأشهر الأخيرة من نقده الساخر للرئيس قيس سعيد بشأن إدارته للأوضاع في تونس».

وفي الفترة من 2024 إلى 2026، وعلى خُطى مسار مُشابه لمسار الحكومة المصرية، استُخدم التمويل الأجنبي بشكل متزايد كذريعة للقمع في تونس.

فقد وظّفت السلطات اتهامات بـ «التمويل الأجنبي المشبوه» لتبرير الاعتقالات، وتجميد الأصول، وفرض القيود المصرفية، وتعليق عمل المنظمات غير الحكومية. وكما أفاد المشاركون في المقابلات من تونس، فقد امتدت تداعيات هذه القيود المفروضة على تدفقات التمويل الأجنبي إلى مجالي الفن والثقافة، ولا سيما القطاعات التي تعتمد على الشبكات الدولية، حيث تزيد سيطرة الدولة على الجمعيات، وتٌهدد استقلالية المنظمات غير الحكومية، وتضيق على الدوائر الثقافية المحدودة أصلًا في تونس، مع تقليص الفرص، وتكريس الرقابة الذاتية، ومأسسة القمع.

ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وبفضل صعود منصات الإعلام الجديد ،أصبح أمام الفنانين في المنطقة قنوات بديلة للتعبير، تغذيها تقنيات الإنترنت ومنظومة إعلامية متكاملة

(التقارب بين الإعلام الإلكتروني والإعلام التقليدي). ويمكن القول إن هذا التنامي المتسارع للمنصات قد أسهم في إضعاف تأثير أدوات الرقابة التقليدية وتقليص أثر القيود الرسمية على المحتوى الفني.

غير أن الرقابة على التعبير الرقمي اتخذت أشكالًا أكثر عدوانية في العقد المنصرم. ففي أغسطس 2018، صدّق الرئيس المصري على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بذريعة مكافحة الإرهاب.

ويُجيز القانون للسلطات حجب المواقع الإلكترونية التي تُمثل «تهديدًا للأمن القومي» أو «للاقتصاد الوطني». ويواجه الأفراد في هذه المواقع غرامات باهظة وعقوبات مُغلظّة.
كما يُلزم القانون مزودي خدمات الإنترنت بـ «حفظ المعلومات الشخصية وتسليمها للأجهزة الأمنية عند الطلب».
وقد ارتفع باطراد عدد المواطنين المصريين الذين تستهدفهم الدولة بسبب تعبيرهم الرقمي.
علاوةً على ذلك، أقرّ البرلمان المصري قانونًا يقضي بمعاملة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات التي يزيد عدد متابعيها عن 5000 متابع بوصفها وسائل إعلامية، مما يُعرّضها للملاحقة القضائية بتهمة نشر الأخبار الكاذبة أو «التحريض على مخالفة القانون».

أضحى الإنتاج الثقافي ساحة رئيسية لما يمكن وصفه بـ «حروب ثقافية» مستمرة؛ تعكس صراعات أوسع حول الذاكرة، والانتماء، ومستقبل النظام الاجتماعي والسياسي في المنطقة.

ثمة عامل آخر يتعلق بالسياق وينبغي أخذه في الحسبان عند تقييم العلاقة بين الفنانين وشبكات الرقابة، وهو الاستراتيجيات الثقافية التي اعتمدت مؤخرًا في دول الخليج كالمملكة العربية السعودية

والإمارات العربية المتحدة. وقد شكّلت هذه الاستراتيجيات التحويلية نقلة نوعية مثلّت تحديًا مباشرًا لسياسات الرقابة التقليدية.
وبفضل الدعم السياسي والاقتصادي القوي، بدأ المشهد الفني الناشئ في دول الخليج في جذب الفنانين والمهنيين في هذا القطاع من جميع أنحاء المنطقة، مما يُشير إلى صعود منافس قوي على صعيد القوة الناعمة في العالم العربي. وقد دفع هذا التحول السلطات المصرية، على سبيل المثال، إلى تعديل مقاربتها، فعمدت في بعض الأحيان إلى تخفيف القيود المفروضة على الحريات الفنية وإعادة التفاوض حول «الخطوط الحمراء» المفروضة على الفنانين.

غير أن التحول في النفوذ الثقافي وديناميكيات السوق أفضى إلى تفاهم ضمني غير مكتوب بين اللاعبين الصاعدين في صناعة الفن والترفيه، مثل دول الخليج، والمراكز الراسخة مثل مصر. وقد استهدف هذا الاتفاق الضمني مواءمة سياسات الرقابة بطريقة تحترم «الخطوط الحمراء» الخاصة بكل بلد. كما أدى توحيد سياسات الرقابة تحت المظلة الواسعة لشبكات الإنتاج والتوزيع والتمويل المدعومة من الدولة في جميع أنحاء المنطقة إلى خلق واقع جديد أصبحت فيه الحقوق الثقافية مرتبطة بشكل متزايد بالفرص المتاحة عبر هذه الشبكات.

تفرض هذه الديناميكيات تحديات جسيمة على الركائز الأساسية للحقوق الثقافية، مثل حرية التعبير، والوصول إلى الأماكن العامة واستخراج التصاريح، والمساهمة والمشاركة في الحياة الثقافية. وتواجه منظمات المجتمع المدني والهياكل التمويلية المدعومة دوليًا، على وجه الخصوص، عقبات متزايدة في ظل تصديها للقيود البنيوية التي تفرضها سلطات الدولة، مما يزيد من تقويض قدرتها على مناصرة هذه الحقوق وحمايتها.

في مرحلة ما بعد عام 2011، باتت المجتمعات الرقمية التي يقودها الشباب في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساحات مركزية لإعادة التفاوض حول قيم الطبقة الوسطى والأعراف المجتمعية، والتي تشكّلت بفعل صراعات الهوية المستمرة بين أجهزة الدولة السلطوية، والحركات الإسلامية، والتيارات الليبرالية والنقدية الصاعدة. وقد ضخمّت منصات التواصل الاجتماعي النقاشات الدائرة بين الأجيال، ومكّنت أشكالًا جديدة من التنازع الثقافي، وجعلت الاستقطاب المجتمعي المتعمق جليًا للعيان. وبينما أخضع التحول السياسي في مصر بعد 2013 خطابات الصحوة الإسلامية لفحص مكثف بالتوازي مع صعود الخطاب القومي والشعبوي في ظل حكم السيسي، تكشّفت ديناميكيات مماثلة، لكن على نحو مغاير، في كل من تونس ولبنان.

في تونس، أفسح الانفتاح الذي أعقب الثورة المجال تدريجيًا أمام ترسيخ السلطوية مجددًا، لا سيما بعد 2021، مما أسفر عن توترات بين التطلعات الديمقراطية والقيود التي تفرضها الدولة على التعبير. بينما في لبنان، أدت الانقسامات الطائفية طويلة الأمد، مقترنة بالانهيار الاقتصادي، وتداعيات انتفاضة عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت، إلى خلق مجال عام يسوده التشظي وتطغى عليه السرديات المتنافسة والاستقطاب المتفاقم.

وعبر هذه السياقات، ساهمت فترة سابقة من الفوضى والافتقار للاستقرار (مدفوعة بنماذج الحوكمة الفاشلة، والتدهور الاقتصادي، والتشظي المجتمعي، والصراعات الإقليمية) في إشاعة حالة من التشكيك واسع النطاق إزاء العمليات السياسية الرسمية. وقد أدى ذلك إلى تحول المعارضة والاحتجاج السياسي بشكل متزايد نحو المجال الثقافي، حيث تتصارع القوى المتنافسة (مثل سلطات الدولة، والجهات الفاعلة الدينية، ومُنتجي الثقافة المستقلين) حول المغزى، والهوية، والتمثيل. ونتيجة لذلك، أضحى الإنتاج الثقافي ساحة رئيسية لما يمكن وصفه بـ «حروب ثقافية» مستمرة؛ تعكس صراعات أوسع حول الذاكرة، والانتماء، ومستقبل النظام الاجتماعي والسياسي في المنطقة.

سلطت هذه التحولات الضوء على التحدي المتمثل في مناهضة احتكار السرديات الثقافية من قِبَل كل من الأنظمة السلطوية والقوى الأيديولوجية المهيمنة. وفي مواجهة ذلك، باتت جهات فاعلة متنوعة، بما في ذلك الفنانون، والفاعلون الثقافيون، وشرائح من المجتمع المدني، تدرك بشكل متزايد الحاجة إلى أشكال مستقلة من الحراك الثقافي. ولا يسعى هذا الحراك إلى زيادة الوعي وتعزيز الإنتاج الثقافي فحسب، بل يرمي أيضًا إلى استعادة وعي تعددي بالهوية التاريخية والاجتماعية، قادر على مقاومة كل من السرديات المفروضة من الدولة والأطر الأيديولوجية الدوجمائية المتصلبة.

ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود تصطدم بقيود بنيوية. ففي مصر، لا يزال الإنتاج الثقافي متركزًا شكل مفرط في القاهرة، حيث تتركز فرص الوصول إلى الموارد والتمويل. وفي تونس، بدأت القيود المتزايدة المفروضة على المجتمع المدني والتمويل الأجنبي في تضييق المساحة التشغيلية للمبادرات الثقافية المستقلة. أما في لبنان، فقد أدى انهيار البنى التحتية الاقتصادية والمؤسسية إلى إضعاف الإنتاج الثقافي بشدة، مما أجبر الفنانين على الاعتماد على شبكات تمويل هشة ودعم عابر للحدود. وعبر هذه السياقات الثلاثة، تؤكد هذه الظروف هشاشة المجالات الثقافية المستقلة، وتُبرز الحاجة المُلحة لأطر مبتكرة قادرة على استدامة الممارسة الفنية وإتاحة الاشتباك الفعّال مع عمليات أوسع للتحول الاجتماعي.

رابعًا: مشروع «تأثير» كدراسة حالة

يُشكل مشروع «تأثير» حالة تجريبية ذات صلة بتصور برنامج فن مفاهيمي معاصر يقع عند نقطة التقاطع بين الممارسة الفنية وتعزيز حقوق الإنسان حول دول حوض المتوسط.

يهدف المشروع، الذي تقوده الشبكة الأورو-متوسطية في فرنسا بالشراكة مع مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة Instants vidéo numériques et poétiques، ورابطة Ligue de l’enseignement des Bouches-du-Rhône، إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ودعم الإبداع الفني من خلال ممارسات الفن وصناعة المحتوى التي يقودها الشباب.

وفي هذا الصدد، غالبًا ما يوضح الشركاء في مشروع «تأثير» أن التقاطع بين مجالين متمايزين كالفن وحقوق الإنسان لا يهدف إلى استغلال الفنون كأداة لأغراض المناصرة البسيطة، أو دفع الفنانين إلى «خدمة أيديولوجيا معينة».

ومن منظورهم، معايير اختيار المشاريع الفنية ضمن «تأثير» تنطوي على تعقيدات تضمن الحفاظ على الصلة الموضوعية للمشاريع وتوافقها مع قيم حقوق الإنسان، مع مراعاة الأبعاد الفنية والتقنية في الوقت ذاته، مثل الابتكار، والقدرة على تحفيز الفكر، وقابلية التنفيذ، والأثر الاجتماعي. كما يشير صناع المشروع إلى أن اختيار المشاريع الفنية يُمثل انتقاءً للشخص والمشروع معًا، وفق اعتبارات فردية. وبهذا، يؤكد القائمون على المشروع أن مشاركة الفنانين في دورات «تأثير» ترتكز على إدراك ملكية الفنانين لمشاريعهم، وحريتهم في تعديل خططهم أو اتخاذ قرارات فنيّة مختلفة طوال مسار العمل الفني – من الفكرة إلى الإنجاز، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تحولات وصعوبات: «نحن من نتكيف مع إطارهم الفني، وليس العكس».

هذه البنية متعددة الطبقات – التي تجمع بين الاختيار، والتوجيه، والتمويل، والآليات الاستشارية – تضع «تأثير» في مكانة مزدوجة كإطار مؤسسي ومساحة تفاعلية في آنٍ واحد، مما يُتيح بروز ممارسات تعاونية وتشكيل مجتمع من الفنانين المنخرطين في قضايا حقوق الإنسان (أو شبكات تضامن عابرة للحدود). وقد أكد صناع المشروع على البعد المجتمعي، والمناصرة السياسية، والأثر الاجتماعي، لا سيما في وصفهم لـ «أسبوع التدريب في مرسيليا» كمبادرة للتشبيك تربط المشاركين بالمُوجهين، وتُعرّفهم على المنظمات المحلية في مرسيليا، وتُعزز من انتشار الفنانين، وتداول المشاريع والأفكار. وبالنسبة لهم، يُعد خلق مجتمع يمتد إلى ما بعد برنامج الإبداع المشترك الذي يستغرق ثلاث سنوات، قيمة مضافة رئيسية لمشروع «تأثير».

من الناحية المنهجية، يتناول هذا البحث مشروع «تأثير» كدراسة حالة لفحص الكيفية التي تبلور أهدافه، واستراتيجياته، والتوترات التي يُفرزها – لا سيما بين استقلالية الفن واستغلاله كأداة – في الممارسة العملية. ومن خلال الجمع بين المقابلات النوعية، وتحليل الخطاب، ودراسة التقارير والمخرجات، يسعى البحث إلى تحديد الظروف التي تتجاوز فيها الممارسات الفنية التوظيف كأداة، لتُسهم في عمليات التحرر المعرفي، المفهومة بوصفها إعادة تشكيل للإدراك، والمعنى، والممكن. وبهذا المعنى، يمكن صياغة مشروع «تأثير» مفاهيميًا بوصفه بنية هجينة (فضاءً مغايرًا وفقًا لمصطلحات فوكو) حيث تُمارس مؤقتًا أشكال بديلة من الاجتماع، والإبداع، والمخيلة السياسية.

أسفرت ست مقابلات مُعمّقة مع مشاركين في «تأثير» من لبنان، ومصر، وتونس عن وجهات نظر متنوعة ومتعارضة أحيانًا. وركزت المقابلات على دوافع المشاركين للانضمام إلى البرنامج، وآرائهم حول مدى ملاءمة المحاضرات والنقاشات النظرية، والتوازن بين مكونات المشروع المختلفة (الجلسات التدريبية، وجلسات التوجيه، وأسبوع التدريب)، وتأثير التوجيه على تطوير مشاريعهم، ومواقفهم من آلية التمويل داخل المشروع، والعقبات التي يواجهونها في سياقاتهم الثقافية المحلية، وتقييمهم لقدرة مشروع «تأثير» على تجاوز إطاره المؤقت والإسهام في بناء شبكات طويلة الأمد وأشكال جديدة من التشبيك بين شباب دول البحر المتوسط.

وفي الأقسام التالية، سأركّز على أبرز النقاط في إفادات المشاركين في المقابلات، فيما يتعلق بأسئلة هذا البحث.

1. الجلسات التدريبية ودور التجريد النظري

اتفق غالبية المشاركين في المقابلات على ضرورة اشتباك الفنانين مع السياقات الاجتماعية والثقافية الأوسع، والتأمل النقدي في مفاهيم نظرية مثل النظام الأبوي، والرقابة، وحقوق الإنسان، من أجل تطوير مقارباتهم الفنية وإثراء قدراتهم. ومع ذلك، أفاد العديد منهم أيضًا بأن عدد الجلسات والنقاشات المُخصصة لهذه الموضوعات النظرية قد ولّد شعورًا بالإرهاق المعرفي، خاصة وأن أسبوع التدريب، وفقًا لعدة مشاركين، تضمن أيضًا حيزًا زمنيًا معتبرًا خُصص لنقاشات ذات صلة. وخلال المقابلات، لمستُ تفضيلاً واضحًا لإعطاء الأولوية للعمل على مشاريعهم الخاصة، بدعم من المُوجهين. وأكد بعض المشاركين أنهم يتعلمون بشكل أكثر فعالية من خلال الأدوات العملية بدلًا من الأدوات المجردة، وأعربوا عن رغبتهم في إعادة التوازن لبنية المشروع بحيث تُعطى الأولوية لجلسات التوجيه على حساب التدريب النظري.

تكشف هذه الملاحظات عن توتر مرتبط بصميم هذا البحث؛ الفجوة بين الطموح لتعزيز الوعي النقدي من خلال الاشتباك المفاهيمي، وميل المشاركين نحو البرامج القائمة على الممارسة. ومن منظور يوديس، انتقد المشاركون في المقابلات هيكلة الممارسة الفنية، داخل البرامج الفنية والأطر المؤسسية، التي غالبًا ما تتم من خلال أطر موضوعاتية وتربوية مُحددة سلفًا. وفي الوقت ذاته، يتردد صدى مقاومة المشاركين للاشتباك النظري المطول مع نقد بلفيوري للمقاربات التوظيفية التي تُجازف باختزال العمليات الفنية المعقدة في أهداف مؤسسية قابلة للقياس. وبدلًا من الرفض التام للتأمل النظري، تُشير هذه الاستجابات إلى الحاجة لأنماط بديلة لدمج التفكير النقدي في أنماط الممارسة الفنية التي تتوافق بشكل أوثق مع التجريب، والإبداع المشترك، والتعلم القائم على الممارسة العملية.

