السودان: لحظة تفكك نهائي للدولة الوطنية أم فرصة أخيرة لإعادة البناء؟

في برنامج نشر ثقافة حقوق الإنسان, صالون بن رشد

تحت عنوان «السودان اليوم.. هل هي لحظة تفكك نهائي للدولة الوطنية أم فرصة أخيرة لإعادة البناء؟» نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لقائه الشهري ضمن صالون بن رشد في مطلع ديسمبر 2025، مستضيفًا الكاتب الصحفي ووزير الإعلام السوداني الأسبق فيصل محمد صالح، والمحامي الحقوقي والمدير التنفيذي للمركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام مساعد محمد علي، والناشط السوداني والباحث في حقوق الإنسان والأنثروبولوجيا السياسية عبد المنعم الجاك، وأدار النقاش الحقوقي التونسي مسعود رمضاني.

طرح الصالون مجموعة من التساؤلات حول الأسباب التي دفعت السودان إلى مصير الحرب البائس بعد ثورة جددت الأمل في التغيير في 2019، وطبيعة أدوار الأطراف الضالعة في هذا الصراع، سواء سودانية أو إقليمية أو دولية. كما تطرق الصالون للأفق المطروحة لحل هذا الصراع، سواء من خلال الآلية الرباعية، أو القرارات الأممية والدولية ذات الصلة، أو الضغوط الإقليمية والدولية على الأطراف المتحاربة. وفي هذا السياق افتتح فيصل صالح كلمته بأن ثمة لحظة وفرصة يمكن اغتنامها الآن وهي لحظة الإنهاك المتبادل التي أصابت طرفي الصراع (القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع) متوقعًا أن يكونا الآن أكثر استعدادًا لوقف الاقتتال ولو مؤقتًا بعدما خارت قوتهما في الحرب المتواصلة.

بدأت الحرب في السودان محلية بين أطراف سودانية حول السلطة والموارد، كما وصفها عبد المنعم الجاك؛ لكن التدخلات الإقليمية والدولية وسعت من نطاقها ودعمت أطرافها بشكل عزز من قدرة طرفي الصراع على مواصلة القتال. لذلك يفترض الجاك أن ميزة أن تقود الرباعية عملية الوساطة لإنهاء الحرب هو وجود الدول ذات المطامع في قلب خطة الحل، فربما يتحول موقفها من متهم بدعم الحرب إلى شريك في دعم السلام، لكن ليس فقط السلام ولكن أيضًا إعادة الإعمار. وبالمثل يرى فيصل صالح أن هذه الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لطرفي النزاع هم جزء أساسي في أي حل أو خطة لإنهاء الصراع. ومن ثم، فانخراط الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها القوة الدولية الأكبر والأقوى، ومصر والإمارات والسعودية، باعتبارهم القوى الإقليمية الأكثر دعمًا لطرفي النزاع، يعد أمرًا ضروريًا في أي خطة تسوية، إذ أنهم أطراف بدرجة ما في النزاع ومشاركتهم في الحل يضع عليهم التزام بتطبيقه والتوقف عن تقديم الدعم للحرب وأطرافها. لكن فيصل حذر في الوقت نفسه من أن هذه القوى الإقليمية تخشى من أن يحرض أي تحول ديمقراطي نحو الحكم المدني في السودان تحولات مماثلة في دول الجوار. فرغم أن التجربة السودانية في الحكم المدني قصيرة؛ لكنها عمقت إيمان الشعب السوداني بالحرية والتخلص من الأيدولوجيات الحاكمة سواء دينية أو عسكرية، وهو ما تخشاه معظم القوى الإقليمية المنخرطة اليوم في الصراع.

إلا أن حل القضية لا ينطوي فقط على إنهاء الحرب، وإنما ضرورة محاسبة كلا الطرفين على الانتهاكات الجسمية والجرائم البشعة المرتكبة بحق الشعب السوداني، وهو ما يتشكك المحامي مساعد محمد علي في أن تسعى إليه الولايات المتحدة، لا سيما في ضوء تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، بل والرئيس الأمريكي نفسه، والتي لا تنطوي على أكثر من إشارة «بسيطة وخجولة» إلى ضلوع طرفي النزاع في السودان في ارتكاب الفظائع نفسها. وبحسب مساعد، المحاسبة تحتاج إرادة وطنية تضمن عدم تكرار الإفلات من العقاب، لكنها تتطلب أيضًا إرادة دولية لتوقيع عقوبات وتنفيذها، وهو أمر لا يزال غائبًا عن معظم التسويات المطروحة للنزاع اليوم. ورغم أن مساعد يفترض أن وحشية الفظائع المرتكبة في هذا الصراع ضاعفت من الرغبة والإرادة الشعبية السودانية المتطلعة لمحاسبة الجناة، بسبب توسع نطاق الجرائم والانتهاكات في كل مناطق السودان، لكن ثمة عراقيل أخرى تتعلق بالتنفيذ وعجز الآليات المحلية والوطنية عن تطبيق المحاسبة. لذا لابد من وجود آلية بديلة للقضاء الوطني، علمًا بأن القضاء الدولي كالمحكمة الجنائية الدولية بطيء جدًا.

