بعد حفظ بلاغه ضد المحرضين على قتله.. الحكم على الحقوقي بهي الدين حسن بالحبس لتضامنه مع الأديب علاء الأسواني وانتقاده أداء النيابة العامة

In برنامج مصر ..خارطة الطريق, مواقف وبيانات by CIHRS

القضاء المصري يهين نفسه

أصدرت إحدى المحاكم المصرية حكمًا غيابيًا بحبس مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بهي الدين حسن 3 سنوات وغرامة 20 ألف جنيه، عقابًا له على رأي أبداه على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، انتقد فيه تخلي النائب العام عن دوره كوكيل عن المجتمع، وانحياز النيابة العامة للأجهزة الأمنية في مواجهة المواطنين، وذلك في سياق تضامن حسن مع الأديب المصري علاء الأسواني بعد التعدي السافر على حقوقه كمواطن مصري بمطار القاهرة الدولي في مارس 2018.

من المفارقة أن النائب العام – السابق- الذي أمر بحفظ بلاغ سبق وتقدم به حسن للتحقيق في تحريض أحد الإعلاميين على قتله في برنامجه التليفزيوني، سمح في الشهر نفسه بتحريك دعوى- بناء على بلاغ من مجهول- ضد حسن، معتبرًا تعبيره عن رأيه جريمة تستوجب العقاب والحبس.  وفي هذا السياق يقول حسن “أتمنى أن يبرهن النائب العام الجديد على أن نقدي للنائب العام السابق لا ينطبق عليه، وأنه سيكون بالفعل وكيلاً عن المجتمع والدولة، وليس وكيلاً عن الأجهزة الأمنية يضفي مشروعية قانونية على انتهاكاتها للدستور والقانون وحقوق الانسان“.

كانت النيابة قد اتهمت حسن بـ: إذاعة عمدًا أخبار من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، ونشر عبارات من شأنها الانتقاص من السلطة القضائية والحط من قدرها، والادعاء كذبًا بتخلي النائب العام عن دوره في حماية المجتمع والتصدي لخرق القانون!  وذلك بسبب تغريدة كان نصها: لم تعد مهمة النائب العام في مصر هي وقف انتهاكات الداخلية.. بل صار دوره هو اضفاء الصفة القانونية والقضائية على هذه الجرائم، ولقد تخلى عن دوره كنائب عام يحمي المجتمع ليصير حاميا للاعتداء المنظم اليومي عليه“، مرفق بها تفاصيل توقيف الأسواني في مطار القاهرة وتفتيشه وحاسبه الشخصي، ومصادرة رواية “الغريب” للأديب العالمي البير كامو الحاصل على جائزة نوبل، دون سند قانوني لذلك.

تفاصيل وتطورات القضية -رقم 5530 لسنة 2019 جنح عابدين- تعكس مدي حدة نوازع الانتقام من حقوقيين لا يملكون سوي كلمتهم، والعبث بالقانون وبالقضاء لأغراض سياسية ضيقة. كما توضح الدرك الذي انحدر إليه أداء القضاء المصري منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، لا سيما بعد إقراره تعديلات تشريعية ثم دستورية أحكمت سيطرته وحده على مرفق العدالة بالكامل. فلم يبالغ خبراء الأمم المتحدة عندما وصفوا في أحد تقاريرهم بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم المصرية في السنوات الأخيرة بأنها لا تتوخي العدل، بل تشكل “سخرية بالعدالة“.

يعد الحكم الصادر في هذه القضية في 19 سبتمبر 2019 (الذي لم يعرف به بهي إلا مؤخرا) حلقة جديدة في سلسلة من الإجراءات الانتقامية بحق حسن – وغيره من الحقوقيين المصريين-  بداية من التهديد المباشر بالقتل، مرورًا بالتحفظ على أمواله الخاصة وأموال المركز الذي يديره ووضعه على قوائم ترقب الوصول، فضلاً عن حملات التشهير والتخوين الإعلامية المستمرة بحقه، والتي تخطت حد التحريض على الكراهية إلى حد التحريض على العنف والقتل بشكل مباشر عدة مرات على شاشات التلفزيون. 

