لماذا نترك القضاء وحيدًا؟

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ربما من المفيد التذكير بأن موضوع استقلال القضاء ليس مسألة قطاعية تخصّ، حصريًا، أهل المهنة والاختصاص؛ إذ له امتدادات حيوية في عديد المستويّات الأخرى، وهو اختبار لصدقية النظام السياسي القائم ومدى قناعته باحترام فصل السلطات وسيادة القانون في البلاد ولمنزلة العدل في ثقافة المجتمع وهو كذلك مرآة يعكس مدى التزام النخب، بتفرّعاتها السياسية والمدنية والثقافية، بالعدالة المتحررة من كل ضغوط والاستعداد لحمايتها، حين يطالها العسف والاعتداء ومحاولات الهيمنة، ليس فقط لأن القضاء المستقلّ هو صمام أمان الديمقراطية والحريّة في دولة القانون المنشودة، بل دفاعًا عن الحقيقة ودفعًا للظلم، «المؤذّن بخراب العمران» والأوطان، كما أشار لذلك ابن خلدون.

رُوّاد عبّدوا طريق العدل

شخصيًا، علاقتي بالقضاء لا تتجاوز ذاك التقدير الكبير الذي يكنّه مواطن عادي يحترم المؤسسات والقانون، لكني تأثرت برسالتين قد تكونان نبراسًا في الشجاعة والمسئولية ببعدها الإنسانيّ والأخلاقيّ، ومرجعًا لتحريك ضمائرنا التي تضمر أحيانًا وتستكين أمام مصالحنا الأنانية وقبولنا المستسلم بمجريات الواقع، بكافة ما يحمله من تعسف وحيف وقهر، وذلك لأنّنا نعتبر، خاصّةً في لحظات ضعفنا، أن تغيير هذا الواقع موكول إلى الآخرين، وأن مهمّتنا في الحياة تقتصر على التأقلم مع كل الأوضاع، مهما كانت مشوّهة.

كانت الرسالة الأولى من مثقف مدرك لمعنى الالتزام بالعدل والحق، تناسقًا مع مبادئه وتماهيًا مع ما يطرحه من أفكار في كتبه ورواياته، والثانية من قاضٍ رفض أن يكون أداة السلطة التنفيذية وبيدقها. وقد عبّر في الرسالة عن شديد غضبه لما وصل إليه القضاء، بعد أن أرهبته السلطة بعسفها وإملاءاتها وداست على كرامته وحاولت أن تجعله بيدقًا ينطق بما يخالف الحقّ والقانون والضّمير، ويحكم بما تخطّه له نزوات تلك السلطة المستبدّة، ليتحوّل من قاضٍ محترم إلى مجرّد أداة طيّعة للنظام.

صمت المثقف على الظلم جبن

من منّا لم يقرأ رسالة الكاتب والروائي الفرنسي، إيميل زولا، إلى الرئيس الفرنسي، فيليكس فور، سنة 1898، التي كانت هجومًا عنيفًا على الحكومة الفرنسية ومؤسساتها القضائية التي استهدفت ظلمًا الضابط العسكريّ ألفريد دريفوس؟ فرسالته «أنا أتّهم» كانت أكثر من مجرد محاولة لدرء الظلم. لقد كانت دفاعًا عن القيم التي يجب أن تسود في المجتمع، قيم العدالة والإنصاف وكرامة الإنسان. وهي رسالة مثقف ملتزم وروائي أدرك أن دوره يتجاوز الكتابة عن عالم خيالي، مهما كان قربه من الواقع، إلى الاهتمام بالشأن العام، كلّفه ذلك ما كلّفه. قائلًا في تحدٍّ: «إن احتجاجي الملتهب ليس إلا صرخة روحي. فليتمّ تقديمي إلى المحاكمة وليقع التحقيق في وضح النهار. أنا في الانتظار». قبل ذلك، كتب إلى زوجته يقول: «أتعرفين ماذا فعلت؟ كتبت مقالًا، في لحظة إلهام، عن قضية دريفوس. كنت مهووسًا بالأمر، لم أعد أستطيع النوم، كان عليّ أن أريح نفسي. وجدت أن الصمت جبن. لا يهمني العواقب، أنا قوي بما يكفي، أتحدّى كل شيء».

كان يمكن أن يمرّ زولا عبر التاريخ الأدبي ككاتب، مثل غيره من الكتاب، تصنّف رواياته ضمن التيارات الأدبية التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ لكنه حقق هدفين نبيلين: لقد رفع مظلمةً عن شخص برّئ، وأرسى تقليدًا حول دور المثقف وعلاقته بالسلطة. دور يتجاوز حرفة الكتابة، مهما كانت قيمتها المعرفية والأدبية، إلى الانخراط في قضايا المجتمع والالتزام بالدفاع عنها.

