يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء تصاعد الحرب الإقليمية والعملية العسكرية التي تنفذها إسرائيل في لبنان، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي الإنساني.
منذ 2 مارس، نفذت إسرائيل ضربات جوية وعمليات قصف مكثفة استهدفت في معظمها جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء من محافظة البقاع. وفي 16 مارس شنت إسرائيل غزوًا بريًا على جنوب لبنان. وخلال هذه العمليات العسكرية، انتهكت إسرائيل مرارًا أحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما من خلال شن هجمات عشوائية واستخدام أسلحة غير مشروعة في مناطق سكنية.
تقول أمنة قلالي، مديرة البحوث في مركز القاهرة: “طالما أن انتهاكات إسرائيل الجسيمة للقانون الدولي في المنطقة لا تُقابل إلا بمجرد كلمات إدانة، لن يكون هناك ما يمنع وقوع مزيد من الكوارث الإنسانية، فضلاً عما يسببه ذلك من ضرر دائم لنظام القانوني الدولي”.
في عام 2024، خلص مركز القاهرة إلى أن إسرائيل وسعت بصورة مقلقة تعريف الهدف العسكري المشروع خلال عمليتها العسكرية في لبنان آنذاك، من خلال استهداف البنية التحتية المدنية ومرافق الرعاية الصحية بشكل عشوائي. ومنذ 2 مارس 2026، اتبعت إسرائيل نمطًا مشابهًا في هجومها العسكري الأخير على لبنان، عبر استهداف مناطق مدنية ومرافق صحية ومؤسسات مالية وبنى تحتية حيوية، مما أدى إلى نشر الخوف وتعميق التوترات الطائفية بين المجتمعات اللبنانية. كما وثقتتقارير حقوقية استخدام إسرائيل ذخائر الفوسفور الأبيض في مناطق سكنية، وهي أسلحة ذات آثار طويلة الأمد وخطيرة على المدنيين والبيئة. ووفقًا لوزارة الصحة اللبنانية، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 886 شخصًا خلال الأسبوعين الماضيين، بينهم 111 طفلًا و38 من العاملين في القطاع الصحي، وأصيب أكثر من 2000 شخص.
وبينما تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة مرارًا في نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، فقد شهدت هذه المرة تصعيدًا غير مسبوق عبر إصدار أوامر إخلاء جماعية شملت كامل محافظة الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، مما أدى إلى نزوح ما لا يقل عن مليون شخص خلال أسبوعين فقط، أي ما يعادل تقريبًا واحدًا من كل ستة من سكان البلاد.
وبالتزامن، صعّدت إسرائيل خطابها العدائي إزاء لبنان، إذ هدد مسئولون إسرائيليون علنًا بالاستيلاء على أراضٍ لبنانية ومهاجمة البنية التحتية. وهدد الجيش الإسرائيلي باستهداف سيارات الإسعاف والمرافق الطبية مدعيًا استخدامها من قبل حزب الله، دون تقديم أي دليل يدعم ادعاءاته. وفي 13 مارس، أسقطت إسرائيل منشورات فوق بيروت تهدد لبنان بـ”المصير نفسه الذي لحق بغزة” إذا لم يتم تفكيك حزب الله، مما أثار حالة من الخوف والرعب بين المدنيين.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار من الناحية التقنية منذ نوفمبر 2024، فقد انتهك الطرفان شروطه؛ إذ واصل حزب الله تمركزه جنوب نهر الليطاني، بينما نفذت إسرائيل مرارًا ضربات داخل لبنان، بما في ذلك في العاصمة بيروت. وقد وثقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أكثر من 7500 انتهاك إسرائيلي للمجال الجوي اللبناني ونحو 2500 انتهاك بري خلال السنة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا بالإضافة لمواصلة إسرائيل احتلالها غير القانوني لأراضٍ سورية وفلسطينية، وارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في غزة في ظل غياب شبه تام للمساءلة الدولية. فمنذ “وقف إطلاق النار” أكتوبر 2025، قُتل ما لا يقل عن 649 شخصًا في غزة، ليرتفع إجمالي عدد القتلى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 72,134 شخصًا حتى 5 مارس 2026.
يدعو مركز القاهرة إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية في جميع أنحاء المنطقة، ويحث جميع الأطراف المعنية على ضمان الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة. ويشمل ذلك إنهاء أعمال العدوان العسكري، والامتناع عن الهجمات العشوائية بحق المدنيين والبنية التحتية المدنية ومرافق الرعاية الصحية. كما يدعو إلى زيادة المساعدات الإنسانية والتمويل للدول المتضررة، لا سيما لبنان وفلسطين، وإلى تحرك المجتمع الدولي لمعالجة التدهور السريع في الأوضاع الإنسانية.
ويجدد مركز القاهرة دعوته إلى الأمم المتحدة لقيادة مبادرة شاملة للسلام والأمن بشكل عاجل، لمنع مزيد من التصعيد ومعالجة الأسباب البنيوية لعدم الاستقرار في المنطقة، مع إعطاء الأولوية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية، ووضع تدابير ملموسة لوقف أعمال العدوان العسكري المتكررة. كما ينبغي على الدول تنفيذ مذكرات التوقيفالصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
Share this Post