فعلى مدى 13 شهرًا من التحقيق في الواقعة (التغريدة) لم تراع النيابة العامة أبسط قواعد القانون، حتى بدا جليًا أن ثمة أوامر سياسية قد صدرت بالإدانة القصوى لحسن تنكيلاً به، وفي أسرع وقت ممكن، حتى ولو أصاب ذلك إجراءات المحاكمة بالعوار بسبب الهرولة. وقد أصدرت المحكمة حكمها – غير المتسق قانونًا-  بالحبس والغرامة، دون أن تكلف نفسها عناء فحص سلامة إجراءات التحقيق- الباطلة قانونًا- فجاء حكمها متعارضًا مع أحكام الدستور وصحيح القانون. 

من جانبه أصدر مركز القاهرة تعليقا قانونيًا مفصلاً يفند المشكلات القانونية في إجراءات التحقيق وطبيعة الاتهامات والحكم في هذه القضية، موضحًا أسباب بطلان التحقيقات برمتها، التي بدأتها النيابة العامة دون الحصول على تصريح كتابي من مجلس القضاء الأعلى باعتباره أكبر سلطة في الهيكل القضائي (المجني عليه في هذه الحالة) على النحو الذي يقره القانون. هذا بالإضافة إلى تعارض الحكم مع صحيح الدستور الذي حظر – المادة 71- توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، ناهيك عن تطبيق الحكم المعيب للمادة 32 من قانون العقوبات بشأن العقوبة المقررة والتي جاءت غير متناسبة مع لائحة الاتهام وما يقره القانون بشأن الاكتفاء بالعقوبة الأشد قسوة دون الجمع بين عقوبة أكثر من جريمة. 

لقد تعمدت السلطة القضائية بجناحيها (النيابة والقضاء) استخدام كافة السبل غير المشروعة لإدانة حسن، ضاربة بالقانون عرض الحائط، في مثال واضح يعكس كيف هيمنت السلطة التنفيذية بأوامرها على كافة أذرع السلطة القضائية حتى باتت أحد أهم أدوات النظام الحالي لتصفية الحساب مع الحقوقيين وخصومه السياسيين والانتقام منهم بمعزل عن أحكام الدستور ومقتضيات القانون.

 العبث بسيادة القانون أساس الحكم في مصر

 

تعليق قانوني على القضية رقم 5530 لسنة 2019 جنح عابدين

المقيدة برقم 13 لسنة 2018 حصر تحقيق استئناف القاهرة

المقيدة برقم 3 لسنة 2019 كلي جنح صحفية وسط القاهرة

بمعاقبة بهي الدين حسن بالحبس مع الشغل 3 سنوات

 

محمد الأنصاري

الباحث القانوني بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

مدخل للقضية

في يونية 2019 أحالت النيابة العامة مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، للمحاكمة الجنائية بسبب نشره منشور (للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان) على صفحته الشخصية على موقع تويتر الإلكتروني، في 22 مارس2018، مصحوبًا بتعليق ينتقد فيه مسلك النائب العام في التستر على انتهاكات وزارة الداخلية، على إثر توقيف الكاتب والروائي علاء الأسواني في مطار القاهرة لأكثر من ساعتين وتفتيشه ومصادرة أحد كتبه ورواية “الغريب” للأديب الفرنسي ألبير كامو، علاوة على تفتيش جهاز الكمبيوتر خاصته دون مبرر قانوني لذلك.

اسندت النيابة العامة لحسن تهم: إذاعة عمدًا أخبارًا من شأنها تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، ونشر بإحدى طرق العلانية -على صفحته بموقع تويتر الإلكتروني- عبارات من شانها الانتقاص من شأن السلطة القضائية والحط من قدرها، ونشر بسوء القصد -بإحدى طرق العلانية- أخبارًا كاذبة من شأنها تكدير السلم العام أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة بأن حرر على صفحته بموقع تويتر مشاركة تتضمن الادعاء كذبًا بتخلي النائب العام عن دوره في حماية المجتمع والتصدي لخرق القانون.