ولنقترب أكثر إلى واقعنا ونعانق تاريخنا القريب، لا بغاية الفخر والاعتداد، مثلما يجري غالبًا، بل بغاية استخلاص الدرس والعبرة: كان يمكن أن يكون المرحوم مختار اليحياوي قاضيًا عاديًا يحكم في القضايا المعروضة أمامه، ويغضّ النظر عن كل التجاوزات ويقبل بأوامر السلطة. كان يمكنه أن يرتقي في سلم الوظيفة ويصل إلى أعلى المراتب القضائية. لكنه فضّل أن ينتفض لاستقلاليّة القضاء وكرامة القاضي وهو مدركٌ تمامًا للعواقب، فبعث برسالته الشهيرة إلى الرئيس بن علي في 6 يوليو 2001، ليعبّر عن رفضه ظلم السلطة السياسية للقضاء و«قهر القاضي» في كلّ المحاكم، لأن هذا الأخير أصبح مُجبرًا «على التصريح بأحكام مُنزّلة ولا تعكس القانون». وواجه بن علي قائلًا «أن كل القضاة يعانون من حصار رهيب وتطالهم «الوشاية والقمع والترهيب» حتى أصبح الانتماء للقضاء، الذي كان شرفًا، معرّة أمام الشرفاء والمظلومين».

والدرس؟

تعرّض زولا إلى الهجوم العنيف من اليمين الفرنسيّ، ومحاولات الاغتيال، وحوكم بالسّجن. لكنه فتح الباب أمام الحقيقة، وأُعيدت محاكمة دريفوس وتمّت تبرئته من التهم الكيديّة. والأهمّ أنه أعاد للقضاء صدقيته وأبعده عن مكائد السّلطة ودسائسها. وكذلك فعل المرحوم مختار اليحياوي الذي حرّك مياه العدالة الراكدة وأزعج نظاما مستبدًّا كان دائم السعي لاستغلال القضاء والهيمنة عليه، وفتح الباب أمام معركة مصيرية في منتصف العقد الأول من القرن الحالي حول استقلال السلطة القضائية.

اليوم تركنا القضاء وحيدًا

لن استعرض هنا أزمة القضاء منذ دولة الاستقلال والعراقيل التي وضعت أمام أداء وظيفة القاضي، ولا الهنّات العديدة التي ظلّت عالقةً خلال عشريّة الانتقال الديمقراطي؛ رغم أن دستور 2014 قد خصّص جزءً مهمًّا من بنوده لاستقلال القضاء، واعتبره أهمّ ركيزة محوريّة لبناء دولة ديمقراطية تُحترم فيها الحقوق والحرّيات. بل سأشير إلى أمرين بعلاقة بالأزمة التي يعرفها القضاء اليوم. والتي هي، في رأيي، لا تقتصر على ما اتّخذنه سلطة ما بعد 25 يوليو 2021، من خطوات، ابتداءً من حلّ المجلس الأعلى للقضاء المنتخب ومرورًا بعزل القضاة ورفض إرجاعهم رغم قرار المحكمة الإدارية، ووصولًا إلى ما وصل إليه القضاء اليوم من ترهل وضعف وتبعية.

الأمر الأول هو غياب دور هياكل المحامين في معركة استقلالية القضاء، رغم أن الفصل الأول من قانون المحاماة التونسي ينصّ على أن «المحاماة مهنة حرّة ومستقلّة، تساهم في إقامة العدل وفي الدفاع عن الحقوق والحريات». فلا العميد السابق والرئيس الحالي للبرلمان، إبراهيم بودربالة، ولا العميد المنتهية ولايته، حاتم مزيو، استنكر ما كان يحصل للقضاء من تجاوزات والقضاة من قمع، ولا هما اهتمّا بالانتهاكات الحاصلة للحقوق والحريات. بالعكس، فقد أدان بو دربالة سلفه عبد الرزاق الكيلاني، عند سجن هذا الأخير بعد أن تمّ منعه من أداء واجبه في الدفاع عن موكله، قائلًا إن الكيلاني أراد تسجيل موقف سياسيّ وعليه تحمل وزر ذلك. أما الهيئة الحالية، فلا هي دافعت بحماس عن المحامين الموقوفين في قضايا سياسيّة، ولا هي سمحت للقضاة المعزولين بالالتحاق بالمحاماة، ولا هي انتصرت للمعارك من أجل استعادة الديمقراطية؛ ربما خوفًا من ردود فعل السلطة السياسية، وهذا ما يشكّك في مدى استقلاليّتها.

الأمر الثاني يخصّ المجتمع المدني؛ إذ أنّ المساندة المطلقة التي قدّمتها أهمّ الجمعيات الحقوقية والمدنية للرئيس قيس سعيد خلال لقاءاته المتكرّرة بهم إثر إجراءات 25 يوليو 2021، مقابل إشراكها في اتّخاذ القرارات وطمأنتهم بالمحافظة على الحقوق والحريات، أربكتْ تلك الجمعيّات حيث مرت بفترة صمت وذهول، وحتى حين تداركتْ بعض ارتباكها وتردّدها وحسمت أمرها، فإن مساندة القضاة في محنتهم ظلّت محتشمة، ولم تشكل ضغطًا كبيرًا على السلطة.

والقصد من الإشارتيْن ليس الوصم ولا الانتقاد، وليس أيضًا بغاية الانتقاص من دور كيانات وجمعيات كانت لها، في يوم ما مواقف مشرفة في الدّفاع عن الحقوق والحريّات والعدل؛ بل بغاية التذكير أن المسئوليّة تقع علينا جميعًا اليوم فيما حصل ويحصل للقضاء وأنه من واجبنا جميعا أن نقف إلى جانب الحق وأن نحاول درء الظلم كي نساعد على بناء مجتمع عادل، يكون القضاء المستقلّ قلبه النابض.

المصدر: المفكرة القانونية

Share this Post