علاوة على ذلك، يمكن تفسير هذا التوتر من خلال مفهوم «التنازع» لدى رانسيير. إذ لا يعكس تفضيل المشاركين للممارسة على النظرية مجرد خيار تربوي، بل نظرة مختلفة لكيفية توزيع واختبار كل من المعرفة، والإبداع، والتأمل النقدي. ومن ثم، فإن التحدي لا يقتصر على تقليل حجم المحتوى النظري فحسب، بل يمتد إلى إعادة التفكير في شكله وطريقة تقديمه، بحيث يُصبح مُتضمنًا في العمليات الفنية بدلًا من أن يكون بمعزل عنها. وهو ما يطرح تساؤلًا أوسع حول تصميم برامج الفن المفاهيمية؛ كيف يمكن تحفيز التحرر المعرفي والوعي النقدي دون إعادة إنتاج أشكال السلطة الفكرية والتجريد نفسها التي قد تُنفّر المشاركين.

الحاجة لأنماط بديلة لدمج التفكير النقدي في أنماط الممارسة الفنية التي تتوافق بشكل أوثق مع التجريب، والإبداع المشترك، والتعلم القائم على الممارسة العملية.

وقد تعكس هذه التفضيلات أيضًا الروح الثقافية للحظة الراهنة، حيث يتم تداول المعرفة بشكل متزايد عبر أشكال بصرية، وأدائية، وشبكية، بدلًا من القراءة المتأنية والمداولات الجماعية، مما يستدعي نماذج تربوية تعمل على الربط بين العمق المفاهيمي والاشتباك القائم على الممارسة.

2. السياقات المحلية والعابرة للحدود

من بين المشاركين في المقابلات الستة، اثنان فقط يعيشان خارج بلدانهما الأصلية. فبينما تمكن بعض المشاركين من التنقل بين بلدانهم وبين الدول الأوروبية التي يقيمون فيها، أدرك الغالبية التفاوت التام بين الظروف التي تحكم الإنتاج الفني في بيئاتهم المحلية وتلك التي يختبرونها في الخارج. ورغم السمات المشتركة بين مصر وتونس ولبنان – تحديدًا وجود أجهزة رقابية تقييدية، وظروف معيشية هشة، وفرص محدودة للفنانين المستقلين – إلا أن القيود الخاصة بكل بلد قد تباينت؛ فقد برزت الضغوط الأمنية والشرطية في مصر وتونس، في مقابل الحرب والدمار والانهيار المؤسسي في لبنان، كعقبات رئيسية أمام حرية التعبير الفني. وفي هذا السياق، أكد العديد من المشاركين في المقابلات أن أحد دوافعهم الأساسية للالتحاق بـ «تأثير» كان على وجه التحديد طبيعة عملهم الفني والموضوعات التي يتناولونها؛ والتي سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إنتاجها أو عرضها أو توزيعها محليًا.

وهكذا، يُقدم مشروع «تأثير» ما يمكن وصفه ببيئة آمنة وداعمة نسبيًا؛ توفر دعمًا ماليًا، وتقنيًا، ومؤسسيًا ضمن إطار عابر للحدود. وقد تعكس هذه البيئة دينامية ثقافية داخل دوائر الحوكمة العالمية، حيث يتم تيسير الإنتاج الفني من خلال هياكل التمويل الدولية والوساطة المؤسسية. ومع ذلك، فإن هذه المرونة العابرة للحدود تنطوي أيضًا على توتر بالغ الأهمية؛ وهو ظهور فجوة بين الممارسات الفنية المتجذرة في الواقع المحلي وتلك التي تُصاغ ضمن ظروف إنتاج وتلقي عابرة للحدود. وبدلًا من مواجهة قيود السياق المحلي، والظروف التي لطالما أجبرت الفنانين في ظل الأنظمة السلطوية على ابتكار استراتيجيات مقاومة إبداعية، قد يجد المشاركون أنفسهم يعملون في مساحة تُعلَّق فيها هذه الضغوط جزئيًا. ونتيجة لذلك، تُجازف الأعمال الفنية التي تتناول صراعات محلية عميقة بأن يتم إنتاجها، وتداولها، من أجل جمهور يتواجد معظمه خارج السياق المحلي.

وتُعقّد هذه الديناميكية الإمكانية التحررية لمثل هذه البرامج. ففي حين يُمكِّن مشروع «تأثير» عمليات الإبداع الفني وما يمكن فهمه على أنه «تحرر معرفي على المستوى الفردي»، فإنه يطرح أيضًا تساؤلات حول الأثر الجماعي والعميق لهذه الممارسات الفنية. وبالاستناد إلى مفهوم التنازع لدى رانسيير، يُمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كانت الرؤى والمعاني المبتكرة التي تُنتجها هذه الأعمال قادرة على التدخل بفعالية في «توزيع المحسوس» داخل مجتمعات الفنانين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أم سيظل تداولها يتم في الخارج إلى حد كبير؟

يكمن التحدي في تصميم أطر تُحافظ على روابط حقيقية بالسياقات المحلية، بما يضمن قدرة الإنتاج الفني على الإسهام في كل من التحرر الفردي والتحول الجماعي الأوسع.

وفي الوقت ذاته، قد تُقلل الحرية النسبية التي توفرها السياقات العابرة للحدود من الحاجة إلى أدوات فنية أصيلة ولغات متعددة الطبقات/مُشفّرة/سيميائية (مثل الرمزية، والتهكم، والإشارات البصرية والسماعية المعقدة)، والتي غالبًا ما يُطورها الفنانون في ظل ظروف الرقابة. وتُشكل هذه الممارسات، وإن وُلدت من رحم القيود، أنماطًا مهمة للمقاومة داخل المجالات الفنية المحلية.

وتجنبًا للمقابلة المُبسّطَة بين ما هو محلي وما هو عالمي، يُشير هذا التوتر في نهاية المطاف إلى تساؤل أعمق حول أهداف وتصميم برامج الفن المفاهيمية. ففي حين أن دعم الفنانين عبر الشبكات العابرة للحدود قد يُعزز قدراتهم الفردية ويوفر لهم متنفسًا مؤقتًا بعيدًا عن الظروف التقييدية، فإنه يُجازف بإنتاج أشكال من الاشتباك الفني لا تعبأ بتطوير أدوات «التحفيز الوجداني» الخاصة بالجماهير المحلية ولا تسعى للتأثير فيهم. ومن ثم، يكمن التحدي في تصميم أطر تُحافظ على روابط حقيقية بالسياقات المحلية، بما يضمن قدرة الإنتاج الفني على الإسهام في كل من التحرر الفردي والتحول الجماعي الأوسع.

3. شبكات الإنتاج، والتداول، والتوزيع: تغيير حدود الممكن

في حين توفر برمجة مشروع «تأثير»، بحق، الدعم المالي والتوجيه لتعزيز إنتاج وتطوير المشاريع الفنية، أشار العديد من المشاركين في المقابلات إلى محدودية الفرص المتاحة لعرض أعمالهم وتقديمها بمجرد اكتمالها. واعتبارًا من عام 2026، من المُتوقع أن تُعرض المشاريع لفترة محدودة في مدينة مرسيليا، لتبقى بعد ذلك ملكية خالصة للفنانين. ورغم أن الشبكات والشراكات التي يرعاها المشروع قد تُيسّر فرصًا إضافية للتوزيع والعرض، إلا أن هذه النماذج تعتمد بشدة على الدوائر العابرة للحدود، فضلًا عن قدرات المشاركين، وشبكاتهم، وجهودهم الشخصية.

ومن منظور المشاركين، لم يكن ثمة توقع أو تركيز على إمكانية عرض أعمالهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وخلال المقابلات، ظل هذا البُعد غائبًا إلى حد كبير، مما يعكس الظروف التقييدية التي تفرضها الرقابة وكذلك التدهور الأوسع للبنى التحتية الثقافية في المنطقة. ومع ذلك، يطرح هذا الغياب تساؤلات مهمة بشأن إمكانية وصول المشاركين في برامج فنية مثل «تأثير» إلى شبكات التوزيع. ويُشير إلى الحاجة للتفكير بشكل أكثر منهجية في إمكانيات الانخراط مع الشبكات الثقافية المحلية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع البقاء على وعي تام بالمخاطر السياسية والأمنية التي قد يترتب عليها هذا التشبيك.

