عن التعذيب في مصر وأبو غريب

In صالون بن رشد by CIHRSLeave a Comment

tortureinegypt.net

وجه نشطاء وحقوقيون وسياسيون هجوما حادا على سياسة الحكومة المصرية وتقاعسها تجاه ممارسات التعذيب وطالبوا بوقف فوري لظاهرة التعذيب التي استشرت في الأقسام والسجون المصرية. كما ألقوا باللوم على ما تمارسه وسائل الإعلام العربية من صمت وتواطؤ على جرائم التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي التي تقع من جانب السلطات المحلية بينما يعلو صوت الإعلام فقط عندما تقع مثل هذه الانتهاكات على يد أطراف أجنبية.
وقارن بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بين الاهتمام الواسع الذي أبرزته وسائل الإعلام العربية بممارسات التعذيب التي جرت على أيدي قوات الاحتلال الأمريكية في سجن أبو غريب بالعراق في حين أنها لم تول الحد الأنى من الاهتمام بوجود ممارسات لا تقل بشاعة في السجون العربية والمصرية؛ معتبرا أن ذلك يكشف عن وجود ازدواجية في المعايير في الإعلام العربي والمصري.
وقال بهي في ندوة نظمها مركز القاهرة في إطار صالون بن رشد في الحادي عشر من يوليو بعنوان “التعذيب في أبو غريب والتعذيب في مصر.. ما الفرق؟! إن هذا الأمر ينطبق على تعامل ورصد الإعلام المصري والعربي لقضايا حقوق الإنسان حينما يبرز اهتماما واسعا بالانتهاكات التي تجري على يد قوات أو أطراف أجنبية ويتجاهل هذه الانتهاكات حينما تحدث على أيدي أطراف محلية.
وقال حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان: إن قضية التعذيب حظيت باهتمام واسع في المنطقة العربية لا سيما بعد أحداث سجن أبو غريب، وأرجع ذلك إلى أنه ولأول مرة يرى الناس التعذيب بشكل مباشر وبأعينهم وليس بشكل سماعي كما كان يحدث من قبل، مضيفا بأن ضمير الكاتب والمثقف والصحافة العربية لا يتحرك إزاء تقارير المنظمات العربية الموثقة حول التعذيب في السجون المحلية، ولكنه تحرك بسرعة عندما كان الطرف مرتكب التعذيب أجنبيا كما حدث في أبو غريب، رغم أن تقارير المنظمات العربية تؤكد أن التعذيب سياسة ممنهجة في مختلف البلدان العربية.
وذهب أبو سعدة إلى أنه ومع وجود تحالف دولي لمحاربة الإرهاب فإن هناك تحالفا مماثلا لممارسة التعذيب يتمثل في قيام الولايات المتحدة بالقبض على المواطنين العرب في المهجر وترحيلهم إلى بلدانهم للحصول على المعلومات منهم بالطريقة التي تراها حكوماتهم.
أرجع أبو سعدة انتشار التعذيب في مصر إلى عدة أسباب في مقدمتها: القصور التشريعي في تعريف جريمة التعذيب وإفلات مرتكبيها من العقاب مضيفاً إلى ذلك معضلة إثبات تلك الجريمة حيث لا تعترف المادة 126 من قانون العقوبات إلا بجريمة التعذيب التي تجري بهدف الحصول على اعترافات ولذلك فإنه وطوال العشرين عاما الماضية –والإحصاء لأبو سعدة- لم تكن هناك سوى قضية واحدة عام 1986 التي حوكم فيها 25 ضابطا بتهمة التعذيب ثم بدأ بعد عام 2000 إحالة الضباط المتهمين بالتعذيب إلي القضاء، إلا أن الأحكام لا تتعدى ستة أشهر أو سنة حبساً مع وقف التنفيذ.
دعا أبو سعدة إلى تعديل التعريف التشريعي لجريمة التعذيب بحيث يشمل التجريم مرتكب التعذيب ومن يوافق عليه ومن يقع في محيط سلطاته هذا الفعل، مشيرا إلى أن قانون الإجراءات الجنائية يجعل تحريك الدعاوى في قضايا التعذيب من اختصاص النائب العام، بما يؤدي الى التغطية على معظم حالات التعذيب وإحالة عدد قليل منها إلى القضاء
واعتبر زارع مدير جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أن هناك تشابها بالفعل بين ما يجري في السجون المصرية وما يجري في سجن أبو غريب العراقي، مشيرا إلى دراسة أجرتها الجمعية على 1124 شخصا تعرضوا للتعذيب كشفت عن أنهم تعرضوا لـ 70 لونا من ألوان التعذيب، شملت الضرب والجلد والركل والصعق بالكهرباء والإيذاء الجنسي ومنع الأكل والشرب وإطفاء السجائر في أجساد المسجونين وكيهم بالنار.
أشار زارع إلى أن التعذيب في مصر موجود قبل أبو غريب مبديا أسفه لكون الصحافة المصرية لا تعلن عنه بشكل واضح، مضيفا أن وقائع التعذيب في قضية الإخوان المسلمين الأخيرة أظهرت أن الضباط أمروا بتعذيب بعض المتهمين على طريقة “أبو غريب”.
ولفت زارع النظر إلى أن الحكومة تعمد أحيانا إلى تحريك دعاوى التعذيب ضد الضباط المتهمين قبل وقت كاف من تقديم مصر تقريرها للأمم المتحدة. وما إن تنتهي الأمم المتحدة منن مناقشة التقرير، فإن أحكاما بالبراءة تصدر لصالح الضباط المتهمين بممارسة التعذيب.
وقال زارع إن هناك عشرة سجون في مصر خارج نطاق القانون، مؤكدا أن ما يجري في مصر أسوأ بمراحل مما حصل في أبو غريب مع الفارق بأن ما جرى في أبو غريب تم بأيدي المحتل وأن الأمريكيين بدأوا محاكمة ضباطهم المتهمين بالتعذيب.