شابت التحقيقات التي استمرت لمدة خمسة عشر شهرًا – من تاريخ الواقعة في مارس 2018- العديد من الخروقات القانونية، يأتي في مقدمتها عدم تضمين ملف الدعوى نص البلاغ المقدم للنائب العام -من مجهول- يطالب باتخاذ الإجراءات القانونية ضد حسن ومعاقبته بسبب انتقاده لمسلك النائب العام في واقعة توقيف الأسواني، واتخاذ النيابة العامة إجراءات التحقيق في مواجهة حسن- بما في ذلك ندب خبراء بالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات لفحص حسابه على موقع توتير لبيان حقيقة بيانات مستخدمه وما يقوم بنشره فيما يتصل بموضوع الدعوى- قبل الحصول على طلب كتابي من مجلس القضاء الأعلى للبدء في إجراءات التحقيق في الدعوى كأحد الاستثناءات المقيدة لحرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ورفعها إلى قضاء الحكم في بعض الجرائم والتي من بينها إهانة السلطة القضائية الموجهة إلى حسن، الأمر الذي التفتت عنه النيابة العامة وشرعت في إجراء التحقيق بالمخالفة للقانون.

حُددت جلسة 19 سبتمبر 2019 لمحاكمة بهي الدين حسن أمام الدائرة (30) جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمد على الفقي التي أصدرت حكمها الغيابي بالحبس مع الشغل لمدة ثلاث سنوات وغرامة عشرون ألف جنيه عما هو منسوب إليه، وألزمته بالمصروفات الجنائية.

غضت المحكمة الطرف عن أحكام الدستور المانعة للعقوبات السالبة للحريات في جرائم النشر، وعن الإجراءات القانونية الباطلة من جانب النيابة العامة، إذ كان يتعين عليها قبل إصدار حكمها المعيب التأكد أولا من صحة الإجراءات، هذا بالإضافة إلى ارتكاب المحكمة مخالفات قانونية جسيمة تتعلق ببديهيات توقيع العقوبة عند تعدد الجرائم على النحو الذي سيأتي لاحقًا.

يلقي هذا التعليق القانوني الضوء على أبرز الخروقات التي شابت هذه القضية خلال فترة التحقيق، ويبرز بالدلائل كيف عبثت النيابة العامة بالقانون وتسترت السلطة القضائية على ذلك عمدًا أو جهلًا. بالإضافة إلى تحليل منطوق الحكم الصادر ضد مدير مركز القاهرة وما شابه من عوار وخلل قانوني، لا سيما في ضوء أحكام الدستور المصري الذي طالما دأبت سلطات الدولة الثلاث على انتهاكه منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم بهدف تطويع القانون لأغراض سياسية.

 

أولا: الخروقات القانونية التي شابت تحقيقات النيابة

  • البدء في اجراءات التحقيق قبل الحصول على طلب من مجلس القضاء الأعلى

الأصل أن النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل بتحريك الدعوى الجنائية، وذلك بإجراء التحقيق بنفسها أو بمن تنتدبه لذلك من مأموري الضبط القضائي، أو بطلب قاض للتحقيق، أو بتكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة الجنائية المختصة لمحاكمته. إلا أنه واستثناءًا من ذلك وضع قانون الإجراءات الجنائية بعض القيود على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية في بعض الجرائم- ومنها جريمة إهانة السلطة القضائية الموجهة لبهي الدين حسن- ورفعها إلى قضاء الحكم.

وقد أفصح المشرع عن قصده من تقييد حق النيابة في رفع الدعوى الجنائية على صور ثلاث: (الشكوى) وقصد بها حماية صالح المجني عليه الشخصي، (والطلب) ويصدر من هيئة عامة بقصد حمايتها سواء بصفتها مجنيًا عليها أو بصفتها أمينة على مصالح الدولة العليا، (والإذن) وقد أريد به حماية شخص معين ينتسب إلى إحدى الهيئات التي قد يكون في رفع الدعوى عليه مساس بها بما لها من استقلال.[1] ومن ثم فأن الطلب ينصرف إلى الجريمة ذاتها، فينطوي على تصريح باتخاذ إجراءات التحقيق أو رفع الدعوى عنها دون اعتبار لمرتكبها. أما مباشرة الإجراءات قبل شخص معين وإسناد التهمة إليه ورفع الدعوى عليه فهي إجراءات تالية ولا اتصال لها بالطلب الصادر عن الجريمة.[2]

