تونس: «هل نستحق الديمقراطية ؟»

In مقالات رأي by CIHRS

مسعود الرمضاني

استعرتُ العنوان المستفز والمشاكس من الكاتب المصري علاء الاسواني الذي كتب مجموعة مقالات قبل ثورة فيفري 2011، مبيّنا ان الشعوب بخوفها وسذاجتها وخنوعها وحدود تكوينها الذهني والثقافي هي من تعطي فرصة للديكتاتوريات كي تتحكم في رقابها وتقودها بعد سلب ارادتها واستباحة حريتها، وحتى حين تتوفر لها الامكانيات والظروف الموضوعية لتستعيد كرامتها ، فإنها كثيرا ما تضيّع الفرصة وتتخلف عن الاخذ بزمام امورها، بمعنى انه عندما يكون لها حرية التدبير فإنها تفشل ، احيانا ،في اختيار من يمثل طموحاتها ويساعدها على بناء حاضرها ومستقبلها.

وأنا متأكد ان السؤال حول جدارتنا بالديمقراطية يتبادر الى ذهن العديد من مواطني المنطقة العربية ، وحتى أولئك الذين لا يستوقفهم هذا السؤال بعينه فان لابد ان تؤرقهم الاحباطات من حولهم، واولئك الذين عاشوا بواكير الثورة في بداياتها، تقلقهم عراقيل المسار، فيصابون ببعض اليأس ويستحضر بعضهم ، بمرارة، مبررات حكم «المستبد العادل» أو تلك القناعة التي كرسها حكّام الاستبداد حتى استبطنتها الشعوب لعقود، والتي مفادها اننا شعوب المنطقة لا نستحق العيش الا على كفاف الخبز والـمن وأن الحرية والديمقراطية وامتلاك الارادة ، هي منّة من الحاكم ، حتى وان قُدمت لنا ،فإنها تكون في شكل جرعات خوفا علينا من الجرعة الزائدة التي تقودنا الى الفوضى والخراب.

كذّبت انتفاضات 2011 و2019 كل هذه المقولات حين تفاجئ المتابعون، تماما مثل الحكام، بحجم الغضب المكبوت لدى المظاهرات التي عاشتها العواصم والمدن العربية ، كانت الاصوات صدى لما تردد في الثورات العالمية الكبرى وهي ان «الحرية، وليس الخبز، هي من تصنع حياة الانسان» لكن الاهم في الثورة ليست لحظتها الانية ولا انتصاراتها الاولى على انظمة القهر، بل في بناء انظمة مغايرة على انقاضها ، لان الثورات التي تظل طريقها تنتهي دائما بالفوضى أو الى كابوس استعادة الماضي بكل انكساراته ومآسيه، مثلما اشار الى ذلك الكاتب البريطاني جورج اورويل في رواية «مزرعة الحيوانات» حين اعاد مسخ ثورة العدالة شبح ظلم الماضي بأكثر بشاعة وقهرا.

ربما تشكّل تونس قصة النجاح الوحيدة في محيطها العربي بحكم الارتدادات التي عرفتها بلدان المنطقة الاخرى التي غرقت في وحل الحروب الطائفية والانظمة العسكرية والتدخلات الاجنبية، لكنني اعتقد ان الغرور الذي اصاب نخبها وعجز قيادتها السياسية قد يؤدي بها الى مصير غير مختلف.

كانت ثورة 17 ديسمبر -14 جانفي منعرجا حاسما في تاريخ تونس بما حملته من آمال وشعارات، سرعان ما تحولت عند ترحيلها الى النخب السياسية الى وقود انتخابي وصراع عبثي بين مختلف الأطراف السياسية الحاكمة.

كما أدت السياسة الاقتصادية والاجتماعية إلى مزيد من الإحباط والتشكيك في قدرة الخيار الديمقراطي على تحقيق العدالة والقضاء على المحسوبية وتقليص نسب الفقر والبطالة ولم تتوصل الاحزاب والنخب التي حكمت البلاد منذ الثورة الى الان الى التفكير بجدية في الخروج من نفق الازمة التي طال مداها، وشارفت الدولة اليوم على الافلاس، بمعناه الحقيقي لا المجازي، بسبب غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة والتخطيط السليم والسياسة الحكيمة.

والازمة الاقتصادية ليست بمعزل عن الازمة السياسية التي بلغت هي ايضا مداها ، لان اطراف السلطة منشغلة بالصراع من اجل تأبيد وجودها وفرض صلاحياتها أكثر من انشغالها بالتحديات الخطيرة التي تمر بها البلاد، واكتشف الشعب ان قضاياه ومشاغله بعيدة عن اهتمامات اولئك الذين يحكمونه، فتعمقت القطيعة وعاد الحنين الى ما قبل الثورة حنين تؤكده استطلاعات الرأي المتتالية.

في كتابهما «كيف تموت الديمقراطيات» How Democracies Die (2018) يصف استاذا العلوم السياسية بجامعة كمبريدج ستيفن ليفتسكي ودانيال زيبلات كيف يمكن للقادة المنتخبين تخريب العملية الديمقراطية وذلك حين لا تُحترم اسس اللعبة السياسية وضوابطها ويغيب الحوار وتحضر العواطف، مؤكدين ان اغتيال الديمقراطية لا يأتي فقط عبر الانقلابات العسكرية بل عبر قادة سياسيين استغلوا وجودهم في السلطة لضرب المؤسسات الدستورية، الاطار الضامن للديمقراطية.

وما يحدث في تونس هو تقويض للديمقراطية اذ لا اعتقد ان الازمة دستورية ، أي ازمة في تأويل صلاحيات الرئيسات الثلاث في دستور 2014، فالذي يشغل هؤلاء ليس احترام دور كل منهم، بقدر ما هو محاولة لافتكاك مساحات أكبر لتكريس سلطته: فرئيس الجمهورية الذي فاز في انتخابات مباشرة، يسعى الى توسيع صلاحياته ويرى في تحجيم منصبه بنظام شبه برلماني استحالة تنفيذ برنامجه المناقض تماما للنظام السياسي الحالي ورئيس الحكومة يدفعه طموحه الى مزيد التعنت و يرى حزامه السياسي الحالي الذي تقوده حركة النهضة في ساكن قرطاج خطرا على المسار الذي بنته الحركة منذ 2011، وخطرا أكبر على وجودها كحزب.

ولا يمكن ان ينفرج الوضع السياسي دون اعتبار ان السلط متكاملة وان الديمقراطية تفترض تناغمها حتى تستطيع خدمة الصالح العام، في انتظار ذلك الادراك البسيط، تغرق البلاد في ازماتها المتتالية ويكفر الشعب بكل نخبه السياسية، لذلك ان اعتبرنا، مع ماكس فيبر، أن أهم سمات الدولة الديمقراطية هي العقلانية والانسجام، فان ما يقع بين السلطات الثلاث في تونس هو عبثي بكل المقاييس ولا يخضع لأي تصوّر عقلاني، لكن في تقديري يبقى أمر يجب الانتباه إليه: إن الديمقراطية، تمامًا مثل الثورة، هي عملية معقدة و مشروع مستمر تتعلم خلاله الشعوب من اخطائها وتتجاوز سوء اختياراتها وتصحح بوصلتها مع تراكم وعيها وثقافتها المواطنية، بشرط ان لايكون ذلك بعد فوات الاوان.


المصدر: جريدة المغرب


الصورة: زينب شفقت عادل