تطوير شبكات مستدامة للتداول عبر البنى التحتية الثقافية المتوسطية قد يُصبح ركيزة أساسية لأثر طويل الأمد لمشروع «تأثير».

يُعد خلق مساحة آمنة للإبداع المشترك والتبادل المترابط إنجازًا محوريًا لمشروع «تأثير»، لكن تطوير شبكات مستدامة للتداول عبر البنى التحتية الثقافية المتوسطية قد يُصبح ركيزة أساسية لأثر طويل الأمد لمشروع «تأثير». ولن يقتصر تعزيز هذه الشبكات على توسيع نطاق تداول الأعمال الفنية فحسب، بل سيُسهم أيضًا في ترسيخها داخل السياقات التي تسعى لمخاطبتها. وفي هذا السياق، فإن تجاوز النموذج المهيمن العابر للحدود نحو مقاربة أكثر تكاملًا، تربط بين الدوائر المحلية والإقليمية، سيتوافق بشكل أوثق مع الطموح الأوسع للمشروع والمتمثل في تحفيز الفنانين، وبناء شبكات التضامن، وتعزيز حركية الأفراد، وتداول الأفكار، والإنتاج الثقافي عبر المتوسط.

4. بناء المجتمع والإبداع الفني الجماعي

تقترض الورقة المفاهيمية المعنونة «كيف يتم تشكيل واستمرار مجتمع الفنانين وصُناع المحتوى الخاص بحقوق الإنسان في منطقة البحر الأبيض المتوسط؟»، والمُقدمة من طلاب درجة الماجستير 2 بجامعة باريس 8، أن بناء مجتمع مستدام داخل مشروع «تأثير» يتطلب تجاوز إطاره المؤسسي المؤقت نحو تعزيز العلاقات الترابطية، والبنيوية، والرمزية طويلة الأمد بين المشاركين.

وتؤكد الورقة أن ديمومة المجتمع يجب أن ترتكز على روابط فنية وعاطفية مشتركة، يتم تعزيزها من خلال عمليات الإبداع المشترك، والتوجيه، والتفاعلات غير الرسمية التي تمتد إلى ما بعد انتهاء الأنشطة الرسمية لـ «تأثير».

وتتقاطع هذه المقترحات إلى حد كبير مع ملاحظات المشاركين في المقابلات حول الإطار الزمني المحدود الذي لا يسمح بتقوية الشبكات القائمة أو تحقيق القدر الكافي من الانتشار الشخصي وتداول الأعمال الفنية. وأشار غالبية المشاركين إلى أن تشجيع التعاون الجماعي من خلال الإبداع الفني سيكون المسار الأمثل لتطوير أنظمة دعم متبادل بين المشاركين. وبالمثل، تُسلّط الورقة المفاهيمية الضوء على الحاجة إلى رسم خريطة للموارد المؤسسية، والترابطية، والثقافية وتعبئتها لدعم كل من الديناميكيات الجماعية والمسارات الفردية بعد انتهاء المشروع.

وعلى صعيد خطة العمل، تُحدد الورقة المفاهيمية أربعة أبعاد رئيسية للاستدامة:

  • البعد البنيوي (الحفاظ على شبكات وعلاقات مستقرة).

  • البعد الوظيفي (ضمان استمرارية التبادل والتعاون).

  • البعد الرمزي (تعزيز الإحساس المشترك بالانتماء والهوية).

  • البعد التكيُّفي (السماح للشبكة بالتطور، ودمج أعضاء جدد، وإعادة تعريف أساليب عملها).

وقد أعرب غالبية المشاركين في المقابلات عن ترحيبهم بمبادرات ما بعد المشروع التي من شأنها تيسير التعاون المستمر، والذي قد يساعدهم في تطوير أشكال هجينة من التنظيم تجمع بين التطور الفني الفردي والانخراط والتعاون الجماعيين.

خامسًا: النتائج والخاتمة

تُسلط نتائج هذا البحث الضوء على مجموعة من التوترات والإمكانيات التي تنبثق من مشروع «تأثير» بوصفه برنامج فن مفاهيمي يعمل عند نقطة التقاطع بين الإبداع الفني المشترك وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان. ويمكن فهم هذه النتائج من خلال أربعة أبعاد رئيسية: التحفيز الوجداني، والتحرر المعرفي، والفن كمجال عام، والفن كشكل من أشكال الحوار وبناء المجتمع.

1. التحفيز الوجداني

من بين النتائج المركزية لهذا البحث إبراز دور الفن كوسيط وجداني، قادر على توليد التعاطف، وربما الدفع نحو الفعل. ومن خلال إطار «تأثير»، يتم تشجيع الفنانين على الاشتباك مع قضايا حقوق الإنسان لا على المستوى الفكري فحسب، بل عبر الأبعاد الوجدانية والتجريبية أيضًا. ويعكس هذا فكرة أن الممارسات الفنية قادرة على تعبئة الجماهير من خلال خلق روابط وجدانية بالحقائق الاجتماعية والسياسية.

وتشير إفادات المشاركين إلى أن هذا البعد الوجداني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتفضيلهم للتعلم القائم على الممارسة والتجريب الفني. فبدلًا من الانخراط في نقاشات نظرية مجردة، وجد العديد من المشاركين أن العمل المباشر على مشاريعهم قد أتاح لهم تطوير روابط عملية وذات مغزى مع الموضوعات التي يتناولونها. وبهذا المعنى، يٌصبح التحفيز الوجداني مسارًا رئيسيًا يمكن للعمل الفني أن يُسهم من خلاله في الوعي والانخراط الاجتماعيين، متجاوزًا الأشكال التقليدية للمناصرة.

كما يمكن تعزيز التحفيز الوجداني من خلال عملية الاختيار ذاتها، وعبر تنويع أكبر في الأجناس الفنية المُتضمنة في مشروع «تأثير». فعلى سبيل المثال، تبدو الفنون الأدائية – مثل الموسيقى والغناء، والتمثيل، والرقص، والسرد القصصي – أقل تمثيلًا في المشاريع المختارة مقارنةً بصناعة الأفلام الوثائقية، وفن الفيديو، والمحتوى الرقمي المتجذر في الأشكال القائمة على الواقع. ومن المفهوم أن تركيز «تأثير» على المشاريع الفردية، إلى جانب الميزانيات المحدودة، قد يُرجح كفة هذه القوالب الأكثر قابلية للإدارة. غير أن الممارسات الفنية الأدائية تُقدم أدوات قوية لتجسير الفجوة بين القوالب المتمركزة حول التجسيد البصري للواقع وتلك القادرة على تحفيز المخيلة، والتماهي الوجداني، والتعبير القائم على الخيال.

إن تشجيع المشاريع التي تستلهم الأرشيفات الفنية والقصصية الموروثة وتُعيد تأويلها – بما في ذلك السينما، والمسرح، والسرديات الشعبية، والدراما، والأدب – من شأنه أن يوفر للمشاركين مسارًا مهمًا لتحويل رؤاهم النقدية إلى أعمال إبداعية تُنمي «الوجدان الجمعي» وتترك صدى لدى جماهير أوسع سواء في المنابر الفنية المحلية أو العابرة للحدود.

إن تشجيع المشاريع التي تستلهم الأرشيفات الفنية والقصصية الموروثة وتُعيد تأويلها – بما في ذلك السينما، والمسرح، والسرديات الشعبية، والدراما، والأدب – من شأنه أن يوفر للمشاركين مسارًا مهمًا لتحويل رؤاهم النقدية إلى أعمال إبداعية تُنمي «الوجدان الجمعي» وتترك صدى لدى جماهير أوسع سواء في المنابر الفنية المحلية أو العابرة للحدود. وقد تُعمّق مثل هذه المقاربات قدرة الأعمال الفنية على استثارة التعاطف، وتحفيز التماهي الوجداني، وتعزيز ما يصفه هذا البحث بـالتحفيز الوجداني.