ولما كانت النيابة العامة قد أسندت لمدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان جرائم عدة من بينها إهانة السلطة القضائية، فكان لزامًا على النيابة الانتظار لحين ورود طلب كتابي من مجلس القضاء الأعلى، باعتباره السلطة الأعلى في الهيكل القضائي، كي تسترد حريتها في اتخاذ إجراءات التحقيق في الدعوى المقامة ضده، وذلك عملاً بالمادة 9 من قانون الإجراءات الجنائية التي نصت على عدم جواز رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها في الجرائم المنصوص عليها في المادة 184[3] من قانون العقوبات إلا بناءً على طلب كتابي من الهيئة أو رئيس المصلحة المجني عليها، وفي جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى أو الحصول على إذن أو طلب من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم هذه الشكوى أو الحصول على هذا الإذن أو الطلب….”.

فبمطالعة أوراق الدعوى يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن النيابة العامة قد انتهكت المادة 9 إجراءات جنائية باتخاذ أولى إجراءات التحقيق بتاريخ 31 مارس 2018 حين طلبت أحد السادة الضباط المختصين بالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات لجلسة تحقيق يوم الثلاثاء الموافق 3 أبريل 2018[4]. وفي جلسة أبريل، حضر ضابط مهندس محمد طه محمد بدر المنتدب من النيابة العامة، وبعد حلف اليمين شرع في فحص الحساب المعنون “Bahey eldin Hassan” لبيان حقيقة بيانات مستخدمه وما نشره فيما يتصل بالبلاغ موضوع الشكوى، وكذا حقيقة الخبر المنشور على حساب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان على موقع تويتر محل التحقيق والقائم به.[5]

وفي جلسة 9 يونيو 2018 أجرت النيابة العامة تحقيقًا مع الضابط سالف الذكر، والذي قدم صورة من المنشور على موقع تويتر وأقر بأنها تتضمن عبارات إسقاط على السيد المستشار النائب العام،[6] وقدم تقرير فني – من 3 صفحات- حول حساب بهي الدين حسن على موقع تويتر الالكتروني.[7] وفي هذه الجلسة طلبت النيابة العامة تحريات ميدانية من إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات حول الواقعة وشخص مرتكبها، وتحرير محضر بالإجراءات يعرض عليها فور الانتهاء منه.[8]

وقد استمرت النيابة في طلب التحريات منذ جلسة تحقيق 27 يونيو 2018 وحتى ورودها في جلسة تحقيق 15 سبتمبر 2018 وفيها تم التحقيق مع ضابط التحريات إكرامي عبد المنعم إبراهيم حميدة، والذي تم استدعاءه أيضا في جلسة 13 أكتوبر 2018 لسؤاله بشأن معلوماته عن الواقعة محل التحقيق.[9] وفي 6 نوفمبر 2018، حررت النيابة العامة مذكرة شارحة للواقعة تمهيدًا لرفعها أمام النائب العام وعرضها على مجلس القضاء الأعلى لطلب إتخاذ إجراءات التحقيق ورفع الدعوى الجنائية على الجاني إذا لزم الأمر.[10] وفي 13 نوفمبر 2018 أذن مجلس القضاء الأعلى بإتخاذ إجراءات التحقيق بحق بهي الدين حسن ورفع الدعوى الجنائية على الجاني إذا لزم الأمر.[11]

ولما كانت المادة 9 إجراءات جنائية واضحة الدلالة لا لبس فيها تعد تعبيرا صادقًا عن إرادة المشرع ولا يجوز الإنحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيا كان الباعث على ذلك وأنه لا محل للاجتهاد إزاء صراحة النص الواجب التطبيق،[12] فأن الحصول على طلب كتابي من مجلس القضاء الأعلى بشأن التحقيق مع حسن في نوفمبر 2018 لا يمت للقانون بصلة. فبحسب المادة 9 قررت صراحة في فقرتها الأولى بأنه “لا يجوز رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها“، وفي فقرتها الثانية بأن “وفي جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى أو الحصول على إذن أو طلب من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم هذه الشكوى أو الحصول على هذا الإذن أو الطلب”، فهنا اتجهت إرادة المشرع إلى أن القيد الوارد على حرية النيابة في اتخاذ إجراءات التحقيق ورفع الدعوى إلى قضاء الحكم مرتبط بالوقائع وليس بشخص المتهم، ومن ثم لا يتربط هذا الطلب بسؤال أو استجواب المتهم عن الاتهامات المسندة إليه.

