اليسار في زمن التحولات الكبرى… بين إرث النضال وأزمة التجديد

في مقالات رأي

مسعود الرمضاني
عضو سابق باللجنة التنفيذية الأورومتوسطية للحقوق، والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ليست معضلة اليسار اليوم مرتبطة بالأفكار أو التنظيمات والأحزاب فحسب، بل هي قبل كل شيء تعبير عن اختلال في علاقته بعالم تغيّر جذريًا من حوله، عالم لم تعد فيه إجابات الماضي وحدها قادرة على تفسير الحاضر أو رسم ملامح المستقبل. فقد أعادت العقود الأخيرة تشكيل الاقتصاد والمجتمع والدولة والثقافة، وغيّرت طبيعة العمل وعلاقات الإنتاج، وأفرزت فئات اجتماعية جديدة وقضايا مستجدة لم تكن حاضرة في الأطر التقليدية للتحليل السياسي.

ومع ذلك، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في القيم التي تأسس عليها اليسار. فالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية لم تفقد مشروعيتها، بل أصبحت أكثر إلحاحًا في عالم تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، وتتراجع فيه الحماية الاجتماعية، وتزداد فيه هيمنة رأس المال ومراكز النفوذ على المجال السياسي. إن ما فقد قدرته على الإقناع هو جزء من الأدوات الفكرية والتنظيمية التي حملت هذه القيم، والتي لم تعد وحدها قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها العالم أو الاستجابة لأسئلته الجديدة.

لذلك فإن تجديد الفكر اليساري لا يعني التخلي عن مبادئه، بل تحريرها من الجمود وإعادة صياغتها في مشروع سياسي منفتح قادر على مخاطبة إنسان القرن الحادي والعشرين، إذ إن المسألة لم تعد الدفاع عن «ماض مجيد»، بل امتلاك القدرة على إنتاج أفكار وسياسات تستجيب لواقع متغير.

لقد كان من أهم إسهامات اليسار في القرن العشرين أنه جعل العديد من مطالبه جزءً من المشترك السياسي والاجتماعي الحديث: التعليم العمومي، والضمان الاجتماعي، وحقوق العمال، وحقوق المرأة، والعدالة الجبائية، ودولة الرعاية الاجتماعية. ولم تكن هذه المكاسب هبة مجانية، بل ثمرة صراعات اجتماعية طويلة فرضت على النظام الرأسمالي حدودًا على منطقه القائم فقط على الربح والمنافسة.

غير أن المفارقة التاريخية تتمثل في أن انتشار كثير من قيم اليسار لم يكن بالضرورة انتصارًا لقواه السياسية؛ فقد أصبحت بعض أفكاره جزءً من الثقافة العامة، في الوقت الذي تراجعت فيه قدرة جُلّ تياراته على تمثيلها وتجديدها. كما تغيرت الرأسمالية نفسها، فلم تعد فقط رأسمالية المصنع والطبقة العاملة الصناعية، بل أصبحت أكثر عولمةً وارتباطًا بالتكنولوجيا ورأس المال المالي، وظهرت فئات اجتماعية جديدة وأشكال مختلفة من الصراع والسلطة.

وهنا برز أحد أعمق مكامن مأزق اليسار: فبدل أن يُنظر إلى الفكر الماركسي باعتباره منهجًا نقديًا مفتوحًا على المراجعة والتطور؛ تعاملت بعض تياراته معه باعتباره منظومة مكتملة من اليقينيات، تقرأ الواقع من خلال النصوص أكثر مما تعيد قراءة النصوص في ضوء الواقع. وهكذا تحولت الإيديولوجيا، التي يفترض أن تكون أداة لفهم العالم ونقده وتغييره، إلى إطار مغلق يحد من القدرة على استيعاب التحولات الجديدة.

ولم تكن المشكلة في أن الواقع خالف النظرية، بل في أن بعض التيارات توقفت عن تطوير أدواتها النظرية أمام عالم جديد بأسئلة مختلفة. فالوفاء للمبادئ لا يعني التمسك بالأشكال الفكرية والتنظيمية التي تشكلت في سياقات تاريخية مغايرة. والتحدي الحقيقي أمام اليسار اليوم هو تحويل قيمه الأساسية إلى مشاريع ملموسة تمس حياة الناس اليومية.

اليسار التونسي: حين لا تكفي شرعية الماضي

لا يمكن فهم تجربة اليسار التونسي فهمًا منصفًا دون الاعتراف بدوره التاريخي في الدفاع عن الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والحريات العامة، ومقاومة الاستبداد. فقد كان حاضرًا في الحركة الطلابية والنقابية، وفي معارك الدفاع عن الديمقراطية، ودفع العديد من مناضليه ثمن مواقفهم بالسجن والملاحقة والتضييق. ويظل هذا الرصيد جزءً مهمًا من تاريخ النضال الوطني والديمقراطي والاجتماعي في تونس.

لكن التاريخ، مهما كان مشرفًا، لا يمكن أن يتحول إلى حصانة دائمة تعفي القوى السياسية من مراجعة ذاتها: فالمشروعية السياسية لا تُبنى فقط على رصيد الماضي، بل تتجدد بقدرة الفاعلين على فهم التحولات، وتجديد أفكارهم، وبناء علاقة جديدة مع المجتمع والقوى السياسية الأخرى. فالإرث النضالي يحافظ على قيمته عندما يكون مصدر إلهام، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى مبرر للجمود أو رفض النقد.

