رغم تردي الأوضاع الحقوقية والإنسانية في العديد من البلدان العربية، وباستثناء فلسطين والسودان؛ شهد جدول أعمال الجلسة الـ 62 لمجلس حقوق الإنسان، والتي اختتمت فعاليتها أمس 8 يوليو، غياب شبه كامل لمناقشة الأوضاع القطرية في المنطقة العربية. فالجلسة التي تزامنت مع الذكرى العشرين لإنشاء المجلس، ظلت المناقشات فيها محكومة بسرديات لا تعكس الصورة الكاملة لعمل المجلس أو التحديات التي تواجه النظام الدولي في الوقت الراهن. فبعد عشرين عامًا على تشكيل هذا المجلس، لا ينبغي أن تُتخذ القيود المالية الحالية كذريعة لتقويض ركائز عمله الأساسية؛ ومن أهمها المشاركة الفاعلة والآمنة للمجتمع المدني بمختلف فئاته بمعزل عن الترهيب والأعمال الانتقامية، والتعاون الجاد والبنّاء من جانب الدول مع المجلس وآلياته، بما في ذلك آلية الاستعراض الدوري الشامل.
وبهذه المناسبة، اعتمدت الدول الأعضاء بتوافق الآراء قرارًا يرحب بسجل عمل المجلس في تطوير القانون الدولي لحقوق الإنسان، والاستجابة لحالات الطوارئ، ومساءلة الدول عن الانتهاكات. وقد أشاد القرار بهيئات التحقيق التابعة للمجلس، والإجراءات الخاصة، والمقررين الخواص، وآلية الاستعراض الدوري الشامل، باعتبارهم أبرز إنجازاته. كما اعترف القرار بإسهامات منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والضحايا في تنفيذ مهام المجلس خلال العقدين الماضيين. وفي المقابل، أعرب القرار عن القلق البالغ إزاء الاستهداف المتزايد لأصحاب الولايات، داعيًا جميع الدول إلى التعاون الكامل مع آليات المجلس، والرد على المراسلات، واستقبال الزيارات القطرية.
في افتتاح هذه الجلسة، في 15 يونيو، رحب المفوض السامي لحقوق الإنسان باتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، الذي تم إبرامه قبل ساعات من بدء الجلسة. فيما أشار في الوقت نفسه إلى تبعات هذا الصراع الكارثية على المنطقة وتأثيره المدمر على لبنان. مؤكدًا أن هذا النزاع الأخير أثبت مجددًا فشل الحلول العسكرية في حل الأزمات. وحذر المفوض من عدم الامتثال لوقف إطلاق النار على النحو المتبع في غزة، حيث قتلت إسرائيل الآلاف منذ وقف إطلاق النار أكتوبر الماضي.
أما نائبة المفوض السامي فقد تطرقت في كلمتها الافتتاحية أيضًا إلى خطورة تصاعد العنف في السودان، واستمرار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وتوظيف العنف الجنسي كسلاح حرب؛ مطالبًة بالوقف الفوري للهجمات على المدنيين، وامتثال الأطراف الدولية والإقليمية لحظر توريد الأسلحة إلى دارفور، ووضع حد للإفلات من العقاب.
وفي استجابةً خاصة لدعوات منظمات حقوق الإنسان بضرورة مناقشة الأوضاع في مدينة الأبيض بإقليم كردفان السودان. خصص المجلس جلسة طارئة في 3 يوليو استعرض فيها مكتب المفوض السامي والبعثة الأممية المعنية بالسودان أخر التطورات على الأرض. وفيها طالبت الدول الأعضاء بسرعة رفع الحصار عن المدينة، وضمان توفير ممرات خروج آمنة للمدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية الحيوية. وبتوافق الآراء؛ أعتمد المجلس قرارًا يقضي بمباشرة البعثة الأممية لتحقيق عاجل حول الأوضاع في المدينة، وتقديم نتائجه للمجلس في جلسة سبتمبر المقبل. غير أن القرار لم يسمِّ الجهات الخارجية المتورطة في الانتهاكات، كما لم يوصِ بإحالة تقارير بعثة تقصي الحقائق إلى مجلس الأمن. ولم يدعُ القرار إلى توسيع نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كل أراض السودان بدلاً من دارفور فقط.
من جانبه، دعا مركز القاهرة والمنظمة السودانية لحقوق الإنسان (SHRM) في بيان مشترك الدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن وقف تدفق الأسلحة لأطراف النزاع في السودان، والضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار في مدينة الأبيض، مُحملاً قوات الدعم السريع والداعمين الإقليميين لها المسئولية عن حصار المدنية، وما خلفه من أضرار جسيمه بحق سكانها، ومطالبًا في الوقت نفسه القوات المسلحة السودانية بالامتناع عن تحويل المناطق السكنية لأهداف أو مراكز لضرباتها العسكرية.
خلال أسابيع الجلسة الثلاثة، استعرضت آليات الأمم المتحدة مجموعة من التقارير المهمة التي تتقاطع مع تطورات وأوضاع ملحة بالمنطقة. إذ أقرت المقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق النازحين داخليًا في تقريرها بوجود 82.2 مليون شخص في أوضاع كارثية جراء النزوح في مناطق الصراع. وأشار التقرير إلى أن الحصار وتدمير البنية التحتية المدنية وتدهور الخدمات الصحية وانهيار الأسواق وأوامر الإخلاء في كل من غزة والسودان، قد تسببوا في نزوح جماعي واسع النطاق وأزمات إنسانية جسيمة، في ظل محدودية وصول عمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية للمتضررين. وفي إطار الحوار التفاعلي حول هذا التقرير، دق مركز القاهرة ناقوس الخطر بشأن أوضاع النازحين أيضًا في لبنان، مدينًا الهجمات الإسرائيلية العشوائية على البنية التحتية المدنية، واستمرار حرمان النازحين من حقهم في العودة رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024. كما لفت المركز الانتباه إلى سياسة التهجير القسري الممنهجة التي تنتهجها إسرائيل في غزة، وما أسفرت عنه من معاناة بحق المدنيين وخاصة النساء والأطفال، في ظل غياب تام للمساءلة.