آثار مدمرة
وتحدثت الدكتورة سوزان فياض من مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، فأشارت إلى الصعوبة التي يلاقيها العاملون بالمركز في إقناع الضحايا بأي تفسير منطقي لأسباب التعذيب الذي تعرضوا له، خاصة أن كل الضحايا الذين أتوا للمركز لم يكونوا من عتاة المجرمين أو القتلة أو تجار المخدرات.
ولفتت إلى أن هناك إصابات جسدية يعاني منها ضحايا التعذيب بشكل أدى إلى تدمير مستقبلهم تماما مدللة من واقع الحالات التي استقبلها أطباء المركز وجود 40 حالة قطع في الضفيرة العصبية للضحايا نتيجة التعليق بما يؤدي إلى أن يصبح الضحية مشلولا جسديا بجانب الإهانة النفسية العنيفة التي يتعرض لها الضحية وتؤدي إلى اهتزاز ثقته بنفسه وتحويله إلى شخص جبان، مشيرة إلى أن هذه الآثار تتضاعف عندما يكون الشخص بريئا. وأوضحت أن فرص تأهيل الضحايا نفسيا تتضاءل تماما عندما لا يجد الضحية وسيلة قانونية للاقتصاص ممن عذبه.
ولفتت د. سوزان إلى إجابة أحد هؤلاء الضحايا عن سؤال عما يريده بأنه يريد مسدسا لقتل الضابط الذي عذبه وقالت إن هذا هو أصل الإرهاب منتقدة قيام النائب العام بإغلاق ملفات عديدة في قضايا التعذيب، رغم كونها مثبتة وموثقة.