وبناء عليه فقد ارتكبت النيابة العامة خطأ جسيمًا بأن شرعت في إجراءات التحقيق وندب خبير في الدعوى –الضابط بإدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات- دون الحصول أولاً على طلب كتابي من مجلس القضاء الأعلى، الأمر الذي يهدد كافة إجراءات الدعوى اللاحقة ايضًا بالبطلان لتعلقه بالنظام العام واتصاله بشرط أصيل لازم لتحريك الدعوى الجنائية ولصحة اتصال المحكمة بالواقعة.

فلقد استقر الفقه الجنائي على أنه يترتب على تقديم الطلب الكتابي من الجهة التي ناط بها القانون ذلك رفع القيد الإجرائي الذي يغل يد النيابة العامة في اتخاذ الاجراءات فتسترد حريتها كاملة في اتخاذ الإجراءات في شأن الواقعة أو الوقائع التي صدر عنها. هذا ولا يترتب على تقديم الطلب تصحيح الإجراءات التي قد تكون النيابة العامة قد باشرتها قبل تقديم الجهة التي حددها القانون للطلب. ومع ذلك فينبغي أن يلاحظ أن ما يترتب على تقديم الطلب هو مجرد رفع العقبة الإجرائية التي كانت تحول بين النيابة العامة وبين حريتها في اتخاذ الإجراءات.[13] وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية بقولها “الطلب لا يحدث أثره إلا بالنسبة للوقائع التي وردت به، فمتى صدر الطلب ممن يملكه قانونًا حق للنيابة العامة اتخاذ الإجراءات في شأن الواقعة أو الوقائع التي صدر عنها وصحت الإجراءات بالنسبة إلى سائر ما قد تتصف به من أوصاف قانونية يتوقف رفع الدعوى الجنائية على طلب بشأنه من أي جهة كانت.”[14]

واستقرت أحكام محكمة النقض المصرية على أن “لما كانت الفقرة الثانية من المادة 9 من قانون الإجراءات الجنائية إذ نصت على أنه فى جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى أو الحصول على إذن أو طلب من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم هذه الشكوى او الحصول على هذا الإذن أو الطلب. فإن مفاد هذا النص فى واضح عبارته وصريح دلالته وعنوان الفصل الذى وضع فيه – فى شأن الجرائم التي يشترط القانون لرفع الدعوى الجنائية فيها تقديم شكوى أو الحصول على إذن أو طلب من المجنى عليه أو غيره – أنه لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية أو مباشرة أى أجراء من إجراءات بدء تسييرها أمام جهات التحقيق أو الحكم قبل تقديم الشكوى أو الحصول على إذن أو الطلب من الجهة التي ناطها القانون به فإذا ما حركت الدعوى الجنائية سواء بتحقيق أجرته النيابة العامة بوصفها سلطة تحقيق أو برفع الدعوى الجنائية أمام جهات الحكم قبل اتمام الإجراء الذى تطلبه القانون فى هذا الشأن وقع ذلك الإجراء باطلا مطلقا متعلقا بالنظام العام لاتصاله بشرط أصيل لازم لتحريك الدعوى الجنائية ولصحة اتصال المحكمة بالواقعة ويتعين على المحكمة أن تقتضى به من تلقاء نفسها وتبطل إجراءات التحقيق كافة ما تعلق منها بشخص المتهم كالقبض عليه أو حبسه أو ما لم يكن منها ماسا بشخصه كسؤال الشهود.[15]

وعليه، كان يتعين على جهات التحقيق عدم إتخاذ أي من إجراءات التحقيق في الدعوى إلا بعد الحصول علىى طلب من مجلس القضاء الأعلى، ومن ثم يصبح قراراها بندب (الضابط بإدارة مكافحة جرائم الحسابات وشبكات العلومات بالادارة العامة لتكنولوجيا المعلومات) باعتباره خبير بالدعوى بجلسة تحقيق 3 أبريل 2018 باطلاً بطلانًا مطلقًا كونه تم قبل الحصول على طلب كتابي من مجلس القضاء الأعلى بسبعة أشهر على الأقل. وكذا إجراءات سماع شهود الإثبات (الضباط سالفي الذكر) في الدعوى دون الحصول على الطلب المشار إليه.