كما يمكن أن يصبح الاهتمام الأكبر بالبعد الوجداني للإنتاج الفني مكونًا أصيلاً في كل من الجلسات التدريبية وبرنامج التوجيه. فعندما تتناول المحاضرات والنقاشات المغزى الوجداني في الأعمال الفنية، والرسائل الوجدانية، والانفعالات المُشفّرة، فإنها تُساعد المشاركين على إعادة التفكير في مقارباتهم الإبداعية وإيجاد أرضية وجدانية مشتركة مع جماهيرهم. ومن خلال تحويل التركيز من الرسائل الأخلاقية أو الحقوقية المُضمّنة في الأعمال الفنية إلى الأدوات الوجدانية والجمالية التي يمكن إيصال رسائل مماثلة من خلالها، قد تغدو الجلسات التدريبية والتوجيهية أكثر فعالية في تجاوز جفاف النظرية المجردة نحو الإمكانيات المُقنعة والمؤثرة وجدانيًا للممارسة الفنية.

ويشير هذا أيضًا إلى إمكانية توسيع طيف الموضوعات التي يمكن أن تندرج ضمن اهتمامات المشاركين في مشروع «تأثير»، وبالمثل، ضمن شواغل حقوق الإنسان. وقد تشمل هذه الموضوعات الحياة اليومية للشباب في مجتمعات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ والحق في العلاقات العاطفية وفي الوصول إلى الأماكن العامة وارتيادها؛ والحياة الأسرية بديناميكياتها اليومية وقيمها الثقافية المُترسخة؛ وعوالم المؤسسات التعليمية، بما في ذلك المدارس والجامعات، بكل ما تشمله من قضايا تمس موضوعات حقوق الإنسان. فهذه الموضوعات متجذرة بعمق في التجربة الاجتماعية العادية وتطال شرائح واسعة من المجتمع.

إن مقاربة الموضوعات الثقافية والاجتماعية التي تتقاطع مع ممارسات الأغلبية والواقع المُعاش تكشف عن دور أكبر للفنون كأدوات للتعبير والتواصل. كما يُعزز من وظيفتها كمولدات أساسية لـ «الوجدان الجمعي»، قادرة على تعبئة الجماهير نحو قيم حقوق الإنسان العالمية دون مخاطبتهم بنبرة متعالية وعظية. ومن خلال ترسيخ الإنتاج الفني في التجارب اليومية والشواغل الوجدانية المشتركة على نطاق واسع، يمكن لبرامج الفن المفاهيمية أن تُعزز أشكالًا أكثر عضوية من الانخراط، مما يبرز مبادئ حقوق الإنسان من خلال التماهي، والتعاطف، وإعادة التأويل الإبداعي، بدلًا من الاعتماد على المناصرة المباشرة وحدها.

2. التحرر المعرفي

تتعلق نتيجة رئيسية ثانية بدور الممارسات الفنية في تمكين أشكال من التجريب المعرفي. وغالبًا ما يُطوّر الفنانون النشطون في بيئات سلطوية مثل مصر، وتونس، ولبنان أدوات من قبيل السخرية، والتهكم، والرمزية، واللغات البصرية والسمعية المركبة من أجل الالتفاف على الرقابة والتعبير عن رؤى نقدية.

ولا تقتصر هذه الممارسات على كونها استجابات لقيود خارجية، بل هي طُرق للتغلب على الرقابة المُستبطنة. فمن خلال التجريب بأشكال تعبيرية مختلفة، يخلق الفنانون مساحات يمكن من خلالها مساءلة السرديات المهيمنة وإعادة تأويلها. ويتماشى هذا مع فكرة أن الممارسات الفنية يمكن أن تُسهم في التحرر المعرفي من خلال توسيع الطرق التي يُدرك بها الأفراد واقعهم الاجتماعي ويفهمونه.

ومع ذلك، تُشير النتائج أيضًا إلى أن السياق العابر للحدود لمشروع «تأثير» قد يُغير هذه الديناميكية جزئيًا. ففي حين أنه يوفر بيئة أكثر أمانًا للتعبير، فإنه قد يُقلل من الحاجة إلى هذه الأشكال الرمزية في المقاومة، مما يطرح تساؤلات حول كيفية استدامة مثل هذه الممارسات وترجمتها عبر سياقات مختلفة.

غير أن التحرر المعرفي يتعلق أيضًا بتصورات الفنانين، وأذواقهم، وتأويلاتهم للواقع. فهو لا يقتصر على القدرة على التعبير عن المعارضة، بل يمتد ليشمل القدرة على مساءلة التفضيلات الجمالية الموروثة، والسرديات المهيمنة، والطرق المعتادة في رؤية العالم. ووفقًا لكيم ويست، بات من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على النموذج المثالي للفن المستقل في عالم شهد «دمقرطة» الفن و «نزع أسطوريته» تدريجيًا. فقد أدى الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية في الإنتاج الفني ومرحلة ما بعد الإنتاج إلى إتاحة أدوات سهلة الاستخدام لعدد متزايد من المبدعين، وقلص من الحصرية التي ارتبطت بالإتقان التقني. فبينما أصبح البعد التقني للإنتاج الفني أكثر وفرة وسهل المنال، فإن تطوير رؤية فنية قادرة على التحرر من السرديات المهيمنة ومعالجة أسئلة أساسية تتجاوز «الموضوعات الشائعة» أو الرؤى «السائدة» و«الرائجة»، ربما بات تحديًا أصعب.

في هذا السياق، يتطلب التحرر المعرفي ما هو أكثر من مجرد التدريب التقني أو الوعي بالثيمات الفنية. إذ يستوجب توسيع الآفاق الفكرية والجمالية للفنانين وتعريضهم للتجارب التاريخية التي تحدى فيها فنانون، بشكل مُتعمد، التقاليد الراسخة وأنظمة التمثيل المهيمنة. لذلك، يمكن أن تستفيد محاضرات ونقاشات «تأثير» من إعادة استكشاف الحركات والمدارس الفنية المتنوعة التي عارضت المعايير الفنية السائدة وأعادت تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع.

بينما أصبح البعد التقني للإنتاج الفني أكثر وفرة وسهل المنال، فإن تطوير رؤية فنية قادرة على التحرر من السرديات المهيمنة ومعالجة أسئلة أساسية تتجاوز «الموضوعات الشائعة» أو الرؤى «السائدة» و«الرائجة»، ربما بات تحديًا أصعب

إن اشتباكًا أوسع مع تاريخ الفن ومسارات الفنانين عبر التاريخ الحديث – يتجاوز المنظور الضيق المتمركز حول الغرب – من شأنه أن يُقدم تجربة مُلهمة وتحررية للمشاركين. ومن شأن هذه المقاربة أن تُبرهن على أن الابتكار الفني غالبًا ما ينبثق من مواجهات نقدية ضد الجمود، والقمع السياسي، والامتثال الاجتماعي.

كما يمكن لهذا المنظور أن يفتح الباب أمام موضوعات قد يتردد كثير من الفنانين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تناولها بسبب الرقابة المُستبطنة والمُسلمات المتأصلة. وتشمل هذه الموضوعات التأويلات الدينية البالية وتأثيرها على التنظيم الاجتماعي والحياة الثقافية، والحركات الفنية في ظل الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية وغيرها، والتنظيم التاريخي للفنانين من خلال النقابات والاتحادات، وتجارب الفنانين الذين قادوا تيارات متمردة ضد التوجهات الفنية المهيمنة في مجتمعاتهم. إن الاشتباك مع مثل هذه الأمثلة يمكن أن يُساعد المشاركين على إدراك أن تحدي الأعراف الراسخة ليس فعلًا استثنائيًا، بل هو سمة متكررة في تاريخ الفن.

ومن خلال دمج هذه الأبعاد، يمكن لبرامج الفن المفاهيمية مثل «تأثير» أن تُعزز عملية التحرر المعرفي عبر تشجيع الفنانين على إعادة التفكير، لا فيما يودون قوله فحسب، بل أيضًا في الافتراضات، والأذواق، والتراتبيات الجمالية التي يُدركون واقعهم من خلالها. وبهذا المعنى، يُصبح التحرر المعرفي عملية فكرية وفنية في آنٍ واحد: حركة نحو استقلالية أكبر في الفكر، والمخيلة، والممارسة الإبداعية.

3. الفن كمشاع/مجال عام

يُسلط البحث الضوء أيضًا على دور الفن كشكل من أشكال الملكية العامة وكمجال عام يمتد إلى ما وراء الأطر الرسمية، والقانونية، والمؤسسية. وداخل إطار «تأثير»، يُصبح الإنتاج الفني وسيلة لإبراز القضايا التي لولا ذلك لباتت مُهمشة أو مسكوتًا عنها.