خصخصة التعذيب
وأكدت أن التعذيب له وظيفة سياسية وأنه أحد أشكال الحكم وأكثرها عنفا؛ لافتة إلى ارتفاع أسعار أجهزة التعذيب لهذا السبب، ولافتة أيضا إلى ما وصفته بـ “خصخصة التعذيب” بمعنى قيام الضباط أو الجنود بممارسات تعذيب لم تطلبها منهم الحكومة أو وزارة الداخلية، ولكنهم يقومون بها مجاملة لبعض الأشخاص. وانطلقت من ذلك للتعبير عن عدم تفاؤلها سواء بأحاديث الإصلاح أو بقدوم حكومة جديدة ودعت إلى تكاتف المعنيين والمهتمين من منظمات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والجمهور لوقف ظاهرة التعذيب.
وأكدت د. سوزان أنه كان يجب على المجلس القومي لحقوق الإنسان البدء بالمطالبة بإلغاء الطوارئ، مشيرة إلى أن الإصلاح لن يتحقق سوى بضغط داخلي لا تستطيع القيام به منظمات المجتمع المدني وحدها، أو أن يأتي بأوامر وضغوط من الخارج.
وانتقل الحديث إلى د. سمير فياض نائب رئيس تحرير حزب التجمع التقدمي الوحدوي والذي أشار إلى أن التعذيب في مصر يمارس من قبل 1952 بكثير وأنه مستمر في مصر مرجعا ذلك إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتنظيمي والمؤسسي في مصر، بما يشكل حزمة كاملة يجب مواجهتها كاملة أيضا.
وقال فياض إن ضابط الشرطة يهيأ له بأنه فوق الآخرين وينظر بتعالٍ إلى الآخرين لافتا إلى أن الديمقراطية ليست رهينة بكون الدولة نامية أو متقدمة وقال إن هناك دولا نامية بها قدر كبير من الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان كما هو الحال في الهند.
وأشار إلى أن شرارة التغيير تبدأ دائما من الخارج، لكنها تعتمد على أساس واقع موجود في الداخل وتمازج بينه وبين الخارج ويظل –التمازج- جدليا ومعلقا لا يمكن حسمه أو نكرانه.
وذكر فياض عددا من المطالب التي يجب الأخذ بها لتحسين الأوضاع في مصر والقضاء على ظاهرة التعذيب وفي مقدمتها إتاحة زيارة المتهم من جانب أسرته بشكل دائم وأن تصله نشرات تعرفه بحقوقه والمعاملة الواجبة له وكيفية الإبلاغ عن أي مخالفات أو تجاوزات تقع في حقه إلى جانب الاستعانة بالطب النفسي في الكشف عن الجاني والضحية معا في جريمة التعذيب والعمل على تأهيل ضحايا التعذيب ومساعدتهم في ملاحقة من قاموا بتعذيبهم.
أضاف فياض أنه يجب أن تكون هناك جهات متعددة ومنتشرة على مستوى مصر لتقوم بكتابة التقارير عن أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز وفتح باب الشكاوى على مصراعيه أمام المواطنين وتوثيق حالات التعذيب طبيا وإعلاميا وقانونيا إلى جانب المطالبة بإخضاع السجون للمتابعة الدورية والمستقلة.
دعا فياض أيضا إلى تطوير أساليب التحقيق بعيدا عن أساليب التعذيب والإكراه المعنوي والبدني وكذلك الفصل بين جهاز الشرطة والحزب الحاكم وإنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية. وأن تقوم منظمات المجتمع المدني بتمكين ومساعدة الفقراء على متابعة إجراءات التقاضي ضد معذبيهم وتغليظ العقوبات على مرتكبي هذه الجريمة. وطالب فياض بإصلاح جهاز الشرطة والأمن الداخلي ضمن إصلاح أجهزة الدولة والتفتيش على وسائل التعذيب.

