أزمة المثقف العربي: تقاطع المعرفة مع السلطة

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

أزمة المثقف

هل فقد المثقف دوره في مجتمعاتنا العربية، أم أننا فقط لم نعد نستمع إليه؟ على مدى التاريخ، كانت علاقة المثقف بالسلطة متوترة، تقوم على صراع دائم بين المعرفة والقوة، بين من يفكر ويعيد النظر في المعتقدات الراسخة، وبين من يسعى إلى ضمان الاستقرار والانسجام، وأحيانًا الطاعة العمياء، هذه الثنائية، بين الوعي والمسئولية من جهة، والسيطرة من جهة أخرى، شكلت معضلة دائمة للمثقف العربي، وجعلت دوره في المجتمع محفوفًا بالمخاطر.

فكثيرًا ما وجد المثقف العربي نفسه بين مطرقة التهميش والعزلة وسندان الإغراء المادي والمعنوي، إما أن يُقصى من الفضاء العام أو أن يتحوّل إلى غطاء تبريري–أخلاقي للسلطة، فاقدًا استقلاليته و«رأسماله الرمزي»، على حدّ تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. فالسلطة تسعى في اغلب الأحيان لتطويع المثقف، وتحويل خطاب النقد إلى خدمة للمؤسسة الحاكمة، بينما يظل المثقف أمام خيار صعب: إما الاستقلالية الفكرية مع المخاطرة بالمكانة والحرية، أو القبول بالصمت والتبعية.

التقاطع الخطير بين المعرفة والقوة

يروي التاريخ حادثة مأسوية ذات دلالة، فخلال محاكمة نورنبارغ للقادة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، بعثت الولايات المتحدة بطبيب نفساني، دوغلاس كيلي، ليبحث في مدى جنون هؤلاء. التقى كيلي بأحد أبرز القادة، هيرمان غورينغ في سجنه، الذي كان يتقد ذكاء وفطنة وقدرة على الإقناع. كان الاثنان على طرفي نقيض، فالطبيب كان يريد فهم العقلية الإجرامية ودراستها، أما غورينغ فكان يراوغ ويمارس سلطته الرمزية عبر خطاب سلطوي يحاول من خلاله الاقتراب من العقلانية، مثبتًا أن الشر لا ينتج دائمًا عن الجنون، بل عن عقل منظم ومتناسق، وجد الظروف مواتية كي يفلت من المساءلة الأخلاقية.

الغريب أن نهاية كليهما كانت نفسها: شرب غورينغ السمّ؛ هربًا من الإعدام، وانتحر بعد ذلك كيلي بالطريقة نفسها، متأثرًا «بمريضه»، ليثبت أن الاقتراب من السلطة، مهما كانت، دون أخذ مسافة نقدية، ينتج عنه، أحيانًا، التماهي معها وحتى دمار للمثقف نفسه.

خيانة المثقف

ولكن الأدهى أن يسعى المثقف لتبرير سلوكه المهادن للسلطة القائمة، وهنا يحذر الفيلسوف الفرنسي جوليان باندا في كتابه «خيانة المثقف» قائلًا: «نحن لا نطلب من المسيحي أن ينتهك شريعته، بل أن يكون مدركًا لذلك عند انتهاكها». هذه المقولة، رغم بُعدها الديني الظاهر، أرادها باندا أن تنطبق على المثقف بصفة عامة، أي خيانة هذا الأخير لمبادئه الإنسانية والانصياع للسلطة على حساب الحقيقة.

وعلى هذا الأساس، فإن إسقاط المقولة على المثقف يعني أن خيانته لا تكمن فقط في التخلي عن مبادئه تحت الضغط أو الخوف أو المصلحة؛ بل في إنكاره لهذا التخلي، وفي ادعائه الدفاع عن القيم وهو في الواقع يبرّر الظلم أو يصمت عنه. حينها تصبح الخيانة مزدوجة: خيانة للذات التي فقدت بوصلتها الأخلاقية، وخيانة للآخرين الذين يرون في المثقف صوتًا للحقيقة لا صدىً للسلطة، فالوعي بالحقيقة –حتى في لحظة السقوط– يظلّ الحدّ الفاصل بين الضعف الإنساني والخيانة الفكرية.