وإلى جانب المحاسبة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، ينبغي أن تنطوي خطة الحل أيضًا على تصور حول كيفية إدارة شئون البلاد، وإحياء فكرة الدولة الوطنية القوية المتماسكة، غير المهددة بالانفصال والتقسيم والصراع. وفي هذا السياق يتشكك عبد المنعم الجاك من إمكانية تدارك الخطة الرباعية أو غيرها لحزمة من القضايا التي شكلت منذ البداية أسباب الصراع بين الأطراف السودانية وبعضها البعض، بل وكانت سببًا في الأطماع الإقليمية والدولية التي غزت هذا الصراع. فطالما بقيت السودان دون جيش وطني مهني واعي، أو قيادة سياسية مدنية قادرة على إدارة التعدد والتنوع في المجتمع السوداني؛ ستتواصل الحروب والنزاعات بين المؤسسة العسكرية ومصالحها المهيمنة على ثروات البلاد ومواردها، وبين مساعي الحركة الإسلامية ونظام المؤتمر الوطني لاستعادة السلطة.

وفي هذا الإطار سلط الجاك الضوء بشكل أكبر على قضية الموارد الطبيعة باعتبارها قضية مركزية في الحرب والمطمع الرئيسي لكل الأطراف المنخرطة فيها. فبين حرص الأمارات على السيطرة على الموانئ، واستحواذ مصر على السمسم السوداني، والمطامع الإقليمية الممتدة في الثروات الطبيعية السودانية، يعتبر الجاك أن ثمة ضرورة لتوقيع اتفاقيات وبروتكولات تنظم التعاون الاقتصادي والتنموي والعلاقات التجارية مع هذه الدول ذات المطامع الواسعة، بما يضمن حقوق السودانيين، بدلاً من السعي لتمديد الحرب ودعمها لضمان استمرار الاستحواذ على هذه الثروات. فبحسب الجاك، دعم الحرب لا ينطوي فقط على دعم عسكري، فرغم حقيقية ضلوع الإمارات في الإمداد العسكري والسياسي للدعم السريع، وتلقي القوات المسلحة السودانية دعم عسكري وسياسي وإعلامي من مصر وإيران وتركيا وقطر. لكن تظل مسألة حصول طرفي الحرب على السلاح من الخارج أمر شائع ومتبع من قبل اندلاع هذه الحرب، فكلا الطرفين لديهم ترسانة أسلحة ضخمة، والأمداد مستمر لخزائنهم منذ أكثر من 13 عام.

أما عن دور المجتمع الدولي، فبينما أشار فيصل صالح إلى قدرة المجتمع الدولي على كشف الانتهاكات وتوثيقها، إلا أنه شدد على أن دوره يتجاوز مسألة التوثيق. فرغم رصد وتوثيق استخدام الأسلحة الكيماوية، وكذا انتهاكات الفاشر المروعة التي وثقتها منظمات دولية وجامعات بالصور؛ فإن اللجنة الأممية جمعت شهادات موثقة ومسجلة أكدت تورط كلا الطرفين في عمليات استهداف وتصفية على أساس عرقي وأثني وجهوي، وتورطهما في قصف المدنيين واغتصاب النساء وقتل الأطفال، واستخدام التجويع وقطع الخدمات كأسلحة حرب، وغيرها من الجرائم المروعة الموثقة التي تصل حد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لكن تبقى آليات فرض العقوبات وتنفيذها معطلة وبطيئة، وهو أمر يجب الإصرار عليه وعدم التفريط فيه، فهذه الحرب التي «بلا سقف إنساني أو أخلاقي» ينبغي ألا تمر دون محاسبة.

واختتم الجاك، بأن منهج الصفقات قد يؤدي للوقف المؤقت للصراع في السودان ولكن دون ضمان المحاسبة واستعادة الحكم المدني وإبعاد أطراف الصراع وإقصائهم عن أي جهة حكم للبلاد لن تنتهي حرب السودان. محذرًا من خطورة فشل مباحثات الرباعية والتي قد تكون بداية موجة ثالثة أشد عنفًا وضراوة وسبب في تجدد الحرب ليس فقط داخل السودان ولكن تفتتها وتشرذمها في الدول المجاورة.

شاهدوا الندوة كاملة هنا:

Share this Post