ومن خلال الجلسات التدريبية والمحاضرات، والتوجيه، والتبادل الجماعي، يُعزز المشروع أشكالًا من الانخراط تتجاوز المسارات الفنية الفردية. إذ يُطور المشاركون تجارب وروابط وجدانية مشتركة، مما يُسهم في تشكيل مجتمع يتمحور حول قيم وشواغل مشتركة.

ما مدى قدرة الفن على أن يعمل بوصفه مجالًا عامًا مشتركًا إذا كان الوصول إليه غير متاح داخل السياقات التي يسعى إلى مخاطبتها؟

وفي الوقت ذاته، تُشير النتائج إلى محدودية تداول الأعمال الفنية وتوزيعها. إذ يشير الافتقار إلى فرص العرض داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والاعتماد على الشبكات العابرة للحدود، إلى أن البعد العام لهذه الأعمال قد يظل موزعًا على نحو غير متكافئ. ويطرح ذلك تساؤلات حول ما مدى قدرة الفن على أن يعمل بوصفه مجالًا عامًا مشتركًا إذا كان الوصول إليه غير متاح داخل السياقات التي يسعى إلى مخاطبتها؟

4. الفن كحوار ومجتمع

أخيرًا، تؤكد النتائج على دور الفن كمساحة للحوار لإعادة تأطير القضايا الاجتماعية والسياسية. ومن خلال مشاريعهم، يشتبك الفنانون مع موضوعات مثل الحريات السياسية والاجتماعية، والهوية، والحرب والدمار، مما يُسهم في بناء سرديات بديلة تتحدى الخطابات المهيمنة.

ولا تزال إعادة بناء المجتمعات الفنية وتوسيع الشبكات عبر المتوسط هما حجر زاوية أساسي لمشروع «تأثير» وسائر البرامج الفنية. وتُعد استعادة المساحات العامة، وإرساء روابط مستدامة مع الجمعيات والمنظمات الثقافية وأطر العمل التعاونية، بمثابة الضامن الرئيسي لاستمرار التأثير والأثر الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وداخل مجتمعاتها.

خاتمة

انطلق هذا البحث من فحص الكيفية التي يمكن أن تُسهم من خلالها برامج الفن المفاهيمية، كمشروع «تأثير»، في التحرر المجتمعي عبر التقاطع بين الممارسة الفنية ومناصرة حقوق الإنسان. وتُظهر النتائج أن «تأثير» يعمل كبنية هجينة، تمزج بين عناصر الحوكمة المؤسسية ومساحات للتجريب الإبداعي والاشتباك النقدي.

ومن منظور نظري، يعكس المشروع مفهوم يوديس حول «ذرائعية الثقافة»، حيث تُوظّف الممارسات الفنية داخل أطر بنيوية تهدف إلى تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية. غير أن «تأثير» يُهيئ أيضًا الظروف لما يصفه جاك رانسيير بـ «التنازع»، وذلك من خلال تمكين الفنانين من إنتاج أشكال بديلة من الإدراك والمعنى تتحدى التوزيعات المهيمنة للمحسوس.

وتُشير النتائج إلى أن التحدي الرئيسي أمام برامج الفن المفاهيمية يكمن في التعامل مع التوتر بين البنية والاستقلالية. ففي حين توفر الأطر المؤسسية الموارد والدعم الضروريين، فإنها قد تفرض أيضًا قيودًا تحصر البرامج الفنية في افتراضات نظرية أو تُشكّل أنشطتها وفقًا لأهداف مُحددة سلفًا. وبالمثل، توفر الطبيعة العابرة للحدود لمثل هذه البرامج فرصًا للتعبير والتعاون، لكنها قد تخلق أيضًا انفصالًا بين الإنتاج الفني والسياقات المحلية.

تكمن مساهمة «تأثير» في قدرته على خلق مساحة حيث يمكن للممارسات الفنية أن تُولد تحولات وجدانية ومعرفية على حد سواء. ومع ذلك، فإن أثره طويل الأمد يعتمد على قدرته على تقوية الروابط بين السياقات المحلية وتلك العابرة للحدود،

واستجابة لهذه التحديات، يطرح هذا البحث تحولاً في تصميم برامج الفن المفاهيمية؛ الانتقال من نموذج يتمحور حول المشاريع الفردية والمداولات النظرية، نحو نموذج يتصور مساحة للإبداع المشترك، وبناء شبكات طويلة الأمد، والتحرر المعرفي اعتمادًا على مناهج متنوعة.

في نهاية المطاف، تكمن مساهمة «تأثير» في قدرته على خلق مساحة حيث يمكن للممارسات الفنية أن تُولد تحولات وجدانية ومعرفية على حد سواء. ومع ذلك، فإن أثره طويل الأمد يعتمد على قدرته على تقوية الروابط بين السياقات المحلية وتلك العابرة للحدود، ودعم شبكات التعاون المستدامة، وتعزيز أشكال من الانخراط الفني تظل متجذرة في الواقع الذي تسعى إلى تغييره.

سادسًا: الملاحق

ملحق 1: نبذة عن مشروع «تأثير»

يعمل مشروع «تأثير» في سياق من القمع المتزايد، وتقلص الحيّز المدني، وتصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تواجه الأشكال التقليدية للتدخل الحقوقي قيودًا متنامية. وفي هذا السياق، يطرح المشروع مقاربة بديلة تشجع الفنانين وصُناع المحتوى الرقمي على المشاركة كفاعلين رئيسيين في تشكيل الخطاب العام وتعزيز أشكال جديدة من الاشتباك مع قضايا حقوق الإنسان.

المشروع يمتد على مدى ثلاث سنوات (سبتمبر 2023 - أغسطس 2026) ويتمحور حول دورتين رئيسيتين. الدورة الأولى (2024-2025) ضمت 20 مشاركًا من 10 دول حول المتوسط، بينما ضمت الدورة الثانية (2025-2026) 24 مشاركًا من 11 دولة، ليصل إجمالي المشاركين 44 فنانًا وصانع محتوى رقمي.

تم اختيار المشاركين، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و35 عامًا، من خلال دعوات مفتوحة حول أطر موضوعاتية؛ «كيف يعيش الناس؟» للدورة الأولى، و«مقاومة الاستسلام» للدورة الثانية. هذه الموضوعات شجعت المشاركين كمداخل مفاهيمية على استكشاف الحقائق الاجتماعية والسياسية المعقدة عبر الإنتاج الفني. ويعكس تنوع خلفيات المشاركين وممارساتهم الفنية (التصوير الفوتوغرافي، والشعر، وفن الفيديو، وصناعة الأفلام، والتركيبات الفنية السمعية والبصرية، والبودكاست، والرسوم المتحركة والتصميم، والرسم الرقمي والفنون البصرية) تركيز المشروع على تعدد التخصصات والتبادل العابر للحدود.

يُتيح المشروع فرصة نادرة لاستكشاف موضوعات جوهرية مرتبطة بقضايا حقوق الإنسان وخصوصيات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك ضمن إطار نظري يتجلى في المداولات المفتوحة. إذ يُقدم محاضرون خبراء مُختارون سلسلة من اللقاءات عبر الإنترنت (الجلسات التدريبية) الرامية إلى تعزيز معرفة المشاركين بأدوات وآليات حقوق الإنسان، فضلاً عن الجمع بين المحاضرات النظرية وجلسات التقييم التفاعلية. فبينما تستكشف المحاضرات التقاطعات بين الفن، وحقوق الإنسان، والسياسة، والممارسات الاجتماعية، تُوفر جلسات التقييم مساحة للتأمل النقدي، والحوار، وانخراط المشاركين، مما يُعزز من بيئة التعلم التشاركي.

تتمحور الجلسات التدريبية حول ثلاثة موضوعات رئيسية – النظام الأبوي، والرقابة، والنقد – يختبر المشاركون من خلالها كيف تتشكل هياكل السلطة، والتراتبيات الاجتماعية، وآليات السيطرة سواء في الإنتاج الفني أو الخطاب العام داخل المنطقة. ومن خلال تناول هذه الموضوعات، يُشدد مشروع «تأثير» على الدور المزدوج للفن، بوصفه مساحة قادرة على إعادة إنتاج الأنظمة المهيمنة، وساحة محتملة للمقاومة والتغيير في الوقت ذاته، مُشجعًا المشاركين على الاشتباك النقدي مع سياقاتهم، وتشجيع الممارسات الفنية كأدوات لمساءلة الأعراف والتابوهات الاجتماعية، وتسليط الضوء على الأصوات المُهمشة، والإسهام في عمليات ثقافية أكثر شمولاً.