جدير بالذكر أنه لا يجوز للنيابة العامة التعلل بتعدد الجرائم المرتكبة من قبل حسن حتى يتسنى لها الشروع في اتخاذ إجراءات التحقيق في الدعوى، وأن بعض هذه الجرائم لا يدخل ضمن القيود الواردة على حريتها في ذلك، لأن الجرائم جميعها مرتبطة ارتباطًا لا يقبل التجزئة، والعبرة فيها بالجريمة الأشد عقوبة، والتي تتمثل في هذه الحالة في جريمة إهانة السلطة القضائية. وهذا ما  أكدته محكمة الجنايات (مصدرة الحكم) نصًا: “وحيث أن الجرائم المُسندة للمتهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا لا يقبل التجزئة، الأمر الذي يوجب اعتبارهم جريمة واحدة ومعاقبته في شأنهم بعقوبة الجريمة الأشد إعمالا لنص المادة 32 من قانون العقوبات.”[16]

 

ثانيا: تناقض الحكم الصادر بالقضية مع أحكام الدستور وبديهيات القانون:

حظرت المادة 71 من الدستور بموجب فقرتها الثانية توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، واستثنت من ذلك الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد. وبذلك أقر الدستور حق المشرع في العقاب على جرائم النشر، شريطة ألا تصل العقوبة، في غير ما استثنى النص، إلى العقوبات السالبة للحرية،[17].ومن ثم فإن توقيع عقوبات سالبة للحرية- حبس 3 سنوات مع الشغل- ضد بهي الدين حسن في واقعة نشر لا تشكل تحريضًا على عنف أو التمييز أو الطعن في الأعراض يعد تجاوز على النص الدستوري.

هذا بالإضافة لما شاب الحكم من خروقات لبديهيات تطبيق القواعد القانونية بما يصمه بالبطلان ومخالفة القانون، وهو ما نجمله في آمرين. الأول تجاهل المحكمة لبطلان إجراءات التحقيق بما يعكس رغبتها في الإدانة والثاني تطبيق الحكم المعيب لنص المادة 32 من قانون العقوبات، وذلك على النحو التالي:

  • تجاهل المحكمة لبطلان إجراءات التحقيق

من بديهيات إصدار الأحكام القضائية إلمام المحكمة بوقائع الدعوى المعروضة عليها، فكان على المحكمة أن تبحث في مدى صحة إجراءات التحقيق في الدعوى المقامة ضد حسن قبل إصدار حكمها، ذلك لأنه من ظاهر أوراق القضية ارتكاب النيابة العامة مخالفات جسيمة تتعلق بالنظام العام، ومن ثم كان لزاما على المحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها وتبطل إجراءات التحقيق كافة. إلا أنها لم تكلف نفسها عناء البحث في صحة هذه الإجراءات واستمرت في نظر الدعوى بصورة تؤكد ميل المحكمة نحو الإدانة وليس التأكد من صحة الإجراءات وتوفير ضمانات المحكامة العادلة.

  • التطبيق المعيب للمادة 32 من قانون العقوبات

تنص المادة 32 من قانون العقوبات في فقرتها الأولى على أن “إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها.” ومن ثم فقد دلت الفقرة ‏بصريح عباراتها على أنه فى الحالة التي يكوِّن فيها الفعل الواحد عدة أوصاف يجب اعتبار الجريمة التي ‏تمخض عنها الوصف أو التكييف القانوني الأشد للفعل والحكم بعقوبتها وحدها دون غيرها من الجرائم التي ‏قد تتمخض عنها الأوصاف الأخف والتي لا قيام لها البتة مع قيام الجريمة ذات الوصف الأشد؛ إذ يعتبر ‏الجاني كأن لم يرتكب غير هذه الجريمة الأخيرة.[18]