وهنا تكمن إحدى معضلات اليسار التونسي: فقد امتلك رصيدًا تاريخيًا وأخلاقيًا مهمًا، لكنه لم ينجح في تحويله إلى قوة سياسية واسعة قادرة على مخاطبة فئات اجتماعية جديدة وتقديم مشروع يجمع بين الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية، فقد ظل جزء منه أكثر حضورًا كقوة احتجاج ونقد منه كقوة اقتراح وبناء.

فالمواطن الذي يواجه البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العمومية لا يبحث فقط عن تفسير أسباب الأزمة، بل ينتظر رؤية سياسية تجيب عن أسئلة أقرب وأكثر واقعية: أي نموذج اقتصادي قادر على خلق فرص عمل تحفظ الكرامة؟ كيف ننتج الثروة دون أن تتحول ثمار التنمية إلى امتيازات لفئات محدودة؟ كيف نبني دولة فعالة وعادلة تستعيد ثقة المواطنين؟ وكيف نحقق تنمية لا تكتفي بتقليص الفوارق بين الجهات، بل تمنح لكل جهة حقها في المشاركة في صناعة مستقبلها؟

كما ظل جزء من اليسار، في مراحل مختلفة، أسير صراعات الهوية والاستقطاب السياسي، خاصة في علاقته بالتيارات الليبرالية والإسلامية. فبدل أن يُعرّف نفسه أساسًا من خلال مشروع اجتماعي واقتصادي واضح، انشغل بتحديد موقعه عبر معارضة خصومه. وهكذا تحول الاختلاف السياسي الطبيعي في الديمقراطية إلى صراع وجودي استنزف جزءً من طاقته وأبعد الاهتمام عن القضايا الاجتماعية الأساسية.

ولا يرتبط مأزق اليسار التونسي فقط بالخطاب السياسي، بل أيضًا بثقافته الديمقراطية الداخلية. فالديمقراطية ليست مجرد موقف ضد السلطة أو الخصوم، بل هي طريقة في إدارة الاختلاف داخل التنظيمات نفسها. وصعوبة تجديد القيادات، وضعف تداول المسئوليات، والتردد في مراجعة الاختيارات ليست مجرد مسائل تنظيمية، بل تعكس علاقة التيار السياسي نفسه بالمشاركة والمساءلة.

والأدهى أن علاقة بعض مكونات اليسار بالمجتمع المدني طرحت بدورها أسئلة حول مدى استيعاب استقلالية الفضاءات الحقوقية والنقابية والثقافية. فالمجتمع المدني لا يمكن أن يكون مجرد امتداد لأي مشروع حزبي، بل هو مجال مستقل للنقد والمبادرة والمراقبة، ووجوده شرط أساسي لأي حياة ديمقراطية.

وقد ظهرت هذه التوترات بوضوح في مواقف بعض مكونات اليسار بعد 25 يوليو 2021. ومن المهم التأكيد أن اليسار التونسي لم يكن كتلة واحدة، فقد حافظت قوى وشخصيات يسارية على موقف واضح من الحريات ودولة القانون. لكن مكونات أخرى وجدت نفسها أمام إشكال عميق عندما أصبحت مواجهة خصم إيديولوجي معين، وخاصة الإسلام السياسي، تؤثر في ترتيب أولوياتها، فتراجع الدفاع عن بعض المبادئ الديمقراطية أمام رهانات الصراع السياسي المباشر.

لقد كشفت هذه المرحلة عن تناقض جوهري: فالديمقراطية تفقد معناها عندما تصبح مبدأً انتقائيًا يُدافَع عنه عندما يخدم المقربين ويتم التساهل بشأنه عندما يتعلق الأمر بالخصوم. ولم يكن الإشكال في اختلاف التقديرات السياسية، بل في أن بعض المواقف بدت وكأنها تجاوزت التقاطع الظرفي مع السلطة إلى البحث عن موقع داخل معادلاتها الجديدة، على حساب المسافة النقدية التي يفترض أن تحتفظ بها القوى الديمقراطية تجاه أي سلطة.

أعتقد إن الوفاء لتاريخ اليسار لا يكون بتحويل الماضي إلى مرجعية مغلقة، بل بالقدرة على مراجعته وتجديد أدواته. فاليسار، قبل أن يكون منظومة إيديولوجية، هو انحياز إلى الإنسان وحريته وكرامته ومساواته.

وتكمن قوة اليسار الحقيقية في قدرته على مساءلة الواقع ونقده، لا في ادعاء امتلاك الحقيقة، فهو ليس طليعة فوق المجتمع، ولا وصيًا على اختياراته، بل تيار سياسي يجتهد في فهم العالم وتغييره. لذلك لا يخون اليسار تاريخه حين يعيد ابتكار نفسه، بل حين يحوّل ماضيه إلى قيد، وأيديولوجيته إلى يقين مغلق يعجز عن رؤية الواقع الذي يسعى إلى تغييره.

المصدر: جريدة المغرب

Share this Post