تستند عملية الاختيار في مشروع «تأثير» إلى نظام تقييم مُنظم يجمع بين معايير نوعية وكمية. وتُقيّم الطلبات من خلال عملية من مرحلتين تتضمن مراجعة الطلبات المكتوبة وإجراء مقابلات شخصية. ويتم تقييم المُرشحين وفقًا لثلاثة معايير رئيسية؛ جودة ومدى صلة المشروع الفني أو مشروع صناعة المحتوى المُقترح (الوضوح، والتماسك، وقابلية التنفيذ، والتوافق مع موضوعات المشروع)، والملف الشخصي للمتقدم (الإبداع، والحافز، والقدرة على التعبير عن أفكار معقدة)، وجودة أعماله السابقة أو سجل أعماله. ويتم دعم هذا التقييم بنظام درجات يتيح التقييم المقارن، مع ضمان التنوع في المقاربات والثيمات الفنية. كما تضع العملية في الحسبان التقاطعية، والأصالة، وإمكانية اشتباك المشاريع بشكل نقدي مع قضايا حقوق الإنسان.

وبالتوازي مع الجلسات التدريبية، يربط نظام التوجيه الخاص بالمشروع المشاركين بمهنيين متمرسين لدعم تطوير مشاريعهم من خلال التقييم المتكرر والجلسات المُنظمة. وكما يظهر في وثائق المشروع، فإن برنامج التوجيه «تمت هيكلته حول ديناميكية متجددة، صُممت لإرشاد المبدعين الشباب من خلال التطوير الشامل والمتماسك لمشاريعهم». وتدمج ركائزه الأساسية سمات «الاحتراف المهني» و «التقنية» من خلال ثلاث جلسات توجيه مُتخصصة، تغطي تطوير «الملف الفني»، والوصول إلى التمويل، والنقاشات حول عمليات الإنتاج والتوزيع.

مستوى إضافي من الحوكمة للمشروع تتم من خلال مجلس استشاري يضم باحثين، وفنانين، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان من ذوي الخبرة في دول حوض المتوسط. هذا المجلس، الذي يعمل بشكل تطوعي، له دور محوري في تقديم التوجيه الاستراتيجي، والإسهام في اختيار الموجهين، والإعداد المفاهيمي للمشروع، وتيسير الروابط بين المشاركين والشبكات المهنية الأوسع.

كما يدمج المشروع مستوى ثاني للتقييم من خلال آلية تمويل مُصممة لدعم إنتاج المشاريع الفنية المُختارة. إذ يُقدم المشاركون مقترحات مشاريع مُطورة، تخضع لتقييم لجنة الاختيار التي تتألف من ثمانية أشخاص؛ أربعة من ممثلي المنظمات المصممة للمشروع، وأربعة خبراء مستقلين من المجالين الثقافي والفني.

تُقيّم المشاريع بناءً على نظام درجات مُفصل يشمل الصلة الموضوعاتية (30 نقطة)، والأثر المحتمل (30 نقطة)، والأصالة والابتكار (25 نقطة)، وقابلية التنفيذ (15 نقطة). وتشمل الاعتبارات الإضافية مستوى انخراط المشارك طوال مدة المشروع، وتنوع المشاريع المختارة من حيث الوسائط، والموضوعات، والمقاربات. وتُفضي هذه العملية إلى اختيار عدد محدود من المشاريع للحصول على الدعم المالي، بينما قد تحظى مشاريع أخرى بموافقة مشروطة أو تتطلب مزيدًا من التطوير. وفي مقابلات مباشرة، اعتبر بعض المشاركين في «تأثير» أن آلية التمويل كانت مثيرة للجدل، موضحين أنها أثارت توترًا بين المشاركين خلال أسبوع التدريب في مدينة مرسيليا.

ملحق 2: مقتطف من إصدارات مركز القاهرة حول الثقافة والفنون وحقوق الإنسان

في الثقافة والفن

الثقافة ليست بخير

أحمد عبد المعطي حجازي

في الثقافة والفن

ثقافة كاتم الصوت

حلمي سالم

في الثقافة والفن

المقدس والجميل: الاختلاف والتماثل بين الدين والفن

د.حسن طلب

في الأدب

أدباء نوبيون ونقاد عنصريون

حجاج أدول

تقديم: أحمد عبد المعطي حجازي

في الأدب

القمع في الخطاب الروائي العربي

عبد الرحمن أبو عوف

في الأدب

رواية الغداء العاري أمام المحاكم الامريكية

رمسيس عوض

في الأدب

نيجاتيف: رواية تعريفية من ذاكرة المعتقلات السياسيات

روزا ياسين حسن

في الأدب

فقة المحاكمات الأدبية والفكرية: دراسة في الخطاب والتأويل

وفاء سلاوي

في الشعر

أحزان حمورابي: قصائد من أجل حرية العراق

حلمي سالم

تقديم: د. فريال جبوري غزول

في الشعر

أكثر من سماء.. تنوع المصادر الدينية في شعر محمود درويش

سحر سامي

في الشعر

الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان

حلمي سالم

في الشعر

الآخر في الثقافة الشعبية (الفولكلور وحقوق الإنسان)

سيد إسماعيل ضيف الله

تقديم: د. أحمد مرسي

في الدراما والسينما والمسرح

دوائر لم تكتمل: كتابات حول الدراما السودانية

السر السيد

في الدراما والسينما والمسرح

السينما وحقوق الناس

هاشم النحاس

في الدراما والسينما والمسرح

فن المطالبة بالحق: المسرح المصري وحقوق الإنسان

نورا أمين

في الرسم والفن التشكيلي

فنانون وشهداء: الفن التشكيلي وحقوق الإنسان

عز الدين نجيب

الحواشي

  1. حسن، بهي الدين (2024). رؤى: من التحرر الوطني إلى الاستعمار الوطني. رواق عربي، 29 (2)، 20-33. DOI: 10.53833/ZIRN1036. https://cihrs-rowaq.org/views-from-national-liberation-to-national-colonialism/

  2. راجع الملحق 2 من هذا التقرير، مقتطف من إصدارات مركز القاهرة حول الثقافة والفنون وحقوق الإنسان.

  3. سعيد، محمد السيد (1996)، إشكالية تعثّر الديمقراطية في العالم العربي، في: عزمي بشارة ومحمد السيد سعيد (تحرير)، إشكاليات تعثّر التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي (بيرزيت: مواطن - المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية) https://muwatin.birzeit.edu/en/node/1275

  4. سعيد، محمد السيد (2009) تحولات الثقافة العربية من منظور حقوق الإنسان. رواق عربي، 14 (1)، 71-96. https://cihrs-rowaq.org/transformations-of-arab-culture-from-a-human-rights-perspective/

  5. حسن، بهي الدين (2024). رؤى: استعصاء مستدام أم مؤقت؟ التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان في العالم العربي. رواق عربي، 28 (3). 20-28. DOI: 10.53833/UOJW1627. https://cihrs-rowaq.org/views-enduring-or-temporary-impasse-democratisation-and-human-rights-in-the-arab-world/

  6. غليون، برهان. اغتيال العقل: الثقافة العربية بين السلفية والتبعية. الطبعة السادسة. بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012. صدر عام 1985 عن دار التنوير للطباعة والنشر.

  7. سالم، حلمي. الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان. القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2000. https://bit.ly/4gofrzN

  8. مشروع «تأثير» هو مبادرة جمعت، لمدة 3 سنوات، بين الفنانين، وصناع محتوى رقمي، وفاعلين ثقافيين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، لاستكشاف الروابط بين الفن، وحقوق الإنسان، والتحول الاجتماعي. المشروع تم تنفيذه بالاشتراك مع الشبكة الأورو- متوسطية بفرنسا (Réseau Euromed France)، ومؤسسة Instants vidéo numériques et poétiques، ورابطةLigue de l’enseignement des Bouches-du-Rhône، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. وهذه ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها المنظمات الأربعة، فالتعاون بينهم ممتد منذ قرابة 9 سنوات. إذ نفذوا مبادرتهم المشتركة الأولى في يوليو 2017، من خلال تنظيم برنامج تدريبي للمدافعين الليبيين عن حقوق الإنسان حول التعبير الفني. شارك في البرنامج التدريبي 8 ليبيين/ات، عملوا على تصوير واقعهم وتحدياتهم ضمن أعمال فنية مبتكرة ومتنوعة، بما في ذلك الأفلام الوثائقية، والروائية، والرسوم المتحركة، والتجريبية.