ولما كانت العبرة في جسامة العقوبة في حكم المادة 32 عقوبات، هي النظر إلى نوعها بحسب ترتيب العقوبات الأصلية،[19] وحيث أن العقوبة المقررة لجريمة إهانة السلطة القضائية بحسب نص المادة 184 من قانون العقوبات هي (الحبس وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحداهما)، وكانت العقوبة المقررة لجريمة إذاعة أخبارًا من شأنها تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة وفقا للمادة 102 مكرر/1 عقوبات هي (الحبس وغرامة لا تقل عن خمسين جنيه ولا تزيد على مائتي جنيه)، وكانت العقوبة المقررة لجريمة سب موظف عام وفقا للمادة 185 عقوبات (الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه)، وكانت العقوبة المقررة لجريمة نشر أخبارا كاذبة من شأنها تكدير السلم العام أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة بحسب المادة 188 عقوبات (الحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين آلف جنيه أو بإحداهما)، فقد كان لزاما على المحكمة الأخذ بالعقوبة المقررة لجريمة إهانة السلطة القضائية باعتبارها الجريمة الأشد عملاً بالمادة 32 فقرة أولى، وبالتالي كان من المفترض أن تكون العقوبة المحكوم بها الحبس وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه. إلا أن المحكمة اختلقت عقوبة جديدة بتقريرها عقوبة الحبس المقررة لجريمة إهانة السلطة القضائية والغرامة عشرون ألف جنيه كحد أقصى مقرر لجريمة سب موظف عام!

خلاصة القول، يتضح مما سبق بيانه أن السلطة القضائية بجناحيها (النيابة والقضاء) استخدمت كافة السبل غير المشروعة لإدانة بهي الدين حسن، ضاربة بالقانون عرض الحائط رغم وضوح وعدم التباس قواعده في هذا السياق.

ومن ناحية أخرى يفسر هذا الحكم بجلاء ما آل إليه مرفق العدالة في مصر منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم، حيث أضحت إدانة المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين هدفًا مقصودًا بذاته بمعزل عن أحكام الدستور ومقتضيات القانون.


[1] محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 1900 لسنة 32 قضائية، صادر بجلسة 25 أكتوبر 1965، مكتب فني 16، جزء 3، صـ 743.
[2] محكمة النقض المصرية، المصدر السابق.
[3] تنص المادة 184 من قانون العقوبات على أن “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أهان أو سب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها مجلس الشعب أو مجلس الشورى أو غيره من الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة.”
[4] صفحة 11 من ملف التحقيقات.
[5] صفحة 15 من ملف التحقيقات.
[6]  صفحة 17 من ملف التحقيقات.
[7] صفحة 19 من ملف التحقيقات.
[8]  صفحة 23 من ملف التحقيقات.
[9] الصفحة 31- 35 من ملف التحقيقات.
[10]  جلسة تحقيق 13 أكتوبر 2018، صفحة 35 من ملف التحقيقات.
[11]  صفحة 5 من ملف التحقيقات.
[12] محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 29798 لسنة 70 قضائية، صادر بجلسة 7 نوفمبر 2001، مكتب فني 52، جزء 0، صـ 837.
[13] محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الثانية 1994.
[14] نقض 3 أبريل 1978، سنة 29 قضائية 67 صـ 253، مشار إليه في د. محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، مرجع سابق.
[15] محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 5615 لسنة 60 قضائية، صادر بجلسة 7 يناير 1992، مكتب فني 43، الجزء 1، صـ 93. الطعن رقم 17104 لسنة 59 قضائية، صادر بجلسة 15 يونيو 1993، مكتب فني 44، الجزء 1، صـ 602. الطعن رقم 29798 لسنة 70 قضائية، صادر بجلسة 7 نوفمبر 2001، مكتب فني 52، الجزء 0، صـ 837.
[16] محكمة جنايات القاهرة، الدائرة 30 جنوب القاهرة، الحكم في القضية رقم 5530 لسنة 2019 جنح عابدين، صـ 6.
[17]  المحكمة الدستورية العليا، الطعن رقم 139 لسنة 29 قضائية، صادر بجلسة 13 يناير 2018، صـ 35.
[18] محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 4123 لسنة 57 قضائية، صادر بجلسة 10 مارس 1988، مكتب فني 39، الجزء 1، صـ 397. الطعن رقم 29161 لسنة 72 قضائية، صادر بجلسة 1 يناير 2008، مكتب فني 59، صـ 26.
[19] في الجنايات (الإعدام، السجن المؤبد، السجن المشدد، السجن)، وفي الجنح (الحبس والغرامة).

This post is also available in: English