وكانت لجنة التحقيق الأممية المعنية بالأوضاع في الأراضي المحتلة، قد أصدرت أيضًا خلال هذه الجلسة تقريرًا خاصًا بعنوان «دُمِّرت روح الطفولة: الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للأطفال الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023»، يوثق الانتهاكات الخطيرة بحق الأطفال في فلسطين، بما في ذلك القتل العشوائي، والتجويع، والتعذيب، والتهجير، والحرمان من التعليم والرعاية الصحية.
وفي تقرير أخر تم عرضه خلال هذه الجلسة، استعرضت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، حجم التوسع في استخدام التقنيات الحديثة القائمة على التجسس والمراقبة وجمع البيانات، وكيف تحولت إلى منظومة متكاملة تهدف إلى قمع هذا الحق في التنظيم وغيره من الحقوق. فضلاً عن توظيف هذه التقنيات في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء، والمعارضين السياسيون بالملاحقة القضائية والزجّ بهم في السجون. وفي إطار الحوار التفاعلي حول التقرير، شدد مركز القاهرة على الأهمية الخاصة لهذه النتائج بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مؤكدًا أن التقرير يوثق أنماطًا سبق ورصدتها تقارير منظمات المجتمع المدني، في مصر والجزائر وفلسطين، بحق النشطاء والحقوقيين والمعارضين. ودعا المركز الدول إلى حظر نقل تقنيات المراقبة إلى الحكومات التي يثبت تورطها في انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان، وإدراج حماية الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات بوصفها ضمانات ملزمة ضمن جميع الأطر التشريعية المتعلقة بجرائم تقنية المعلومات، وسد الثغرة القانونية التي تتيح للممارسات الرقمية القمعية العابرة للحدود ملاحقة المدافعين أينما وجدوا.
شهدت هذه الجلسة أيضا، اعتماد التوصيات الخاصة بالملف الحقوقي اللبناني، ضمن عملية الاستعراض الدوري الشامل للبنان أمام الأمم المتحدة. وفي بيانه أكد مركز القاهرة أن تعهدات مماثلة قُدمت خلال الدورات الثلاث السابقة للاستعراض، إلا أن تنفيذها على أرض الواقع ظل محدودًا. ورغم إقراره بأن هذه التوصيات تأتي في ظل ظروف استثنائية؛ تتمثل في الهجمات الإسرائيلية التي دمرت أجزاء واسعة من جنوب البلاد، والأزمة الاقتصادية المستمرة، والنزوح واسع النطاق، شدد المركز على أن هذه الظروف تستوجب تعزيز دعم ومراقبة المجتمع الدولي، لا تخفيف متابعة تنفيذ التوصيات، مؤكدًا أن الشعب اللبناني يستحق الحماية من أعمال العنف الخارجية، والتمتع الكامل بحقوقه داخل بلاده.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب في 26 يونيو، أنضم مركز القاهرة لندوة عامة نظمها مركز سيدر للدراسات القانونية (CCLS) حول الفجوة المستمرة بين الالتزامات القانونية التي تعهد بها لبنان والواقع الفعلي للتعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز. جمعت الندوة قانونيين، ومسئولين بالأمم المتحدة، وممثلين عن المجتمع المدني، لتقييم مدى تنفيذ الإطار القانوني اللبناني لمناهضة التعذيب، لا سيما القانون رقم 65 لسنة 2017، وذلك في ضوء الأنماط الموثقة للإفلات من العقاب، والإحالة المنهجية لشكاوى التعذيب إلى المحاكم العسكرية، وعدم تطبيق الضمانات الإجرائية المنصوص عليها في المادة (47) من قانون المحاكمات الجزائية. وفي هذا السياق، أشار المركز إلى خطورة استمرار إحالة قضايا التعذيب إلى المحاكم العسكرية، في انتهاك للقانون اللبناني لمناهضة التعذيب، بما يحرم الضحايا من سبل انتصاف فعالة.

أما عن القرارات الصادرة خلال هذه الجلسة، فيرحب مركز القاهرة باعتماد القرار الخاص بحرية الرأي والتعبير، الذي يبني على زخم القرارات السابقة، من خلال تعزيز اللغة المتعلقة بآثار القمع العابر للحدود، والتكليف بإجراء دراسة شاملة بشأن التهديدات العابرة للحدود التي تستهدف الحق في حرية الرأي والتعبير.
تمثل أزمة السيولة المالية وخفض الميزانيات تحديًا كبيرًا لقدرة المجلس على الوفاء الكامل بالولايات التي أقرتها الدول الأعضاء. ولمواجهة ذلك، ينبغي على جميع الدول توفير تمويل مستدام كافٍ، يمكن التنبؤ به وقابل للزيادة، لركيزة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ككل. وفي هذا السياق، نرحب بشدة بقرار اللجنة الخامسة التابعة للجمعية العامة بتعليق القرار السابق بإعادة الأموال التي لم يتم إنفاقها، لا سيما أن السبب في ذلك يرجع في كثير من الأحيان إلى تأخر الدول في سداد الدول لمساهماتها. هذا القرار سيخفف من آثار أزمة السيولة، لكنه لا يعفي الدول من التزامها بسداد اشتراكاتها المقررة بالكامل وفي الوقت المحدد.
Share this Post

