الداخلية والطوارئ يعوقان مكافحة الإرهاب! المطلوب إخراج أجهزة الأمن من «حضَّانة» الطوارئ!

In مقالات رأي by CIHRS

بهي الدين حسن

إن ما حدث في «دهب» مؤخرًا والعمليات التي حدثت بعدها في شمال سيناء، تضع أجهزة الأمن في قفص الاتهام قبل أي جماعة أو جماعات ارتكبت الهجمات الأخيرة، فقد عجزت هذه الأجهزة عن القيام بدورها، رغم ما تتمتع به في ظل حالة الطوارئ من صلاحيات استثنائية، وسلطات مطلقة وحصانة ضد المحاسبة، وضعتها بالتراكم علي مدار ربع قرن فوق القانون والقضاء والبرلمان، لتصبح مركز القوي الأقوى في البلاد.

من الغريب أن يتم توظيف كل هجوم إرهابي جديد، باعتباره برهانا علي الحاجة لاستمرار نفس حالة الطوارئ الاستثنائية، التي تجد مبررها الوحيد في منع حدوث هذه الأعمال، بينما الواقع يشير إلي أن كل جرائم الإرهاب ومذابحه التي نُفِّذتْ بعد اغتيال السادات جرت في ظل حالة الطوارئ المعلنة بالذات من أجل الحيلولة دونها.. المطلوب ليس بعض التغييرات في الأشخاص، بل لقد آن الأوان لإحداث ثورة شاملة في أجهزة الأمن، التي يبدو أن السلطات المطلقة التي منحت لها لفترة طويلة قد قضت علي الحد الأدنى الضروري من الكفاءة المهنية للقيام بدورها، بدءً من الجرائم اليومية، مرورًا بحماية الكنائس، وأخيرًا مكافحة الإرهاب. لقد خسرنا حقوق الإنسان ولكننا لم نكسب الحد الأدنى من الأمان،

بل توطن الإرهاب في سيناء، وربما يتجه للدلتا الآن.. لقد ظلت أجهزة الأمن تحتفظ بنحو٢٠ ألفاً من المعتقلين بشكل غير آدمي في السجون، وبعضهم أمضي أكثر من ١٥ عاما دون تهمة أو محاكمة، فضلا عن تحصين ممارسات التعذيب ضد أي محاسبة، لتكشف العمليات الإرهابية الجديدة في سيناء عن ولادة جماعات جديدة وجيل جديد ليس له ملفات سابقة لدي الأجهزة الأمنية.. ووفقا لتقارير منظمات حقوق الإنسان في أعقاب العملية الإرهابية الأولي في سيناء في أكتوبر ٢٠٠٤، فإن أجهزة الأمن تطرفت أكثر في وحشيتها وقسوتها المعروفة عنها، الأمر الذي دفع أهالي سيناء إلي استدعاء للذاكرة المقارنة مع كيف تعاملت قوات الاحتلال الإسرائيلي معهم، وتوقع الكثيرون من ذلك أن الإرهاب سيتوطن سيناء، بعد أن وجد تربة خصبة مهيأة لتوظيف عمق مشاعر السخط والنقمة لإشفاء الغليل من أجهزة استباحت النساء والأطفال قبل الرجال، واستهزأت بكل التقاليد والأعراف البدوية.

لصالح من؟

لقد كان بإمكان التقرير السنوي الأخير للمجلس القومي لحقوق الإنسان أن يلعب دوراً في كشف هذا الوضع الكارثي، خاصة أن تقرير بعثة تقصي الحقائق التي كان قد أرسلها إلي سيناء، قد حذرت في تقريرها من الانعكاسات السلبية لممارسات أجهزة الأمن عل شعور المواطن في سيناء بالولاء والانتماء، بل وتوقعت أن المخاطر الإرهابية «ستتفاقم» لهذا السبب. ولكن للأسف الشديد فإن التقرير السنوي للمجلس تجاهل تحذيرات بعثة تقصي الحقائق ؟! تقول اللجنة في ختام تقريرها «سوف يكون من الصعوبة بمكان علي أعضاء اللجنة أن ينسوا مشهد الأم المكلومة وهي تجهش ببكاء مرير لدي حديثها عن ظروف اعتقال ابنها وما تعرض له، ودعوتها القاسية علي كل من أصاب ابنها بسوء، أو ذلك الوالد المسن الذي تحدث في مرارة عما قام به في حرب ١٩٦٧ من إنقاذ لعديد من أفراد القوات المسلحة المصرية من ضباط وجنود مازالوا يتصلون به حتى الآن، فكيف يكون هذا مصير ولده الذي لم يرتكب جرماً؟؟! أو تلك الأم التي ترفض بكل شموخ أن تتحدث عما تعرض له ابنها من تعذيب، لأنها لا تريد أن تفضح وطنها، أو تلك الفتاة التي كفرت بوطنيتها بعد أن شهدت ما تعرض له أشقاؤها. تلك المواقف لابد أن تدخل هي الأخرى في حسابات من يخطط لأمن مصر، لأن أمن الوطن لا يمكن فصله عن حقوق المواطن، ولا تملك اللجنة في هذا الصدد سوي أن تواصل مع آخرين سبقوها قرع أجراس الإنذار». ولكن التقرير السنوي للمجلس القومي بدلاً من أن يقرع جرس الإنذار آثر أن يكتمه ولكن لصالح من؟؟!

عند نهاية كل فترة للعمل بقانون الطوارئ تسعي الحكومة وأجهزة الأمن لتوظيف الأحداث المحلية والدولية ذات الصلة، وخاصةً الأعمال الإرهابية منها، لمنح مشروعية لحالة الطوارئ السارية، أو لقرارات سبق اتخاذها سلفًا بتجديد حالة الطوارئ وتنتظر الوقت المناسب للكشف عنها عبر مجلس الشعب، ولا شك أن الإعلان مؤخراً عن ضبط تنظيم إرهابي ثم العمليات الإرهابية الأخيرة ستلعب دوراً مهماً في تهيئة المناخ لإخراج القرار «البايت» بمد حالة الطوارئ، بل ربما تقنين الحالة المؤقتة في صورة قانون دائم، يحمل عنوانا مختلفا «مكافحة الإرهاب»، لننتظر ربع قرن آخر لاقتلاع الإرهاب من سيناء، وربما لتوطينه في مكان آخر. المطلوب إخراج أجهزة الأمن من «حضَّانة الطوارئ»، ووضع استراتيجية جديدة تقوم علي التوفيق بين اعتبارات الأمن واحترام حقوق الإنسان، حتى لا نظل نخسر الأمن وحقوق الإنسان معاً.

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=14659