ويؤكد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد على هذا المعنى حين يشير إلى أن المثقف لا يتحدث باسم السلطة ولا باسم الشعب فقط، بل باسم الحقيقة والضمير. ويضيف إدوارد سعيد أن المثقف يجب أن يكون «مدفوعًا بالشغف الميتافيزيقي للحق والعدالة»، متحررًا من أي أنانية، مدافعًا عن المقهورين، ومتحدّيا أي سلطة، وذلك على خطى مفكرين وفلاسفة مثل سقراط وديكارت وسبينوزا.

بعض المثقفين التونسيين

قدّمت التجربة التونسية أيام قليلة بُعيد إجراءات 25 يوليو 2021 مثالًا صارخًا لا لتحديات المثقف فحسب، بل لانزلاقه أحيانًا من موقع النقد والمساءلة إلى موقع التبرير والمساندة. فقد عبّر عدد من المثقفين، مبدعين وأكاديميين، عن دعمهم لإجراءات رئيس الدولة، مطالبين بـ «محاسبة من تجاوزوا القانون خلال العشرية السابقة»، وفي الوقت نفسه دعوا المجتمع الدولي إلى «عدم التدخل في الشئون الداخلية للبلاد، خاصة عدم فرض مواصلة الإسلام السياسي على المجتمع التونسي» في خطاب أقرب إلى إعادة إنتاج سردية السلطة منه إلى الدفاع عن القيم الديمقراطية.

ورغم ما حملته هذه العريضة من إشارات ظاهرية إلى الحرص على سيادة القانون، فإنها كشفت في العمق استعداد بعض مثقفينا للتغاضي عن غياب الضمانات المؤسساتية واستبدال الإرادة العامة بقرارات فردية، بما يعكس خلطًا مقلقًا بين محاسبة الفساد وتبرير تمركز السلطة، وهنا لم يعد التوتر قائمًا فقط بين الأخلاق والواقع السياسي، بل يتحول إلى تنازل صريح عن الدور النقدي للمثقف، الذي يفترض فيه أن يقف على مسافة من السلطة لا أن ينخرط في خطابها أو يمنحها شرعية رمزية، وهو ما يجعل المهادنة علاقة قديمة للمثقف بالسلطة.

ولا يمكن فهم هذا التوتر إلا إذا وضعناه في سياق أوسع للتاريخ الفكري والسياسي، فالتساؤل حول الموازنة بين الالتزام بالقيم والاستجابة للسلطة ليس وليد اليوم، ففي القرن العشرين، واجه المثقف الفرنسي، بعد الحرب العالمية الثانية، تحديات مماثلة، عندما ساند بعض المثقفين أنظمة شمولية، وما نتج عن ذلك من جدل واسع حول «خيانة المثقف» كما وصفها باندا.

وفي السياق العربي، عانى المثقفون مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ من الضغوط السلطوية، وتعلموا أن الوقوف مع الحقيقة غالبًا ما يضعهم في مواجهة السلطة المباشرة أو غير المباشرة، تمامًا كما يواجه المثقف التونسي اليوم صعوبة الموازنة بين ما يُفترض أن تُعلمه من قيم وواقع السلطة.

مهمة المثقف اليوم

من وجهة نظرنا المتواضعة، لا تتمثل مهمة المثقف اليوم في تقديم حلول جاهزة أو استعادة خطابات عقلانية كبرى، على غرار فلاسفة التنوير، بل في حماية شروط النقاش العقلاني، وكشف تناقض سرديات الشعبوية، ومخاطر الاستبداد حتى عندما يُقدَّم باسم «الإرادة الشعبية». فأزمة المثقف في تونس والعالم العربي ليست أزمة غياب بقدر ما هي أزمة دور ومكانة، لا تُستعادان إلا بإعادة الاعتبار للمعرفة، وترميم الثقة في الفكر النقدي، وبناء علاقة واضحة ومسئولة مع المجتمع. فالمثقف ليس شاهدًا صامتًا ولا مبررًا لأي سلطة أو أيديولوجيا، بل صوت العقل والضمير الإنساني، يتحدى السلطة والمجتمع معا دفاعًا عن الحق والعدالة والكرامة الإنسانية، وذلك على نحو ما عبّر إميل زولا في رسالته الشهيرة، حين جعل من الحقيقة شغفه الأعمق، لا باعتبارها انتصارًا فرديًا، بل لأنها وحدها تمنح للعدالة معناها، وتعيد للإنسانية، بعد طول معاناة، حقها في الكرامة والسعادة.

المصدر: جريدة المغرب

 

Share this Post