  9. فاطمة العيساوي، الإعلام المصري في مرحلة الانتقال: باسم النظام.. باسم الشعب؟، (لندن: بوليس، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، 2014) https://researchonline.lse.ac.uk/id/eprint/59868/1/El-Issawi_Egyptian-Media-Under-Transition_2014_pub.pdf

  10. كارول سيجمان، «عودة الدولة والأشكال الجديدة للهيمنة في روسيا: حالة التعليم العالي»، المجلة الفرنسية للعلوم السياسية (Revue française de science politique)، المجلد 66، (2016): ص. 915-936.

  11. أيفكس عن مراسلون بلا حدود، قانون حول الجريمة السيبرانية في مصر: مراسلون بلا حدود تدين شرعنة الرقابة على الإنترنت، 24 أغسطس 2018. https://bit.ly/4xypXdT

  12. موقع مسار، مواقع الوب المحجوبة في مصر، 23 سبتمبر 2020، أخر تحديث في 27 أبريل 2021 https://bit.ly/44fUPT4

  13. إليسا ميلر، مصر تتصدر مشهد الرقابة على الإنترنت في جميع أنحاء الشرق الأوسط، المجلس الأطلسي، 2018. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/egypt-leads-the-pack-in-internet-censorship-across-the-middle-east/

  14. منظمة العفو الدولية، تونس: تدهور حقوق الإنسان على مدى عام منذ هيمنة الرئيس على السلطة، لندن، 2022 https://www.amnesty.org/ar/documents/mde30/5876/2022/ar/

  15. المرجع السابق

  16. كرم كرم، التوازن الهش في لبنان: التوتر الداخلي والضغط الخارجي، المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط IEMed))، 2023. https://www.iemed.org/publication/the-fragile-balance-in-lebanon-domestic-tension-and-foreign-pressure/

  17. معهد الدوحة للدراسات العليا، الانتفاضة اللبنانية: الأسباب والتداعيات، وحدة الدراسات السياسية، 23 أكتوبر 2019. https://www.dohainstitute.org/en/PoliticalStudies/Pages/The-Lebanese-Uprising.aspx

  18. جورج يوديس، ذرائعية الثقافة: استخدامات الثقافة في العصر المعولم، (دورهام، نورث كارولاينا: مطبعة جامعة ديوك، 2003).

  19. المرجع السابق

  20. إ. بلفيوري وأ. بينيت، إعادة التفكير في الآثار الاجتماعية للفنون، المجلة الدولية للسياسات الثقافية، المجلد 13، العدد 2، (2007): ص. 135-151. https://doi.org/10.1080/10286630701342741

  21. المرجع السابق.

  22. جينتاري روكشينايتي، دور السياسة الثقافية في الحفاظ على حرية الإبداع الفني، (أطروحة ماجستير، جامعة آلتو، 2023)، مستودع آلتودوك (Aaltodoc). https://aaltodoc.aalto.fi/server/api/core/bitstreams/5707909b-1e2e-41dc-9e11-1ca2b3b1e70d/content

  23. كارين فان نيوكيرك، الألفية الجديدة: أداء التقوى، الجزء الثالث، كتاب أداء التقوى: المطربون والممثلون خلال الصحوة الإسلامية في مصر، (أوستن: مطبعة جامعة تكساس، 2013)، ص. 192.

  24. المرجع السابق، ص. 192-193.

  25. كيم ويست، فن حر ينشد مجتمعًا حرًا: حول حرية الفن والاستقلالية كمشروع، المجلة الاسكندنافية لعلم الجمال، العدد 65، (2023): ص. 8-48.

  26. المرجع السابق

  27. جاك رانسيير، سياسات علم الجمال: توزيع المحسوس، ترجمة وتحرير جابرييل روكهيل، (لندن: كونتينيوم، 2004). https://selforganizedseminar.wordpress.com/wp-content/uploads/2012/10/rancic3a8re-jacques-politics-aesthetics-distribution-sensible-new-scan.pdf

  28. المرجع السابق

  29. الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، صكوك حقوق الإنسان، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights

  30. الأمم المتحدة، المعايير الدولية: المقرر الخاص في مجال الحقوق الثقافية. https://www.ohchr.org/ar/special-procedures/sr-cultural-rights/international-standards

  31. ميميتا، الرقابة والمضايقات في المشهد الفني اللبناني، 1 أبريل 2025 https://www.mimeta.org/mimeta-news-on-censorship-in-art/2025/4/1/censorship-and-harassment-in-lebanons-arts-scene

  32. المرجع السابق.

  33. هيومن رايتس ووتش، تونس: التقرير العالمي 2026، (نيويورك: هيومن رايتس ووتش، 2026)، تاريخ الاطلاع 25 أبريل 2026. https://www.hrw.org/ar/world-report/2026/country-chapters/tunisia

  34. العربي شويخة، الصحافة في تونس: بين الإرث السياسي والطوارئ التاريخية، نواة، 27 يناير 2026، تاريخ الاطلاع 25 أبريل 2026.

  35. طارق عمارة، الحكم غيابيًا على الممثل الكوميدي التونسي العبدلي، والأخير يعلق: الحكم يستهدف حرية التعبير، رويترز، 17 أبريل 2026. https://www.reuters.com/business/media-telecom/tunisian-comedian-abdelli-sentenced-absentia-says-ruling-targets-free-speech-2026-04-17/

  36. منظمة العفو الدولية، تونس: القمع المتصاعد ضد المنظمات الحقوقية يبلغ مراحل خطيرة، 14 نوفمبر 2025. https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2025/11/tunisia-escalating-crackdown-on-human-rights-organizations-reaches-critical-levels/

  37. ثريا جايبيس، السياسة الإعلامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التأثير السياسي للتقارب الإعلامي، دليل الإعلام والثقافة في الشرق الأوسط، ص. 93-106. تحرير ج. ف. خليل، وج. خياباني، وث.جايبيس، وب. يسيل. هوبوكين، نيو جيرسي: وايلي بلاكويل، 2023.

  38. إليسا ميلر، مصر تتصدر مشهد الرقابة على الإنترنت في جميع أنحاء الشرق الأوسط- مرجع سابق.

  39. قانون حول الجريمة السيبرانية في مصر: مراسلون بلا حدود تدين شرعنة الرقابة على الإنترنت- مرجع سابق.

  40. إليسا ميلر، مصر تتصدر مشهد الرقابة على الإنترنت في جميع أنحاء الشرق الأوسط- مرجع سابق.

  41. مبادرة جامعة كولومبيا لحرية التعبير العالمية، صعود السلطوية الرقمية في مصر: اعتقالات التعبير الرقمي 2011 - 2019، 16 نوفمبر 2019. https://globalfreedomofexpression.columbia.edu/publications/the-rise-of-digital-authoritarianism-in-egypt-digital-expression-arrests-from-2011-2019/

  42. رويترز، مصر تستهدف وسائل التواصل الاجتماعي بقانون جديد، 17 يوليو 2018. https://www.reuters.com/article/us-egypt-politics/egypt-targets-social-media-with-new-law-idUSKBN1K722C

  43. ميشيل سيوفوليتي، إعادة هيكلة الفنون والترفية السعودي، معهد دول الخليج العربي، 8 أغسطس 2019. https://agsi.org/analysis/the-restructuring-of-saudi-arts-and-entertainment/

  44. مدى مصر، مملكة الترفيه السعودية العربية: الفن برعاية تركي آل الشيخ، 7 مارس 2019. https://bit.ly/43H5ki3

  45. لمزيد من التفاصيل، راجع الملحق رقم 1 (نبذة حول مشروع تأثير)، والذي أعدته الباحثة في إطار دراسة الحالة، مستندة إلى أوراق المشروع الأساسية.

  46. مقابلة مباشرة مع هند حساسي، منسقة مشروع تأثير (سبتمبر 2023 - يناير 2026)، وجولييت فالي (المنسقة الحالية لمشروع تأثير) في 1 أبريل 2026.

  47. أوجستان فابفييه وموهيا بوشامب وإستر شانون وإيما داران وأنيا مغرفي، الورقة المفاهيمية: كيف يتم تشكيل واستمرار مجتمع الفنانين وصُناع المحتوى الخاص بحقوق الإنسان في منطقة البحر الأبيض المتوسط؟، المشروع الجماعي 2025-2026، (باريس: جامعة باريس 8، ماجستير 2، عوالم متوسطية في خضم حراك؛ يناير 2026، تقرير غير منشور بالتعاون مع الشبكة الأورو-متوسطية في فرنسا).

Share this Post