سلبيات
وبدا اللواء فؤاد علام مساعد وزير الداخلية السابق متخذا موقفا دفاعيا، فأشار إلى أن هذه المداخلات توحي وكأن المجتمع قد انهار في حين أن مصر بخير وأنه قد تكون هناك سلبيات موجودة في كثير من أجهزة ومؤسسات الدولة، وكشف علام عن اتصال أجراه معه الدكتور أحمد كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان ودعاه فيه إلى التعاون مع المجلس بإعداد مذكرة حول إلغاء حالة الطوارئ وقدمت وجهة نظري في هذا الشأن الرافضة للعمل بالطوارئ، باعتبار أن القوانين العادية الأخرى كافية.
وأبدى علام تحفظه على تصوير البعض لجريمة التعذيب على أنها نهج للدولة. لكنه لم ينكر وجود انحرافات وجرائم تعذيب تقع في مصر.
واعتبر علام أن مصر هى الدولة الوحيدة في العالم التي ينص قانونها على عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم!!. وأكد أنه يدين التعذيب ولا يدافع عنه مطالبا بالبحث عن الحقيقة الكاملة فيما يختص بأعداد المعتقلين في مصر، نافيا ما تتداوله تقارير منظمات حقوق الإنسان حول هذه الأعداد. ومشيرا إلى أن أكبر عدد تم اعتقاله في مصر كان بعد مقتل الرئيس السابق أنور السادات وبلغا 3650 معتقلا.
ودعا علام المؤسسات المهتمة بموضوع التعذيب إلى الأخذ بوجهتي نظر طرفي القضية وهما الشاكي والجاني، مشيرا إلى أن هناك وسائل عديدة يمكن الوصول بها إلى رأي الطرف الآخر وهو الجاني دون أن يذكر واحدة من هذه الوسائل، وذكر اللواء علام أن نسبة جرائم التعذيب لا تصل إلى أكثر من نصف في الـ 10 آلاف من ملايين القضايا والجرائم في مصر.
كما تحفظ اللواء علام على القول بإغلاق النائب العام لملفات قضايا التعذيب وقال إن الذي يحرك الدعوى في هذه القضايا هو النائب العام، وأنه كونه أصدر قرارا بالحفظ لسبب أو لآخر فهذا لا يعني –في رأي اللواء علام- أن هذا أمر منهجي من قبل النائب العام، ومشيرا إلى أنه في عام 2002 صدر 22 حكما في قضايا تعذيب وفي عام 2003 صدر 18 حكما في قضايا تعذيب أخرى.
أكد اللواء علام أن مصر بالفعل بحاجة إلى إصلاح سياسي في مجالات توسيع مساحة العمل الديمقراطي ومشاركة الرأي الآخر، كما أكد أن أحداث 11 سبتمبر هدمت الحريات في الولايات المتحدة، وأن كل القوانين الأمريكية التي صدرت في أعقابها كانت بوليسية ولا يوجد لها مثيل في المنطقة العربية.
وذهب علام إلى أن الذي كشف أحداث سجن أبو غريب كان الصليب الأحمر وليس الولايات المتحدة.
وعقب بهي الدين حسن مبديا اختلافه مع النقطة الأخيرة في حديث علام وذكر بهي أن الصليب الأحمر وعلى العكس مما ذكره اللواء علام كان ملاما لالتزامه بالتقاليد والاعتبارات التي تمنعه من إعلان ما تجمع لديه من معلومات عن جرائم سجن أبو غريب، مشيرا إلى استمرار أساليب مماثلة لما حدث في أبو غريب بالسجون المصرية تباهيا بما جرى في أبو غريب.
وحول القول إن التعذيب هو ممارسات أفراد قال بهي إن استيراد أجهزة التعذيب من الخارج لا يمكن أن يقوم به أفراد وإنما تقوم به هيئات ومؤسسات. وأكد بهي أن الوصول إلى الحقيقة كاملة فيما يتعلق بالمعتقلين والتعذيب يستدعي تعاون السلطات مع منظمات حقوق الإنسان، لكن المؤسف أن السلطات لا ترد على الشكاوى التي تصلها من هذه المنظمات، بل إنها أيضا تتجاهل الرد على الشكاوى المحولة إليها حتى من قبل المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومشيرا كذلك إلى أن الحكومة عمليا لا تتجاوب في الرد إلا على المنظمات الأجنبية لافتا النظر إلى ردود الداخلية على ما أوردته بعض تقارير منظمات حقوق الإنسان المصرية من معلومات عندما تبنت الووتش الأمريكية هذه المعلومات في تقاريرها متسائلا بسخرية هل المطلوب أن يتغير اسم المجلس القومي ليصبح المجلس الأمريكي لحقوق الإنسان حتى ترد عليه الحكومة!!
ودعت المستشارة سامية المتيم نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية إلى البحث في كافة جوانب أسباب وجود ظاهرة التعذيب بمصر فيما أشار كل من محمد زارع وحافظ أبو سعدة إلى أن عدد المعتقلين في مصر يزيد على 16 ألف معتقل.
وعاد اللواء فؤاد علام للتأكيد على أنه لا ينكر وجود جرائم تعذيب، لكنه يرى أنه ليس منهجيا وليس ظاهرة ولا يجب المبالغة بشأنه. واعترف علام بأن أكبر أسباب وجود التعذيب هو وجود الاستثناءات الخطيرة في ضوابط القبول بكلية الشرطة وتجاوز ما هو موجود من هذه الضوابط.

This post is also available in: English

اترك رد